الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / جيش سبارطة الفلسطيني!

جيش سبارطة الفلسطيني!

جواد البشيتي

إنَّهم ليسوا “جيش الدفاع الفلسطيني”؛ بل “جيش سبارطة الفلسطيني”، الذي يُقاتِل ببسالة وإقدام وجرأة ومهارة فَوْق الأرض، وتحت الأرض، وعَبْر الأنفاق، وفي البحر، والذي أَبْدَع إذْ أضاف إلى القوى البرية والجوية والبحرية “القوى تحت الأرضية”، التي ما أنْ “صَفَّرَت” المسافة بين المقاتِل الفلسطيني والجندي الإسرائيلي حتى تأكَّدت للعدو، قبل الشقيق والصديق، قابلية “الجيش الذي لا يُقْهَر” للقهر والهزيمة.
وليس وحده الجيش الإسرائيلي الذي تعرَّى، أو عرَّتْه المقاوَمة الفلسطينية، من “الأوهام العربية”؛ فما قوَّته وبأسه إلاَّ من نَسْج أوهام “الانهزامية العربية”؛ فثمَّة عَرَبٌ كُثْر تَعَروا؛ تَعَروا حتى من “العداء اللفظي” لإسرائيل، ومن “الانتصار اللفظي” للقضية القومية الأولى للعرب، قضية فلسطين، ولو بمعناها المُتَواضَع عليه (عربيًّا ودوليًّا) الآن؛ وهؤلاء نَسْتَدل عليهم كما نَسْتَدِل على الشَّجِر من ثماره؛ فَهْم، وبَعْد أنْ يتلفَّعوا بدموع التماسيح، ورهافة الحِسِّ الإنساني، وبالحِداد، وبالسياسة العقلانية والواقعية، يتساءلون في سذاجةٍ قائلين: أما كان من الأجدى أنْ نَقْبَل دَعْوَةً إلى وَقْفٍ لإطلاق النار، في الأيام الأولى من الحرب التي شنَّتْها إسرائيل على قطاع غزة، وقَبْل أنْ تَنْشُر فيه آلة الحرب الإسرائيلية كل هذا الموت والدمار؟
وفي السَّذاجة نفسها يتساءلون قائلين: أين هو النَّصْر الذي أَحْرَزَتْه المقاومة إذا ما كان ثَمَنه كل هذا الموت والدمار؟ وهل حرَّرت المقاوَمة أرضًا فلسطينية احتلتها إسرائيل في حرب 1967، أو قَبْلَها، حتى تتحدَّث عن “الانتصار”؟
هؤلاء هُمْ جميعًا من جِنْس “بروتوس”، أو “يهوذا الإسخريوطي”؛ وهُمْ قَوْمٌ لا يُميِّزون (لأنَّ مصالحهم تعمي أبصارهم وبصائرهم) انتصار المقاوَمة من “انتصار” إسرائيل؛ فالمقاوَمة انتصرت في “الحرب”، وفي “حربٍ نظيفة”؛ أمَّا إسرائيل المهزومة في الحرب، وفي القتال، فـ”انتصرت” في “القَتْل”، و”التَّقْتيل”، و”التدمير”؛ وكان كل هذا الموت والدمار الذي نشرته آلتها الحربية في قطاع غزة خَيْر شاهِد على “انتصارها (الوحشي)” هذا؛ فإسرائيل تَفَوَّقَت على نفسها إذْ ارتكبت ما ارتكبت من جرائم الحرب، ومن الجرائم في حقِّ الإنسانية، وإذ أمعنت وتمادت في انتهاكها للقانون الدولي الإنساني، في قطاع غزة؛ ولقد كان ينبغي لهؤلاء “المتباكين”، الذين، عن عمد، لا يرون، ولا يريدون لنا أنْ نرى، إلاَّ مَشْهدًا واحدًا من كل المشاهِد في قطاع غزة، هو مشهد “الكارثة الإنسانية”، أنْ يُحَمِّلوا إسرائيل مسؤولية كل هذا الموت والدمار، وأنْ يُبَرِّئوا ساحة المقاومة. وكان ينبغي لهم أنْ يتجشَّموا، قبل أنْ يلبسوا لبوس “العقلانية” و”الحرص (الزائف) على الدم الفلسطيني”، إجابة السؤال الآتي: هل كان ممكنًا أنْ تَقْبَل إسرائيل، في الأيام الأولى من الحرب، إنهاء حصارها لقطاع غزة، وهي التي رَفَضَت ذلك بعد شهرٍ من الحرب، وعلى الرُّغم من زيادة حجم الخسائر التي تكبَّدها جيشها؟
كان ينبغي لهم أنْ يسألوا أنفسهم هذا السؤال، وأنْ يجيبوا عنه، إلاَّ إذا كانت غايتهم الكامنة هي وَقْف إطلاق النار مع بقاء واستمرار الحصار الإسرائيلي للقطاع، والذي هو أشَّرُّ الشَّرَّيْن!
أمَّا قياس “انتصار المقاومة” بـ”مسطرة التحرير (لأرضٍ فلسطينية تحتلها إسرائيل)”، فهذا ما لا يَفْعَله إلاَّ كل من أراد أنْ يُثْبِت بنفسه أنَّه (سياسيًّا وعسكريًّا) من الحماقة بمكان، أو اعتاد العيش في حظيرة الاحتلال الإسرائيلي، يُعْلَف فيها كالغنم.
المقاوَمة الفلسطينية في قطاع غزة قاتَلَت؛ لكنَّها لم تُقاتِل إلاَّ مقاوَمةً للعدوان الإسرائيلي، وللحيلولة بينه وبين بلوغ أهدافه المُعْلَنَة، وغير المُعْلَنَة، التي ثَبتَ عليها، أو التي تَحَوَّل عنها؛ وقاتَلَت، أيضًا، من أجل “اتفاقية جديدة”، تتضمن “هدنة جديدة”، وإنهاءً تامًّا للحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، وتأسيسًا لوضعٍ جديدٍ فيه كل ما يَضْمَن عَدَم معاودة إسرائيل لهذا الحصار، أو جَعْل معاودته من الصعوبة بمكان؛ كما تتضمَّن تلبية إسرائيلية لمطالب فلسطينية أخرى؛ مع أنَّنا لو أَمْعَنَّا النَّظَر في جُمْلة المطالب الفلسطينية (والتي هي مطالب الحد الأدنى بالمعيار الفلسطيني) لوَجَدْنا أنَّ جُلَّ ما تريد المقاوَمة تحقيقه هو من طابع إنساني، ولا يتعدَّى إلزام إسرائيل بالوفاء بما التزمته مِنْ قَبْل.
ولو أمْعَنَّا النَّظَر، أيضًا، في هذه المطالب الفلسطينية، ولجهة تحقُّقها، ولو من حيث الأساس، لوَجَدْنا أنَّها إحباطٌ لخُطَط العدوان الإسرائيلي، وأهدافه الأساسية.

إلى الأعلى