الثلاثاء 23 يوليو 2019 م - ٢٠ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في بيجينج .. حوار وقهوة ونوع من ربيع أرواح

في بيجينج .. حوار وقهوة ونوع من ربيع أرواح

علي عقلة عرسان

ليس كل ما هو قديم يجب استئصاله والحكم عليه بأنه للتقدم.. قد يكون في الكثير مما هو مُعاصِر كثيرٌ من الفوضى والتدمير والتعويق عن التقدم، وما رسخته الأجيال عبر تجارب طويلة ومؤلمة وعميقة، ينبغي أن نحترمه وندقق في تعاملنا معه وحكمنا عليه، ونغربله، قبل أن نصدر أحكاما عليه، ونتخذ قرارت تتعلق بمصيره..

في الرابع والعشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2005 الساعة العاشرة صباحا، بعد تناول طعام الإفطار في مطعم فندق جامعة الدراسات الأجنبية في بيجينج حيث كنت قد ألقيت فيها محاضرة في اليوم السابق، تبعها حوار.. جاءت الدكتورة ليلى،”تشي مين مين” التي رافقتني في أول زيارة لي إلى الصين عام 1983، حين كانت طالبة تعمل على رسالتها “ترجمة رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري إلى اللغة الصينية، وقد أصبحت أستاذة في تلك الجامعة.. لتصطحبني إلى جامعة بيجينج لعقد لقاء متفق عليه هناك.
في جامعة بيجينج، وفي قسم اللغة العربية، كان ينتظرني رئيس جمعية الترجمة، أو جمعية المترجمين، الدكتور صاعد، ومعه رئيس القسم الدكتور مجيد والصديق الدكتور علي الذي كان مستشارا في السفارة الصينية بدمشق، وحضر اللقاء عدد من الأساتذة الآخرين، والسفير شي تشون والدكتور بسام، أمين سر الجمعية، وطلاب القسم. تحدثت حول الحياة الأدبية، في أهم الموضوعات التي يتناولها الأدباء عندنا، ثم جاءت الأسئلة متنوعة، وتعبر أيضا عن بعض الشواغل والاهتمامات، ومن ذلك موضوع الأدب النسائي، والممنوعات أو المحرمات التي يتناولها أدباء وكتاب.. إلخ، واستمر لقاؤنا مدة ساعتين، حيث توجهنا بعد ذلك لالتقاط صور جماعية، ثم إلى غداء في مطعم إسلامي قرب باب الجامعة، يقدم طعاما على طريقة أهل شينجيانج/تركستان الشرقية.
كان مرورنا بمناطق من جامعة بيجينج ممتعا ومثيرا، حيث الأشجار والبحيرة والأبنية التقليدية ذات التاريخ والتأثير الحي في الذاكرة.. ومن بعيد ظهر لنا البرج، أو الباغودا، من خمس طبقات، وقد أصبح/ أو أصبحت الآن خزانا للمياه، ومررنا ببعض المجسمات الحجرية المنتشرة هنا وهناك.. وما كدنا نجتاز المباني حتى أشار الدكتور صاعد إلى مبنى كان يسكنه عندما كان معيدا في الجامعة، لقد تقاعد منذ سنتين وبقيت رياح الشباب تمر عليه.. مرت صور كثيرة في مخيلتي.. هذه الجامعة العريقة التي أنشئت عام 1998 تسجل أكثر من قرن على تأسيسها، وقد تخرج منها رجال كثر، سجل بعضهم تفوقا وحضورا في مجالات فكرية وثورية وفلسفية واجتماعية.. تذكرت أن الروائي الصيني الكبير باجين الذي توفي يوم وصولي إلى الصين في 17 أو 18 من هذا الشهر/ أكتوبر ٢٠٠٥، بعد معاناة مع المرض استمرت أكثر من عشرين عاما، كانت عبئا عليه وعذابا له ولمعارفه.. هذا الروائي هو رئيس اتحاد الكتاب الصينيين، وصاحب ثلاثية الأُسْرة المشهورة، بقي يعاني من سرطان الجلد كل هذه المدة.. يوم زرت الصين للمرة الأولى عام 1983 لتوقيع أول اتفاق بين الكتاب العرب واتحاد الكتاب الصينيين، اعتذروا عن عدم حضوره لأنه مريض في المشفى، أظن أنه كان في أحد مشافي شنغهاي، المدينة التي قابلت فيها الكاتب المسرحي الصيني تساو يو “يي” في تلك الرحلة، وكان لي حديث شيق معه، تناول فيما تناول، الشاعر المسرحي الألمانب برتولت برخت.. كان ذاك الرجل باجين، صاحب ثلاثية الأسرة، أحد خريجي جامعة بيجينج، وآخر الرواد في العصر الماوي.
في بداية لقائي مع الأساتذة والطلاب في جامعة بيجينج عزيتهم بوفاة الرجل، وهنأتهم بنجاح إطلاق وعودة المركبة الفضائية الصينية التي حملت راكبين إلى الفضاء.. قال الدكتور بسام إن “ماو زي دونج” عمل في هذه الجامعة أمينا للمكتبة، أو عاملا فيها، وكانت تخرج القيادات الفكرية والثورية، وما زال هذا حظها على ما يبدو، لأن القيادات الصينية الحالية هم من خريجي جامعة متقدمة هي جامعة بيجينج تتفوق في الدراسات العلمية التخصصية “الرياضيات والهندسة والعلوم”.
قلت في الاجتماع، إن جامعة ووهان WUHAN عمرها 112 سنة، وهي أقدم من جامعة بيجينج، وقد كنت قادما إليهم من تلك الجامعة التي أسست قبل جامعة بيجينج، فارتفعت أصوات تقول “لا هذه هي الجامعة الأولى في الصين”.. التاريخ لا يشير إلى ذلك ولكن الحماسة تريد أن تفرضه.. لا باس فالقوة والحماسة تصنعان أشياء كثيرة.
حين وصلنا إلى مدخل المطعم الذي دُعينا لتناول الغداء فيه، قرأت العبارة الأولى بالعربية على الباب: “طعام حلال. مطعم إسلامي.”، وعند مدخل الباب استقبلنا شاب بزي بهيج، عرفت لا حقا أنه أحد عناصر فرقة فنية تقدم مشهدا أو فقرات غنائية راقصة من شينجيانج، حين بدأ تقديم فقرته مع شابة جميلة يراقصها، وهما بالأزياء الشعبية التركستانية.
السلام عليكم .. قلت له..
فاجأته التحية.. لثوانٍ لم يدرك أو لم يعرف هل حقا أقول ما قلت؟ بعد ثوانٍ رد بابتهاج: السلام عليكم.. صافحني وصافحته وكان جَذلا. تناولنا طعاما شهيا هناك، وأكلت من بعض الأطباق الخاصة بتلك المنطقة “شينجيانج”، ومن ذلك الصفائح باللحم، والشُّقف أو اللحمة بالسيخ على الطريقة الدمشقية.. إنه طعام تثق به وتحبه وتشتهيه. كان المضيفون من قسم اللغة العربية في جامعة بيجينج كرماء، ويشاركهم في ذلك أعضاء الجمعية.. شعرت بالسرور لدفء الصداقة وحميمية اللقاء، وارتحت لأن اللقاءات في جامعة الدراسات الأجنبية وفي جامعة بيجينج، وكذلك في جامعة أوهان، كانت ناجحة.
بعد الغداء كان هناك وقت للراحة في الفندق، وفي الساعة السادسة نبهني الهاتف إلى متكلم من الفندق يقول بلغة إنجليزية لا تكاد تبين، بدت معها إنجليزيتي العَرجاء أفضل وأصوب، قال الصوت في الساعة “السادسة ينبغي إخلاء الغرفة”. كان موعدي مع الدكتورة ليلي “تشي مين مين” في الساعة السابعة، لنتحدث في أمور تريد أن تطرحها علي.. هيأت نفسي، صليت بعد الوضوء بسرعة، وأخذت حقائبي ونزلت إلى بهو الفندق.. كانت الساعة السادسة وثلاث دقائق.. أنهيت بعض الإجراءات، وتابعت القراءة في كتاب عن العلاقات العربية الصينية. حتى قدِمت الدكتورة ليلى، فوجئَت بأنني في البهو، وتبين أن بعض “سوء التفاهم” أدى إلى أن أترك الغرفة قبل موعد الانطلاق إلى المطار الذي حدد في العاشرة والنصف، ولكن الحصيلة كانت أمامي.. ذهبنا إلى العشاء في مطعم قريب، أكلات صينية شعبية لا بأس بها، ثم عدنا إلى مقهى حميمي الجلسة قرب الفندق، حيث تناولنا القهوة مع الدكتور بسام الذي التحق بنا بعد دقائق من وصولنا.
كان الحديث جديا ومفيدا، وربما شابته حماسة للرأي.. تناولنا فيه الاختلاف بيني وبينه حول لوشين، وكنت أخطئ في مرات سابقة في اللفظ الصيني بين لوشين و”لاوشه” الذي يكتب أدبا شعبيا، وله مقهى باسمه في المدينة. الدكتور بسام من المدافعين عن مواقف لوشين “الفوضوية” التي دعا فيها إلى تدمير التراث، وأنا لست مع هذا، وأراه فوضويا ساهم في الدعوة إلى تدمير ثقافي يطال مقتنيات في متاحف، وكتبا وآثارا.. وأن هذه الفوضوية المتأثرة أو التابعة لفوضوي الربع الأول من القرن العشرين، قادت في معظم الحالات إلى نتائج وأفكار ومذاهب ليست بناءة بالقدر الذي يغطي عيوب دعوتها أو يقارب تلك الدعوة. وأنا رأيت فيما كتبت عن لوشين، لا سيما المقالات، أنه كان على نحو ما مساهما في أبوّة الثورة الثقافية الصينية “1966 ـ 1978″ التي تحمَّل منها الصينيون ما تحملوه، وأدانوها فيما أدانوا، لأنها أتت على الكثير مما أنتجوه حضاريا، وعوَّقت تقدمهم لسنين، وعطلت الإبداع، ودمرت إبداعا وتراثا حضاريا هو ملكهم وملك الإنسانية، وعطلت عقولا وكبلت إرادات، وتسببت في الكثير من الأخطاء والمخاطر على صروح علمية وتوجهات فكرية.
هم يقتنعون الآن ويدينون ما كان من المحرم الحديث فيه قبل عقود.. وبعد مناقشتنا الدقيقة والمكثفة حول لوشين، بدا أنه وافقني على أن التوجه الثوري مقبول، ولكن على ألا يدمر ما هو ملك الشعب والتاريخ والإنسانية من مراحل وأشخاص وتراث وموروث. لوشين قد يكون على صواب في تطلعه الثوري، ويرى في التقاليد والعادات والمقدسات الصينية معوقا للتقدم، ولكن أسلوبه في معالجة الوضع مدمر، وربما كان تطلعه مشروعا ولكن أسلوب المعالجة مرفوض.
تذكرت ما كان لنا، في طريق عودتنا أنا وتشي من المطعم الإسلامي إلى مقهى الفندق، من حديث طيب ودقيق مع أستاذ من كلية التجارة، ومما قاله: “في الصين ثلاث ممنوعات في الكتابة: السياسة والأيديولوجيا والعادات والتقاليد.. ما عدا ذلك يمكن أن تنتقده.. يوجد رقابة في الصين على المطبوعات، الأوضاع الآن أفضل من السابق ولكنها تحتاج إلى انفتاح أكثر وأعمق”.
طرحت ليلى “تشي” أسئلتها، وكانت تنصب على التغيير والمعوقات والموروثات والموقف منها، وكان من شواغل الدكتور بسام موضوع التعامل مع الماضي، وكيف يمكن أن نتجاوز المعوِّقات.. قلت لدينا ما هو متشابه/أنتم لديكم محرمات ومقدسات في الماضي قد تكون التعاليم الكونفشيوسية أحدها، وكذلك الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي ترقى إلى المقدس أو إلى المحرم.. نحن لدينا مثل هذا ويتصل بالمقدس، وهناك معوقات.. ولكن ليس كل ما هو من الماضي محكوم عليه، وأنه ليس سليما، وأنه معوِّق للتقدم وينبغي استئصاله.. هذه النزعة الاستئصالية مفزعة، وهناك إرهاب فكري عند بعض الأحزاب والأيديولوجيات، وعند بعض أتباع ماركس، وقد عانينا وعانى الكثيرون من ذلك التعصب والتطرف في النصف الثاني من القرن العشرين بصورة رهيبة على يد الميليشيات الثقافية لتلك الأيديولوجيا وتنظيماتها.. عندكم تقديس لماركس وهو يخطئ وينبغي أن يُنتَقد، إنه ليس أقل من أفلاطون طوباوية، وإن جاء عن طريق المادية وأفلاطون عن طريق المثالية، لقد التقيا في الطوباوية.. كل لديه معرفة بمشكلات مجتمعه وحلول يقتضيها عصره ومجتمعه، لكنها عُمِّمَت على العالم، وصادرت المستقبل.. لقد تجاوز الناسُ والزمنُ ماركسَ والماركسية وانكشفت أخطاء قاتلة.. فلماذا هذا التقديس وهذا التعامل مع الماركسية بوصفها دينا؟! ولماذا ندافع عن الخطأ، وهل السيد ماركس يملك عصمة من نوع ما، وهو فوق الخطأ والنقد والمراجعة؟ أنا لا أرى ذلك، اللهم إلا إذا أراد مريدوه أن يتعاملوا مع هذا اليهودي كما يتعامل “المجتمع الدولي” سياسيا، مع الكيان الصهيوني، فيضعه فوق الخطأ والنقد والمساءلة، ويفرض ذلك بأساليب منها الإهاب والتسفيه والتخويف. ماو زي دونج تجاوز ماركس والماركسية في أشياء فرضها عليه الواقع الصيني.. ولذلك كان للصين طريقها الخاص للاشتراكية والشيوعية.. الفلاحون صنعوا الثورة الصينية وقادوا التحولات في الصين وليس العمال، وهم، أي الفلاحون، متهمون عند ماركس بوصفهم طبقة رجعية، وقد دفعوا على يدي ستالين ثمنا باهظا لتمسكهم بالأرض والأصالة الطبقية الفلاحية، إن صح التعبير.. كان ماو يحافظ على كثير من التقاليد الخاصة بالمجتمع الصيني، حماسته للشعر التقليدي، وكتابته للشعر بالطريقة التقليدية، تعد انتماء وحملا للخصوصية والهوية.. نعم، ذلك انتماء لمجتمع وهوية وخصوصية، ودفاع عن ذلك على نحو ما. ليس كل ما هو قديم يجب استئصاله والحكم عليه بأنه للتقدم.. قد يكون في الكثير مما هو مُعاصِر كثيرٌ من الفوضى والتدمير والتعويق عن التقدم، وما رسخته الأجيال عبر تجارب طويلة ومؤلمة وعميقة، ينبغي أن نحترمه وندقق في تعاملنا معه وحكمنا عليه، ونغربله، قبل أن نصدر أحكاما عليه، ونتخذ قرارت تتعلق بمصيره.. هناك تقاليد وأعراف ينبغي تجاوزها، وهناك ما ينبغي المحافظة عليه منها لأنه صالح، إن معيارا نقديا يستند إلى مفاهيم ومصطلحات وقيم واحتياجات وخصوصيات ثقافية، هو ما ينبغي أن نتوصل إليه، ونحتكم إليه، ونعرض عليه الماضي، عبر توازن معرفي وروحي وعلمي واجتماعي.. والماضي يدخل في الهوية والانتماء، ويشكل جذرا من جذور المستقبل الراسخة. القدَم الصغيرة للمرأة الصينية أمر ينبغي تجاوزه، لأنه يعارض الطبيعة والصحة والجمال، ولكن موضوع دور الأسرة وتراتبيتها، واحترام الكبار وسلطة الأب، وليس استبداده المطلق وما قد يكون لديه من تخلف معرفي بحكم البيئة والزمن والتربية المعرفية والمعطيات العلمية.. كل ذلك لماذا ندمره؟!
هل نتبع الغرب فيما دمره أو دعا إلى تدميره في زمن الفوضى، اتباعا أعمى.. التقدم العلمي لا يقتضي مثل ذلك، ولا يتوقف على ذلك.. وتدمير الأسرة وبُناها في الغرب كلف ويكلف الناس الكثير. هناك ظروف في الغرب فرضت أشياء على المرأة والمجتمع: “الحربان العالميتان الأولى والثانية” أخرجتا المرأة عن خصوصية البيت وعن أنوثتها في حالات، ودفعتاها إلى ما يشقيها وما تكرهه، وما أصبح اليوم نظرية في التحرر.. التحرر شيء والانحلال شيء آخر، وتدمير الأسرة والقيم في المجتمعات الشرقية ضار بروحيتها وخصوصيتها وهويتها.. لا نريد أن نفهم التحرر على أنه انحلال، والانحلال الخلقي قدم نتائج وعلاقات ضارة وأمراضا منها الإيدز مثلا. البشرية انتقلت من الغابة والعُري ومن الحالة الحيوانية والحرية الطبيعية، إلى القرية والمدينة والمجتمع الحضري والملابس والنظام والحرية والوضعية وتنظيم الأسرة.. وكان ذلك إرثا إيجابيا للبشرية، فلماذا ندمره على نحو ما، بالقضاء على قيم ومقومات سليمة رسخت في تقاليد وعادات وقوانين.؟! فلنحاكم منطقيا، وليكن لنا موقف نقدي على أسس منهجية وموضوعية ومعرفية، في إطار مسؤولية اجتماعية وأخلاقية وقومية ودينية وإنسانية، ولنصل إلى تجاوز ما ينبغي تجاوزه من أجل التقدم والسعادة والحضارة والإنسان.. وليس من أجل تجسيد شعار الهدم والتدمير على طريق التقدم.. أفلا نعرف كيف نتقدم من دون أن ندمر؟ وما الذي يضمن لنا أن ما نراه تقدما، من وجهة نظر بعض الأشخاص والنظريات، هو في صالح الإنسان والحضارة فعلا؟! قد نخطئ نحن المعاصرون كما أخطأ غيرنا من الماضين، ويكون ثمن الخطأ فادحا.. نعم لا بد من الانفتاح وتحكيم العقل والمنطق والمعايير الموضوعية السليمة، ولا بد من التأصيل والأصالة. كونفشيوس مثلا، ليس كل ما قاله خطأ أو معوِّق، ولا ينبغي أن نقول لأنه قديم هو مرفوض ويجب أن يدمَّر.. الخير والشر قديمان، وما زال الخير خيرا يتعلق به أشخاص والشر شرا يمارسه أشخاص ويرفضه الناس، وحكم القيمة على كل منهما مختلف عن الآخر.
بدا على الدكتور بسام الرضا والموافقة بل والاتفاق، وكانت الدكتورة ليلى موافقة بحماسة لكل ما أبديته من رأي. أخذت فنجانين من القهوة.. يحدث ذلك للمرء عندما يطيب الحديث، ويوجد جو ملائم للحوار، وتلتقي عقول وإرادات على منطق يشعر بقيمة الإنسان والمنطق، وبمعنى الفهم وقيمة الإدراك، وتفهُّم الصواب والخطأ.. في مثل ذلك المناخ، وفي تلك اللحظات يلتقي الإنسان بالإنسان أيا كان الموقع الجغرافي والمنبع المعرفي والانتماء القومي، وأيا كان الاعتقاد والفضاء الروحي، والهوية الثقافية.. الإنسان يكتشف الإنسان، والروح تلتقي مع الروح، وتقفان في مُجتلى النور، لترى كل منهما الأخرى وتعانقها، وتسير معها في ربيع الزمن، من ربيع المعرفة والقيم إلى ربيع.

إلى الأعلى