الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مفارقات أنظمة التربية العربية “2″

مفارقات أنظمة التربية العربية “2″

أ.د. محمد الدعمي

بعد انقضاء شبح “التتريك”، وأثناء مرحلة الموجة العالية للكولونياليات الأوروبية في الشرق الأوسط، أي تلك الموجة التي سبقت ما يسمى بـ”مرحلة الاستقلال السياسي” لدول الإقليم، تواشج سؤال مقاومة الإمبراطوريات والمؤثرات الأجنبية الوافدة بقوة مع ما أطلق عليه عنوان “الغزو الثقافي”، الأمر الذي دفع شعوب المنطقة ونخبها الثقافية إلى تخيله والمعاناة منه مذاك. أما الانقسام أعلاه بين المؤيدين والممانعين فقد استحال إلى قضية هوية وكرامة، كالعادة.
وبلغة مبسطة، فقد تم عد كل ما هو بريطاني وفرنسي موازيًا لتفوق بريطانيا وفرنسا، خاصة عبر سنوات الهيمنة والانتدابات ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث لم تكن الولايات المتحدة تلعب دورًا رئيسًا في هذا الإقليم الإشكالي على نحو مباشر. في تلك المرحلة، تطورت قناعة راسخة بين أقوام الإقليم يمكن اختزالها بإيمان قوي بتفوق، ليس فقط الثقافات الأوروبية، ولكن كذلك بتفوق الأنظمة التربوية الأوروبية. من هذه القناعة جاء الخضوع الذيلي الذي أبدته المؤسسات التربوية الشرق أوسطية للنماذج البريطانية والفرنسية على نحو متعامٍ وعام. وقد تلا هذا الخضوع شكل من أشكال الخنوع والعبودية الاعتبارية للنماذج الأوروبية تعبيرًا عن هذا الخضوع بالذات. في سنوات ما بعد الاستقلال، تصاعد هذا النوع من الخضوع الثقافي والتربوي المنبعث عن شعور داخلي عميق بالنقص وبالهوان درجة تقديس الثقافات الناطقة بالفرنسية أو بالإنجليزية، وعد كل شيء يأتي من بريطانيا أو فرنسا الأفضل بلا نقاش، أكان ذلك الشيء منتجًا أو خبيرًا صناعيًّا أم زراعيًّا. وكان الأهم في ظاهرة تقديس الأوروبي يتمثل في المواطنين المحليين الذين قطفوا أولى ثمار الاستقلال على شكل بعثات أكاديمية إلى دول أوروبا برعاية حكومات الدول الغنية. وقد شكل هؤلاء العائدون المحليون نخبًا جديدة حلت محل الكادر العثماني القديم الذي بدا بدرجة من التقليدية والشيخوخة، أنه لم يعد قادرًا على تجاوز الشرخ الثقافي سالمًا. لذا، انتهى الأمر إلى حال تدعو للتندر بحق: فتجربة الفرد في البقاء بأوروبا لبضعة سنوات بدت كافية لوضع ذلك الفرد درجة أعلى من مواطنيه في دول المنطقة.
إذا ما كانت هذه هي الطريقة التي تم بموجبها استقبال الشبان العائدين من مدارس المدن الأوروبية، فقط لأنهم قد تناولوا “البطاطا الفرنسية المقلية” أو “السمك والبطاطا الإنجليزية”، يمكن للمرء أن يتخيل الكيفية التي كان يستقبل بها خريجو أوكسفورد أو السوربون أو كامبردج في أوطانهم عند عودتهم. كان هؤلاء يعدون ويعاملون كمواطنين “متفوقين” ببساطة متناهية، مواطنين يستحقون تقلد أرفع المناصب العامة. عكست هذه الظاهرة “مركب النقص” الفاعل على نحو واضح المعالم من جانب حكومات ومجتمعات الإقليم؛ فاستثمرتها الحكومتان الفرنسية والبريطانية بذكاء، كميزات لهما في مرحلة ما بعد الكولونيالية.
قاد هذا “الغزو” الثقافي الأوروبي الحقيقي، إذا ما اعتمدنا هذا التعبير، إلى بلوغ “غسيل دماغ” جماعي مهول عبر الإقليم: فقد راح النمو والتطور يقاسان في هذه الدول النامية بعدد خريجي جامعات أوروبا، وهو معيار خاطئ تمت إدامته لعقود، ليس فقط بمفاهيم الشرق الأوسط غير الدقيقة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وإنما كذلك بأفكار المتبصرين من الإداريين الغربيين الذين فطنوا للفوائد الاقتصادية لمواشجة برامج التنمية في هذه الدول الناشئة بالمؤسسات الأكاديمية الأوروبية منذ وقت مبكر، درجة أن الدول الغنية بالبترول راحت تبدو في غاية الامتنان لمقايضة مواردها النقدية الأسطورية بالخدمات الأكاديمية الأوروبية، البريطانية والفرنسية خاصة، بغض النظر عن مستوى المخرجات وكفاءاتها.
تعرض الاندفاع المتعامي لشباب الشرق الأوسط نحو حضور الصفوف الدراسية للأكاديميات الأوروبية لتحوير بسيط في السنوات التالية حيث راح يتباطأ أثناء الحرب العالمية الثانية وما تلاها من تداعيات، خاصة مع تنامي الجبروت والتقدم التقني الأميركي على المستوى العالمي. “هل تتكلم لندن؟” Do you speak London?، لم يكن هذا سؤالًا بلاغيًّا. قصد منه التندر بهؤلاء الذين تشبثوا بالخيال الذي يفيد بأن إنجلترا هي قمة العالم حقبة ذاك حرفيًّا، إذ راحت اللغة الإنجليزية تحرر نفسها من محدوديات “بريطانيا العظمى” في أعين عامة الناس عبر دول الإقليم. وراح العامة يكتشفون أقاليم واسعة تقطنها أمم تتحدث بالإنجليزية في أميركا الشمالية وأستراليا والهند وباكستان ونيوزيلندا. بوصفهما لغات تكنولوجيا وتربية، بدت كل من الإنجليزية والفرنسية وكأنهما تغطيان مديات جغرافية وسكانية أوسع بكثير مما كان يعتقد. لم يعد من الضروري “للرجل المهذب” في الإقليم أن يكون خريجًا للمعاهد البريطانية أو الفرنسية فقط كي يكون بالكفاءة وبالمستوى اللائق في نظر الحكومات عبر دول الشرق الأوسط. وراحت شهرة “أبو ناجي” John Ball (بريطانيا) تتدهور مع صعود نجم “العم سام”، ثم مع صعود نجم الأخ “السوفييتي الكبير”. لقد أظهرت المؤشرات الإحصائية التي قدمتها وزارات التعليم والبحث العلمي في هذه الدول مؤشرات تعكس الاتجاه الجديد لتنويع الدول التي كانت توجه إليها البعثات العلمية. ومع هذا بقيت الذيلية لبريطانيا وفرنسا موجعة لأنها وجدت مترسبة في ذهنيات الإداريين الحكوميين منذ عصر الاستعمار المباشر أو الانتداب في هذا الأقاليم. قد يكون هذا هو سر العناية الفائقة التي خصت بها حملات تأسيس المعاهد الفرنسية والبريطانية في أكبر مدن دول الشرق الأوسط.

إلى الأعلى