الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “العبادي” وصيام نينوى

“العبادي” وصيام نينوى

عادل سعد

هل يمكن لمؤسسة في العراق ان تضع قائمة بأسماء العراقيين الذين يشكون يوميًّا، أي الذين اعتادوا على أن يلعنوا الظلام، الأصل في السؤال أن هذه العتبة الإحصائية تتقدم كل البيانات حتى وإن كان المنهج على أساس التكهن والتقدير، وذلك لضرورات أخلاقية بعد أن صارت الشكوى سمة عراقية بامتياز، وبالمقابل هل يمكن للمؤسسة نفسها، أو غيرها أن تضع قائمة بأسماء العراقيين المتفائلين الذين يمكن لهم أن يشعلوا الشموع في توليف للمثل الصيني المعروف (بدل أن تلعن الظلام أشعل شمعة).
لا مجال للمقارنة من حيث العدد بين الطرفين، الذين يلعنون الظلام والذين دأبوا على إشعال الشموع والنظر إلى الحياة بروح الثقة والأمل والضرورة.
إن الذين يلعنون هم الأغلبية المطلقة، تستطيع أن تصغي إليهم في حافلات النقل العام والخاص، في الأسواق والمطاعم والمقاهي، وفي المؤتمرات الصحفية وفي البيانات وورش العمل والندوات والمؤتمرات الحكومية والمدنية، وكذلك في شارع المتنبي (سوق المعرفة ومزادات الكتب) وبالأخص في (مقهى حافظ) حيث يتجمع فيه الكثير من المسنين سياسيًّا وأصحاب رأي لا تعبر آراؤهم إلى المنطقة الخضراء مقر المؤسسات الحكومية العليا، ويساريين ينعمون الآن برواتب تقاعدية مجزية، وفي هذا المقهى وفي غيره من زوايا شارع المتنبي لم أشاهد حتى الآن أحدًا اشعل شمعة وغادر المكان، إنها فرص المزايدات وتداول في الأخبار المعدة بانحياز لهذا الطرف أو ذاك، بينما غابت الحقيقة كما غاب المكتبي (نعيم الشطري) إلى الأبد الذي كان أحد عناوين هذا الشارع وكان مزينًا بالعوز والأسئلة الحائرة والأحزان المبهرة.
وفي السياق نفسه يتردد السؤال بين الذين يلعنون الظلام والذين يحاولون إشعال الشموع هل ينجح الدكتور حيدر العبادي في التأسيس لحكومة وطنية تداوي الوجع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العراقي، لنراجع ما يجري، كل المكونات السياسية العراقية ألفت لجانًا (للتفاوض) مع العبادي، وكل هذه المكونات رفعت سقف مطالبها إلى الأعلى تشتري وتبيع بالحقائب الوزارية، في حين أن الموت يطرق أبواب مدن وبلدات ونازحين يتكومون بالآلاف يحكمهم النواح واليأس.
لقد استطالت قائمة المطالب وحقوق المكونات السياسية والاجتماعية وقدمت لوائح عريضة لرئيس الوزراء المكلف، بل إن دكاكين المنظمات النسائية ناشدت (العبادي) بمهمة إضافية على (الكوتا) المعمول بها حاليًّا وأنها أي تلك المنظمات لولا الخوف من رد فعل الأحزاب السياسية بالغطاء الديني لتظاهرت على غرار تظاهرة أثرياء لندن الذين تجمعوا في الطرف الأغر مطالبين بتخفيض أسعار الشكولاته.
وليس للطرافة أو الزعم، لكن هكذا أشيع أن جمعية معنية بحقوق المعوقين هي بصدد تقديم طلب إلى رئيس الوزراء المكلف ترجوه فيه إسناد إحدى الحقائب إلى (معوق)، وهناك مطالب في استحداث حقائب وزارية عديدة ترضي هذا الطرف أو ذاك لا تعرف حدودا للقناعة وكم هي حاجة البلاد من تلك الحقائب، مع العلم أن رئيس الوزراء المكلف أعلن مسبقًا أنه بصدد ترشيق مجلس الوزراء وأنه لم يسمح باختيار وزراء إلا على أساس النزاهة والكفاءة والرصانة.
الخلاصة المتوقعة، لا أمل إلا بلجوء العراقيين إلى الحل الذي اعتمده الآشوريون القدماء قبل ميلاد السيد المسيح، عندما صاموا ثلاثة أيام، ليل نهار، بدون طعام أو ماء وتقول الرواية إن لجوء الآشوريين إلى هذا النوع من الصوم جاء بعد أن (وصلت رائحة الإثم إلى السماء)، هكذا هي الرواية وتفيد أن السماء استجابت لمطالب الآشوريين بعد أن طهروا أنفسهم من الإثم ومــا زال هذا الصوم يعرف بصوم نينوى.
وبالعودة إلى شارع المتنبي أحد مصادر الاجتهاد الثقافي العراقي، وما يدور بين المسنين سياسيًّا والإعلاميين في مقهى حافظ فإن الأمل الوحيد للعراق أن يركن الجميع إلى قناعة بأن البلد على الحافة، وأن كل المكونات العراقية، عربا وأكرادا ومسيحيين وأيزيديين وشبك وتركمانا وصابئة مندائيين وعلمانيين ومؤمنين وآخرين غير مسجلين في رقعة التنوع العراقي، لا أمل لهم في انتزاع العراق من حافة الهاوية إلا بروح صيام نينوى، فهل هم قادرون على ذلك مع كل مغريات المال السائب وما يتم تحت الطاولات!!

إلى الأعلى