الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ” الحالم” لسمير قسيمي… رواية الطبقات العميقة

” الحالم” لسمير قسيمي… رواية الطبقات العميقة

بعد رواياته المميزة ـ تصريح بضياع، هلابيل، في عشق امرأة عاقر ويوم رائع للموت ــ،جاءت روايته الخامسة: الحالم في حلّة أكثر تميزا ونضجا؛ (رواية الطبقات العميقة)؛ لتجعل من سمير قسيمي ظاهرة روائية بامتيــاز.
وأنا أسبر أغوار الحالم، كنت ألاحظ أنها تشدني من طبقة إلى طبقة، ومن طبقة عميقة إلى طبقة أعمق، لتصل بي إلى مركز الأحداث وبؤرة التوتر، إنها رواية لا تشكل خطاً مستقيما. تكتفي بالسير موازيا له لتصل لنقطة النهاية، بل هي رواية طبقات، وليس المقصود بالطبقات عمليات الاسترجاع وكسر التتابع الزمني مما يولد المفارقات، بل هو في روايتنا انتقال من مستوى سردي إلى آخر.. من عالم إلى غيره وكأن القصص منفصلة على جميع المستويات والبنيات، وفي الآن نفسه متصلة ومترابطة لا بالزمن بل بجنون الحدث وتداخل الواقعي والمتخيل وإن كنت لا أجد أدوات نقدية تتحدث عن فكرة الطبقات واللعب بها في السرد الروائي، ورغم أنني لا أدَّعِي نيابتي عن مؤسسة نقدية كاملة، إلا أنني لا أجد توصيفا أكثر تعبيرا من فكرة الطبقات، وإن لم يكن سمير قسيمي سباّقا للفكرة عالميا ، فإنه أبدع فيها عربيا وتميّز.
المُلاحظ أن كل الطبقات التي تحدث عنها سمير قسيمي في روايته الحالم تنتهي بالموت، موت ريماس ايمي ساك، موت ابنته جميلة، موت جميلة الحقيقية زوجة رضا خبّاد، لكن الطبقة الأخيرة تنتهي بالحلم، بالسؤال الذي تأسست الرواية من أجله : هل يستحق الحلم ما نبذلهُ من أجله؟
لم تتشكل الحالم من ثلاث روايات فحسب، بل هي كما أسلفتُ عبارة عن مجموعة من الطبقات، كل طبقة كبرى تشتمل على طبقات أصغر تلتحم ببعضها لتشكل لنا نسيجا روائيا مختلفا ومتمايزا، هي خمس طبقات: المقدمة، والروايات الثلاث: مسائل عالقة (ثلاثون)، والمترجم والكفيف يمكن أن يرى، والخاتمة.
تعمل الطبقة الأولى ( المقدمة ) على توريط القارئ في سلسة من المتاهات، لا يمكن فك شفرة الثانية إلا بالأولى ولا الثالثة إلا بالثانية والأولى، ولا يمكن فك شفرة الأولى إلا بالأخيرة، ويظهر لنا التميز في السرد الروائي لدى قسيمي الذي لا يرتسم في خط واحد، بل ينكتب في مجموعة من الطبقات والحلقات المترابطة، لكل طبقة شخوصها وفضاءاتها، وزمنها، ولا يمكن بحال فصل واحدة عن الأخرى.
وإن كانت الرواية رواية مجنونة كما وصفها البعض، ورواية عجيبة وغريبة تتحدث عن الموت والحياة والعدم والوجود، إلا أنه لا يمكن أن نمسك خيوطها إلا بعقل متحفز يرصد لنا جنونها ولاعقلانيتها.
في المقدمة، على مدار عشر صفحات يظهر للقارئ أن سمير قسيمي يسرد ظروف كتابة روايته، مُقرا بأن كل ما كتبه ما هو إلا رسم لواقعٍ حدثَ بالفعل، وليس حظه منها إلا كحظ الراقن. لكن المفاجأة الأولى ( التي جعلتني أعتبر المقدمة طبقة رغم صغر حجمها قياسا ببقية الطبقات) تظهر عندما يورطنا سمير قسيمي في حكاية عجيبة غريبة، مفادها أنه حصل من طبيب نفسي على مخطوط رواية كتبها مريض يسمى سمير قسيمي، وأنه اكتشف لاحقا أن هذا المخطوط مطابق تماما لروايته التي يعكف هو على كتابتها، أما الروايات الثلاث التي تلي المقدمة فيبدأ كل منها بـجزء عنوانه حوار غير ودّي مع كاتب لا يعرفهُ أحد .
يبدو في البداية أن هذا الكاتب المغمور الذي لا يعرفهُ أحد، هو الممرض الذي يسعى في كامل مساحة الرواية أن ينفي عن نفسه تهمة سرقة الرواية، ويبحث معنا عن الشخصية الحقيقية للمجنون الذي يظهر تارة على أنه ريماس إيمي ساك، وتارة أخرى أنه سمير قسيمي (مع العلم أن ريماس إيمي ساك هي نفسها سمير قسيمي بالمقلوب). وفي كل الأحوال لا أجد في الأجزاء الأولى ما يشي بأنه قد يكون رضا خبّاد. والحوار غير الودي الأول عتبة الدخول لطبقة أعمق أعتبرها البؤرة المركزية، التي تنبني عليها بقية الطبقات إنها: “مسائل عالقة” التي تُحدثنا عن ريماس إيمي ساك ورواياته الثلاثين، حتى أنه يظهر لنا هنا أن ايمي ساك هو الشخصية التي اختارها الروائي ليرسل من خلالها رؤيته للأشياء والموجودات وطريقة تعامله مع الأحداث. وهي في الوقت نفسه الشخصية التي تُقرّب المتلقي من بقية الشخصيات وتربط بينه وبينها فهو الذي يُعرفنا على ذلك المريض الذي يكتب على لسان ريماس، وهو أيضا الذي يحدثنا عن شخوص المقهى “ثلاثون” ويرسمها لنا بدقة ووضوح، بل هو الذي وظّفها في رواياته فما صار لها وجود غير وجودها ضمن عالم ريماس ايمي ساك، وهو الذي يرسم لنا وجه جميلة ويعرفنا عليها ويمهد لها لتستلم جزءا مهما من الفعل والتصرف في بقية الأجزاء، وريماس ايمي ساك هو نفسه الروائي المغمور الذي لم يهتم به أحد، ولا برواياته الأربع، فاختار هذا الاسم الذي يوحي بأن جذوره فرنسية ليكتب به ثلاثين رواية، والحقيقة أن الاسم الجديد ألغى الحياة القديمة للروائي: “لنكن أكثر وضوحا ونقول إنه يوم ذكرى ميلاده الأربعة والثلاثين، والذي لم يكن بالمناسبة اليوم الذي خرج فيه من رحم أمه، بل الذي انتهى فيه من كتابة أولى رواياته”. ص37
لكن ريماس لم يكتب أي رواية بعد روايته الثلاثين، ذلك أنه أصيب بحالة عمى غريبة، بعد أن توفيت زوجته وهجرته ابنته، إذ لم يعد قادرا على رؤية نفسه في المرآة؛ تصيبه غشاوة كلما حاول ذلك، لكنه يبصر بوضوح إذا ما أزاح نظره عن المرآة، فربط الرجل بين الإلهام وحالة العمى النصفي (الجزئي والمؤقت) التي أصابته.
الجميل في رواية الحالم أنها تقنعك بوجود المقهى وتقربك من شخصياته، وتدفعك إلى الشفقة عليها حينا والنفور منها أحيانا، لكن بالمواصلة في رحلة الرواية نكتشف أن تلك الشخصيات ما هي إلى شخصيات روائية وظّفها ريماس وأخذها من واقع المقهى الذي ابتدعه أيضا ــ ريماس ــ ليمنحها الخلود في أدوار اختارتها هي لنفسها في مرحلة أولى.
لكن في درجة أعمق لم تكن هذه الشخصيات إلا شخصيات سمير قسيمي في رواياته الأربع الأولى والتي تسعى لتتآمر ضد ريماس لتقضي عليه في محاولة منها للتخلص من أدوار لم تعد راغبة فيها، لتكتشف أن هناك خالقا أكبر من ريماس منحها حياتها ولم يكن ريماس إلا واسطة بينهما، والحقيقة أن الخالق الأول لم يكن إلا الروائي ـ سمير قسيمي الحقيقي ـ
النادل الذي ما كان يريد أن تتكرر مأساته مع صاحب المقهى ( يحرص على خدمة أشخاص لا غاية من وجودهم إلا إمتاع صاحب المقهى، ) اضافة إلى الشاب الذي استعمله سمير قسيمي في روايته الأولى دون اسم والذي لم يكن في الحقيقة إلا الشاب الذي قام ريماس بقتله. كانا وراء قتل ريماس الذي انتشر الموت في جسده، وكلما فقد الاحساس بعضو من جسده ارتسم على المرآة وتمكن هو من النظر إليه، وعاودته المقدرة على الكتابة، لكنه لم يعد قادرا على كتابتها بسبب الشلل الذي أصاب يده.رغم ذلك راحت الجمل تترتب في رأسه بشكل جميل كما كان يفعل دائما. وراح هو أيضا يستسلم للموت رغم انتقاله من خيال لخيال . وحواره مع خيال الشاب الذي قتله.
تنتهي الطبقة الثانية الكبرى بموت ريماس ايمي ساك.، لتبدأ الطبقة الثالثة، بالحوار غير الودي في جزئه الثاني، ممهدا لرواية المترجم. وهنا يصمت الممرض وريماس ليصبح سمير قسيمي هو الراوي، المترجم الذي برع في ترجمة أعمال ريماس ايمي ساك من الفرنسية إلى العربية فأحب ريماس وأتقن لغته وتمكن لاحقا من الاتفاق مع ابنته جميلة لكتابة الكتاب الأخير لإيمي ساك استعانة بالمذكرات التي يفصح فيها عن هويته الحقيقية.
وتنتهي هذه الطبقة أيضا بالموت، موت جميلة ابنة ريماس ايمي ساك، التي أحبّها المترجم وتعلّق بها، رغم معاناتها مع المرض.
وتبدأ الطبقة الرابعة باللازمة نفسها مواصِلة الحوار غير الودي مع الكاتب الذي لا يعرفه أحد، يليه الكتاب الأخير لريماس ايمي ساك: الكفيف يمكن أن يرى، في هذا الجزء تتعقد الأحداث أكثر وتتشابك، لتكشف لنا عن كثير من المسائل العالقة، وتجيبنا عن جملة من الأسئلة التي طرحناها في كل مفصل، يأخذ ايمي ساك دور الرواي من جديد ، ليحدثنا عن تفاصيل موته، ويكشف لنا حقيقة اسمه، وكيف أنه اختارهُ هو وصديقه الشاب الذي شاركه في كتابة رواياته الإحدى عشرة الأولى، ثم اختفى بعدها ليواصل هو المهمَّة وحده، وتخبرنا جميلة عن العلاقة التي جمعتها بصديق قديم يدعى رضا خبّاد، والتي أدّت إلى حملها، فاضطرت بعدها للزواج من أحمد الذي رفضه والدها، وهنا تتجلى لنا الطبقات أكثر عندما يشرع في تقسيم الجزء الثاني من الكتاب الأخير إلى عشر طبقات صغيرة ، كل طبقة (ليلة ) تقربنا من موت ايمي ساك وتؤدي له،ورغم محاولة الروائي المغمور أن يطيل عمر ايمي ساك الذي سيموت بعد الرواية الثلاثين ، إلا أن هذا الجزء أيضا ينتهي بالموت . لكن الموت هنا، موت إرادي . موت ايمي ساك بعد أن اختار له الروائي ذلك، لكن الروائي يموت هو أيضا في اللحظة التي يقرر فيها أن ينتهي من وجهه الآخر (وجه ايمي ساك )
الطبقة الخامسة والأخيرة هي الخاتمة وقد أخذت كالمقدمة عشر صفحات أيضا، جاءت في شكل تقارير وأخبار صحفية، ولقد اعتبرتها طبقة كاملة لأنها أجابت عن بقية الأسئلة وحلّت القارئ من الورطة التي وضعته فيها المقدمة.
في التقرير الأول أخبار صادمة تكسِرُ كل آفاق التوقع التي رسمناها سابقا، لتحدثنا عن حريق يشب في الغرفة ــ 142 ــ التي التقى فيها رضا خبّاد بجميلة بوراس سابقا، لكن اللافت هنا أن الخبر يعلن على أن خباد وجميلة زوجان يقيمان في الغرفة منذ أربع سنوات بعد أن طُرِد من عمله . وأن جميلة ماتت حرقا في حين أصيب زوجها بحروق واتُهِم بأنّه فعل ذلك.
في الخبر الثاني يؤكِدُ صاحب الفندق ( قريب خبّاد) استحالة أن يكون رضا وراء الحادث،
وأنه لولا حسن خلقه لما سمح له بالإقامة في فندقه مجانا.
لينتهي الخبر بأن الحريق جاء نتيجة لحرق مجموعة من الأوراق ــ أعمال خبّاد ــ إثر شجار بينه وبين زوجته، والذي نُقِلَ بعدها لمستشفى ” دريد حسين ” للأمراض العقلية والعصبية، تتوالى بعدها الأحداث في شكل تقارير صحفية تؤكد موهبة خبّاد وسعي الناشرة ـ ليليا ـ لنشر أعمال رضا خبّاد.
وأخيرا حوار لكمال رزوق يؤكد فيه أن رضا خبّاد مريض لا يمكن أن يتماثل للشفاء، لأنه مُصابٌ بالحلم . وتنتهي الرواية باستفهامه: هل يستحق الحلم كل ما نبذله من أجله.؟
هذه الطبقات توضح لي أن سمير قسيمي روائي يعرف كيف يبدأ الرواية وكيف ينهيها. ويتقن أثناء غوصه لأعماقها كيف يحافظ على الخيط الذي يشد به اهتمام القارئ ويثير فضوله رغم حجم الرواية الكبير. ولعل الخاتمة على ما شملت من إجابات كبرى لأسئلة كبرى، اهتمت أيضا بتفاصيل على بساطتها تبدو مهمة في تكثيف المعنى وتعميق الدلالة، ففي المقدمة التي كتبها رضا خبّاد وانتحل فيها شخصية سمير قسيمي، يذكر لنا أن سمير قسيمي خسر الرواية التي كتبها من على جهازه، ثم أعاد كتابتها، وهذا ما فعله خبّاد عندما أحرق رواياته، وأعاد كتابتها بعد أن مكث ــ مريضا بالحلم ــ في مستشفى الأمراض العقلية والعصبية،
هذه الطبقات مجتمعة تشكل لنا رواية معاصرة يعرف التجريب فيها مداه، رواية رغم التصاقها بفضاء العاصمة، وتجولها في أحيائها وأزقتها، إلا أنها تتناول الموت والحياة ببعدهما الإنساني وتطرح فكرة الغوص نحو الحلم حيثما كان وكيفما كان. والسعي لتحقيقه. إنها رواية تحفر متجهة صوب الحلم، ويظهر فيها جهد الروائي واضحا وجليا في سعيه لجعل الحلم يستحق كل هذا العناء.
ولذلك فالرواية ـ حسب رأيي ـ كانت إجابة عميقة جدا لسؤال طُرح متأخرا.

فائزة خمقاني
أستاذة الأدب الجزائري المعاصر بجامعة قاصدي مرباح ورقلة بالجزائر.

إلى الأعلى