الأربعاء 20 نوفمبر 2019 م - ٢٣ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : لماذا كانت المنازل هي الأعلى في مؤشرات حرائق المنشآت السكنية؟

في العمق : لماذا كانت المنازل هي الأعلى في مؤشرات حرائق المنشآت السكنية؟

د. رجب بن علي العويسي

يطرح تساؤلنا – في ظل الأحداث المتكررة لحرائق المنازل والتي راح ضحيتها العديد من الأرواح-، جملة من الموجهات التي تستدعي عملا وطنيا موحدا في التعامل مع حيثيات الموضوع ومسبباته وتدارك الأخطار الناتجة عنه على الكيان الأسري، إذ أصبح أحد المقلقات الأسرية التي باتت تهدد حياتها بالخطر نظرا لحجم الوفيات المترتبة على هذه الحرائق بسبب استنشاق الدخان والاختناق، وحدوثها في أغلب الأحيان في أوقات الاستراحة العائلية (قبيل وقت العصر أو منتصف الليل وحتى الفجر)، وقد أشارت احصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات الواردة من الهيئة العامة للدفاع المدني والاسعاف إلى زيادة عدد الحرائق بشكل عام بين الأعوام (2014- 2017) فقد بلغت في 2014 (3.335)، وفي عام 2015 (3.684)، وفي عام 2016(4.157) وتزايد هذا العدد في عام 2017 حيث وصل (4.784) حريقا مسجلا على مستوى السلطنة، بارتفاع بلغ (٥٩١) حادثا عن عام ٢٠١٦ م الذي سجل (٤١٥٧) حريقا، وهو رقم صعب خاصة مع توقعات بزيادته في العام 2018 نظرا لتزايد انتشار هذه الحرائق وحجم ما خلفته من وفيات، وفق ما يفصح عنه الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للدفاع المدني والإسعاف وصفحاتها في منصات التواصل الاجتماعي.
وقد تصدرت حرائق المنشآت السكنية أعلى معدل لها وبلغت (1234) حريقا في عام 2017، وشكلت هذه الزيادة نسبة ١٢٪ مقارنة بالعام ٢٠١٦م، حيث بلغت في عام 2016، (1100) بنسبة 26%، كما بلغت في عام 2014، (965) وبنسبة 29%، وفي عام 2015، بلغت 1.126 بنسبة 31%، أما من حيث نوع المنشآت السكنية الأكثر تضررا بالحرائق، فقد شكلت المنازل المرتبة الأولى، حيث بلغت في عام 2014 (755) حريقا، بنسبة زيادة بلغت 34 حالة عما كانت عليه في عام 2013، إذ بلغ عددها (716) حالة. في حين أن المنشآت السكنية الأخرى كان ترتيبها في حالات الحرائق في العامين 2014 و2015 كالتالي: (الشقق (57/ 56)، البنايات (55/ 77)، صفائح وأخشاب وخيام (49/ 53)، كرفانات (40/ 28)، أما من حيث مسببات هذه الحرائق فتشير الاحصائيات إلى أن مسبب الكهرباء كان الأعلى في حالات الحرائق، حيث بلغت عدد حالات الحرائق بسبب الكهرباء في عام 2014 ( 1150) حالة، في حين بلغت في عام 2013 (1113) حالة. هذا وتشير الاحصائيات إلى أن عدد الوفيات في العامين 2014 و2013 بلغ بالترتيب (62/ 17)، في حين أن عدد الإصابات في العامين ذاتهما 2014 و2013 قد بلغ بالترتيب ( 104/ 74).
ومع الإقرار بأن ازدياد الحرائق ناتج عن عوامل متعددة بحسب طبيعة الحريق ذاته (منشأة سكنية، منشأة تجارية، مركبات ووسائل نقل، مزارع وغابات وحدائق، الخ)، والتي تعود في أغلبها إلى الإهمال وزيادة حجم المسببات للحرائق خاصة في المزارع أو التوصيلات الكهربائية، أو سوء الاستخدام لها وتسربات الغاز، إلا أن حصول المنازل على أعلى مستويات عدد الحرائق في المنشآت السكنية يضعنا أمام البحث عن عمق السلوك الانساني نفسه والمتغيرات التي باتت تفرض واقعا جديدا في التعامل مع الحالة، وما يستدعيه ذلك من عمق في التفكير وابتكارية في التعامل مع هذه الحالة كونها باتت تمس أمن الإنسان وتعرض حياته للخطر المميت، وخلق تفاعل وطني بشأن مراجعة وتقييم معايير الأمن والسلامة في المنازل ومدى توفر الاشتراطات اللازمة لها، ومستوى التقيد بوجود هذه الاشتراطات عند إعداد خرائط المنازل من قبل مكاتب الاستشارات الهندسية أو تنفيذها من المقاول أو تركيبها عند عمليات الفحص الكهربائي للمنزل، ومستوى الوعي المجتمعي بالقيمة المضافة الناتجة عن حضور هذه الاشتراطات والالتزام بها حفاظا على الأنفس والأموال وحماية للإنسان من مهددات الحرائق.
عليه نعتقد بأن الافتقار إلى هذه التجهيزات والأدوات والأجهزة وتأكيد وجودها في المنازل أدى إلى تفاقم الوضع وحدوث ما هو مشاهد للجميع اليوم، فعند المقارنة بالمنشآت الصناعية والتجارية أو البنايات والشقق السكنية والتجاريةيظهر أنها الأقل في وقوع الحرائق بها، نظرا لالتزام الجهات المختصة ( بلدية مسقط، وزارة البلديات الاقليمية والبيئة، شرطة عمان السلطانية، الهيئة العامة للدفاع المدني والإسعاف وغيرها) بتنفيذ فحص شامل أو بتطبيق معايير الأمن والسلامة واشتراطات متعددة أخرى تبرز مستوى الصرامة في التعامل مع هذا الموضوع وعدم منح أي فرصة في التساهل فيه، وما يرافق هذه الجهود من فرص توعوية وتثقيفية مستمرة معززة بجملة من الكتيبات الاسترشادية التي أصدرتها هذه المؤسسات في سبيل تعزيز معايير الامن والسلامة في المنشآت، سواء حول معايير التوصيلات الكهربائية والزام الشركات المتخصصة عبر عقود واتفاقيات بالمتابعة الدورية والصيانة المستمرة لها ومدى توفر طفايات الحريق وأماكن وضعها في المنشأة السكنية أو التجارية أو التعليمية، والتجديد المستمر لها للتأكد من قابليتها للاستخدام، ناهيك عن تجديد التراخيص السنوية للمنشأة وغيرها من الاشتراطات التي تعكس مستوى الجدية في التعامل مع الموضوع، والذي نعتقد بأن الحاجة إليه في المنازل ضرورة تؤكدها المؤشرات الاحصائية ومشاهد التكرار المستمر لحرائق المنازل، بحيث يعالج الموضوع وفق آليات أكثر مهنية واحترافية مستفيدا من المعطيات الحاصلة في الميدان، بطريقة أكثر ابتكارية تتعدى الروتين وتعقد الإجراءات الحاصلة في هذا الملف، بشكل تتناسب فيه مع مقتضيات الواقع المعيشي للمواطن وظروفه الاقتصادية والمالية وتسهيل طرحها في الأسواق بمواصفات معينة ورسوم محددة، وقيام وزارة التجارة والصناعة والهيئة العامة لحماية المستهلك بدورها في مراقبة أو تقنين أسعار هذه الاجهزة والتأكد من صلاحيتها والتزامها معايير الجودة، وبما يضمن التزام المواطن بتوفير هذه الاجهزة (تركيب كاشفات الدخان والغاز بالمنازل، وصيانة الأجهزة الكهربائية باستمرار) في كل المنازل القديمة منها والحديثة وقدرته على التعامل معها وحسن استخدامها وامتلاك الأسرة لهذه الثقافة وتوجيهها للاستخدام الصحيح لهذه الاجهزة، بما يتولد لديه من شعور إيجابيبأن التزامه بها سوف يجنبه الكثير من الاشكاليات الناتجة عن الحرائق.
فإن مثل هذه الموجهات سوف تضمن حرص المواطن على استخدام هذه الأجهزة بحيث تصبح مسألة الأمن والسلامة لديه سلوك عملي وقناعة ذاتية ورغبة شخصية لا يقبل المساومة فيه، وأن يتجه العمل القادم إلى التكامل بين المؤسسات المشار اليها سلفا في عملية صياغة المعايير أو في تبني الطرق المناسبة التي تساعد المواطن في الحصول على هذه الاجهزة وعملية طرحها في الأسواق والمنافسة بينها وفق اشتراطات معلومة، بحيث تضع المواطن أمام خيارات ذات جودة لا أن يتجه إلى استخدام الأدوات غير المضمونة أو التقليدية، والتأكيد على القائمين على مكاتب الاستشارات الهندسية بوضعها في خرائط تصاميم المبنى السكني، وتوجيه المقاولين إلى الآليات الفنية في عمليات تركيب الأجهزة وغيرها، بالإضافة إلى توعية المواطن بالخطورة الناتجة عن استخدام الايدي العاملة الوافدة غير الماهرة في المجال لاعتماده على فارق الاسعار كأولوية في اختيار من يقوم بعملية الصيانة الكهربائية لمنزله، فإن تزايد عدد المشتغلين من اليد العاملة الوافدة غير المصرح لها في مجال التسليكات الكهربائية للمنازل، والتي تعمل على الدخول في هذه المهنة عبر التجربة وبدون ترخيص من المؤسسات المختصة، وتنال على استحسان الكثير من المستهلكين نظرا لفارق الأسعار، يستدعي ضبط مسار العمل في هذه الأنشطة بما يضمن تحقيق معادلة الأمن والسلامة المنزلية.
وعليه تعطي هذه الاحصائيات مؤشرا بالحاجة إلى تضامن الجهود الوطنية وتفاعلها، بحيث تتجه نحو البحث عن أدوات أكثر ابتكارية ترتبط بسلوك الإنسان اليومي، عبر بناء علاقة مع الإنسان نفسه مستخدم هذه الإدوات والتجهيزات والحوار معه والتأكد من حصوله على هذه الجرعات والقناعة بها والايمان بمسؤولياته نحوه بحيث تنعكس على تصرفاته وتستجيب للتساؤلات التي يطرحها في كيفية التعامل مع هذه المخاطر، وبالتالي زيادة البرامج التوعوية والتثقيفية والمراجعات الدورية الالزامية لأنظمة الامن والسلامه في المنازل، وإجراء المسوحات التشخيصية والتقييمية المستمرة التي ترصد مسببات وقوع هذه الحرائق والافصاح عنها بكل شفافية، وتشجيع الشركات الوطنية ومنها الشركات الطلابية وعبر مركز الابتكار في ابتكار أدوات الأمن والسلامة في المنازل بما يضمن انتشار هذه الأجهزة والمنافسة بينها، بالشكل الذي يدعم امتلاك سيناريوهات وطنية بديلة في استقراء واقع حرائق المنازل.

إلى الأعلى