الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إسرائيل بين المأزق ومحاولة مستميتة لتحقيق الأهداف

إسرائيل بين المأزق ومحاولة مستميتة لتحقيق الأهداف

د. فايز رشيد

إسرائيل في مأزق. كان هذا هو العنوان الأبرز والأدق في وصف الوضع الإسرائيلي, طيلة أيام عدوانها على القطاع, التي وحتى اللحظة امتد لحوالي 35 يوما. مأزق لماذا؟ ليس من الصعب الإجابة على السؤال, وهو يتلخص في الآتي: إسرائيل لم تعتد الحرب الطويلة, تستدعي احتياطها البشري من الجيش, من أماكن العمل. لذا فالحرب الطويلة لها تداعيات كثيرة على اقتصادها وتصنيعها وإنتاجها وتجارتها الداخلية والخارجية. إسرائيل لم تعتد أن تتاثر (ما تعتبره أراضيها) بالحرب, وتصبح جزءا منها. في معظم الحروب التي شنتها إسرائيل, لم تتأثر الجبهة الداخلية الإسرائيلية مباشرة بالحرب, وكانت تخاض في أراضي الغير. الحروب الإسرائيلية في معظمها كانت تنتهي بالانتصار وتحقيق جزء كبير لما سعت إليه من أهداف, ولهذا كان من السهل عليها إقناع اليهود في الدول الأخرى بالهجرة إلى إسرائيل, ولم تكن هناك من أسباب مقنعة لمعظم الإسرائيلين للهجرة من الكيان.
كذلك فإن الكيان استثمر الانتصارات العسكرية التي حققها في إنجازات سياسية غالبا, فقد وقع ثلاث معاهدات (سلام ـ من وجهة نظره) مع طرف رسمي فلسطيني ومع دولتين عربيتين بينهما: الدولة العربية الأقوى والأكبر(في عهد الرئيس الأسبق السادات)، وبذلك خرجت هذه الدولة من معادلة الصراع العربي ـ الصهيوني, بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات سلبية على المستويين: الفلسطيني والعربي, وعلى الصعيدين: الإقليمي والدولي بالنسبة لتقزيم النظرة للقضية الفلسطينية. إسرائيل لم تعتد أن يعاني مستوطنوها مباشرة من نتائج الحرب.
في العدوان الأخير على قطاع غزة, فإن كافة البنود السابقة (وهي تشكل البنود الرئيسية من العقيدة الأمنية الإسرائيلية والكيان وبناء على قرار من مؤتمر هرتزيليا الأخير, بصدد تعديل بنود هذه العقيدة الأمنية بفعل مستجدات كثيرة). كافة البنود السابقة لم تتحقق لدولة الكيان: امتدت الحرب لمدى زمني طويل لم ترده ولم تخطط له إسرائيل, تأثر اقتصادها في كل مجالاته سلبا, بالإضافة إلى تكاليف الحرب. تأثرت المدن والقرى الإسرائيلية بالحرب واضطر معظم ساكنيها إلى النوم في الملاجئ هربا من الصواريخ الفلسطينية التي وصلت حتى شمال فلسطين المحتلة عام 1948. لم تستطع إسرائيل تحطيم أسلحة المقاومة, وتأثرت الهجرة إليها ومنها سلبا, وزادت من حجم مذابحها وحرب إبادتها الجماعية للمدنيين الفلسطينيين تعويضا عن ذلك: إبادة عائلات بأكملها, وتجريف أحياء بمجملها, وتدمير البنى التحتية للمدنيين بما في ذلك: محطات الكهرباء والمياه. الأمر الذي ساهم في زيادة كشف الوجه القبيح لإسرائيل على الصعيد الدولي.
المقاومة تمكنت من أسر جنديين, وهذا أيضا مخالف للعقيدة الأمنية للكيان. الأمر الأبرز في نتائج العدوان أن إسرائيل لم تستطع تحقيق أي من أهدافها وبخاصة: نزع الأسلحة (كما ذكرنا). كسر روح المقاومة لدى الفلسطينيين. فرض إرادتها عليهم من خلال تمرير التسوية الإسرائيلية, وتعميم تجربة الضفة الغربية في الحكم, على القطاع. هذه القضايا وغيرها ساهمت في ارتفاع وتيرة الجدل في إسرائيل, وانقسام الآراء حول العدوان والاستمرار فيه, ومدياته. كما أدت إلى احتدام الجدل بين القيادتين: السياسية والعسكرية, الأمر الذي ساهم في رفع حدة الجدل في الشارع, وتعارض ملموس بين الوزراء سواء في الحكومة المصغرة أو الموسعة. أدت إلى بدء المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق عنوانها الرئيسي: تقصير نتنياهو والحكومة والقيادة العسكرية والأمنية في إدارة الحرب, على قاعدة: أن إسرائيل لم تحقق أيا من أهدافها من وراء عدوانها. هذه القضية حتى الرئيس الأميركي أوباما, اعترف بها. كل هذه الأسباب مجتمعة: خلقت مأزقا لإسرائيل في المجالات: العسكرية, السياسية, الاقتصادية, الاجتماعية.
إسرائيل وفي المفاوضات السياسية غير المباشرة التي تدور بينها وبين الفصائل الفلسطينية تحاول جاهدة: تحقيق بعض الأهداف السياسية (ولو حتى هدف صغير) تحاول من خلاله: إقناع الشارع الإسرائيلي بالإنجاز الذي تحقق من خلال المفاوضات, لذا فإن من المستبعد تماما استجابة إسرائيل للعديد من المطالب الفلسطينية.
ثم إن ما لم يؤخذ من إسرائيل من خلال القوة, لن يؤخذ بالمفاوضات. إسرائيل في المفاوضات تحاول فرض مقولة “هدوء مقابل هدوء”, بالتالي فلا مراهنة على مفاوضات القاهرة من زاوية تحقيق (تنازلات) إسرائيلية للفلسطينيين, مع أن الشروط أو المطالب الفلسطينية محقة وعادلة ومشروعة في الهيئات الدولية. لذلك فإن الاحتمالات لما بعد انتهاء فترة الهدن (جمع هدنة) المتتالية, والتي سيجري تمديدها واحدة بعد أخرى تحت مبرر: المزيد من التفاوض (وهذا أيضا سياسة إسرائيلية على قاعدة: الخطوة خطوة, وفقا للمبدأ الكيسنجري) احتمال قائم.
غير أن الحقيقة الأكيدة التي تعمل على تفاقم المازق الإسرائيلي تتلخص في: لا هدنة مع بقاء الاحتلال, دولة الكيان لا تفهم غير لغة القوة وتحويل احتلالها إلى مشروع خاسر بكل المعاني: السياسية, العسكرية, الاقتصادية الاجتماعية. والأهم من كل ذلك: الخسائر البشرية بين صفوف الجنود. هذا ما يتوجب الانتباه إليه من قبل الفصائل الفلسطينية, ومن قبل الوفد الفلسطيني المفاوض, ومن قبل شعبنا وأمتنا.

إلى الأعلى