الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العروبة .. والمستقبل “3 ــ 3″

العروبة .. والمستقبل “3 ــ 3″

علي عقلة عرسان

…أعداء العروبة اليوم في حالة هجوم، وأهل العروبة “من قوميين وإسلاميين وسواهم ممن يعلنون انتماء للأمة في الوطن العربي الذي يعيشون فيه”، في توجع وتفجع لما هم فيه من اقتتال وبعضهم يعيش حالة سبات والكل في ضعف وشتات، فتفرق القوى القومية وتنابذها، وحتى تناحرها الدموي، أفقدها قوة الحضور والمبادرة والرؤية السليمة للمخارج من الأزمات، وأفقدها التوجه نحو المستقبل بمشروع متكامل .. وتقاتل القوميين والإسلاميين فاقم الضعف وزاد في عمره وتنوع مجالاته وأدواته ووسائله، ونهوض الشعوبية الجديدة التي يجمعها عداء للعروبة وتدعمها جهات خارجية معادية للأمة العربية وحركتها التحررية ومقاومتها للاحتلال، من الأمور الصارخة .. والكل ينهش الكل ويعادي القومية العربية ويرميها بتهم منها “الشوفينية والعنصرية.. إلخ”، وينال من العروبة والإسلام .. بينما العروبيون الأصليون، “قوميون وإسلاميون”، في تضاد واحتراب وسلب واستلاب، حتى داخل التنظيم القومي الواحد والإسلامي الواحد هناك خلافات تصل حدود انعدام الثقة والاقتتال الشرس من جهة، وهناك التطرف بجاهلية والسذاجة حتى “العَبط” من جهة أخرى!! .. إنهم يضعون مناوئيهم في أحضانهم، ويستمرئون منهم بعض ما يزري بهم وبمبادئهم وأصالتهم وانتمائهم وقوميتهم وقيم دينهم؟! وما لم يوضع حد نهائي للصراع المقيت المفتعل بين العروبة والإسلام من جهة، وللتضاد المخل بالانتماء للعروبة الواسعة المتسعة، بين من يرفعون راية القومية العربية ويحتكرون الانتماء إليها وبين الإسلاميين المعتدلين الذين لا يتنكرون لها ولا يتوافقون مع القوميين في شؤون كثيرة من شؤونها من جهة أخرى، فإن الحال لن يتغير إلى الأفضل، وصورة المستقبل ستزداد ضبابية بل قتامة، وأعداء الأمتين العربية والإسلامية سوف يتغلغلون بين اللحم والعظم، وسينحرونهما باسم مكافحة الإرهاب والمحافظة على الأقليات وحق “الصهيوني المحتل في الأمن والدفاع عن النفس؟” وغير ذلك من الأسباب .. فمنذ أن سمعنا في الربع الأخير من القرن العشرين قول صهاينة وأميركيين: “وداعًا للعروبة وداعًا للقومية العربية..”، وبدأ اتهامهم للإسلام بالإرهاب..”، ونحن نحصد الزؤان، ونُبيدِر قمحنا في بيادر أعدائنا ليأخذوه براحة واقتدار ويجوع صغارنا ويموتون في البؤس والحصار.
في وقت سابق للمحن الراهنة شخص المفكر العربي عصمت سيف الدولة وضع الطرفين القومي والإسلامي في تنازعهما، فقال: “في الوطن العربي طائفتان اختلفتا فاتفقتا: طائفة تناهض الإسلام بالعروبة، وطائفة تناهض العروبة بالإسلام، فهما مختلفتان .. وتجهل كلتاهما العروبة والإسلام كليهما فهما متفقتان. وإنهما لتثيران في الوطن العربي عاصفة غبراء من الجدل تكاد تضل الشعب العربي المسلم عن سبيله القويم. وإنهما لتحرضان الشباب العربي على معارك نكراء تكاد تلهيه عن معركة تحرير أمته.”.. وها نحن اليوم في المعترك الدامي الذي لا يلهينا فقط عن معركة التحرير بل ينحرنا بأيدينا فلا تكون هناك أمة ولا يكون تحرير!!
وبعد فإنني أطرح تساؤلات لتمحيصها والتوقف عندها والتفاعل معها:
هل القومية العربية وما انبثق عنها وبُني عليها واشتُقّ منها وأوحت به وعمَّق مدلولاتها وإيحاءاتها، من فكر قومي ومشاعر شعبية وتوجهات نظرية وتنظير وتنظيم وعمل ومعارك في مجالات البناء والدفاع والتحرر وصولًا إلى الوحدة والتحرير .. كانت مجرد وهم نمّيناه وابتلعناه فتورّم في أعماقنا، وأصبحنا بسبب من ذلك خارج حدود التاريخ ومعطى الواقعية بتياراتها ومذاهبها، كما يحاول أن يشيع أصحاب العداء المقيم للعروبة عنها؟!
وهل هي مشروع صدَّره الإنجليز، كما صدروا حركة الإخوان المسلمين كما تقول تنظيمات حزبية وشخصيات منذ أربعينيات القرن العشرين وحتى العشر الثانية من القرن الحادي والعشرين .. أم أنها نبت أصيل في أرض الأمة وتربتها الثقافية، تعود جذوره إلى تاريخ أبعد من تاريخ أية أمة من الأمم، لَهَج بمقولاتها وأفكارها وأهدافها دعاة متشددون في مطلع القرن العشرين، ابتداء من “مجلس المبعوثان” العثماني بالذات، ليعطوا للعروبة مفهومًا سياسيًّا ويضعوها في مواجهة قوميات أخرى يجمعها الإسلام؟!
وهل التطلع الوحدوي العربي، الذي يعتبر أهم أقانيم الفكر والعمل القوميين وأبرز شعاراتهما وأهدافهما، هو أبعد من حلم وأكثر من خرافة وتخييل، ونوع من أساطير تُبنى عليها سياسات أو تتقنع بها سياسات، ولا تمتد لذلك التطلع أية جذور في الواقع المعيش، ولم يرسّخ بقاء تلك الجذور ونموها عندما تحقق لها مناخ ووجود سياسي وسلطة في أقطار عربية وصلت فيها أحزاب وقوى قومية إلى الحكم؟!
هل العرب أمة، حسب المعايير التي وضعها المنظرون لوجود الأمم وتطورها وحضورها الفاعل في التاريخ، أم أنهم ما زالوا، بنظر من لا ترضيهم القومية العربية بالذات، ولديهم معايير مزدوجة وجهل يختلس لبوس العلم .. مشروع أمة، ومشروع قومية، ومشروع وجود، ومشروع بشر؟! .. على الرغم من توافر مقومات القومية العربية جميعًا وحضورها الذي لا يغيِّبه إلا التجني عليها!؟! ومن المؤسف أنه حتى في مجال التطبيق العلمي للمنهج والمعايير الموضوعية في تعريف القومية وتحديد مقوماتها، تبدو ازدواجية ظاهرة ومتطرفة في عدائها للقومية العربية بالذات؟!
وهل “التشنج” القومي هو السبب في رفض عرب اليوم دخول أبواب “سلام اليوم” الذي يقدمه للمنطقة الصهيوني والمتصهين والتابع المتخاذل والإمبريالي الذي يرقِّط جلده بوشم الشعارات الإنسانية ويلغو بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة، وهو يزري بكل ذلك في كل آن، ويتواطأ مع مزيفي تلك القيم والمفاهيم ومع المتاجرين بها ومن يستخدمونها مداخل للنيل من دول وشعوب وعقائد وثقافات وتنظيمات؟!
وهل القومية العربية لا تقوم إلا على أسس علمانية إلحادية تنفي الدين، وعلى التنازع مع الإسلام، فإما هي وإما هو.. مع أن ذلك منتهى الضلال؟! وأنها لا يمكن أن تكون تقدمية وإنسانية وعصرية ومرضيًّا عنها إلا إذا زوّرت هويتها وقيمها وأهدافها وشوهت رموزها، وتنازلت عن ثوابتها ومبادئها وحقوقها التاريخية، وغيرت تاريخها وبنية مجتمعاتها، وارتدت ثوبًا مفصَّلًا على الطريقة الصهيونية ـ الغربية، يصلح لحل مشكلة مجتمعية، اقتصادية وسياسية، ولخلق مشكلات وأزمات خانقة وقاتلة لكل المجتمعات العربية، تعيشها وتعاني منها، ليتفرغ اليهودي لمشروعه الصهيوني الاستيطاني الاقتلاعي الإحلالي، ولعبثه بمقدسات الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين، وبحقوق الآخرين وعقائدهم ودمائهم؟!
إن مفهوم العلمانية في هذا المجال يحتاج إلى تمحيص وتدقيق، فمن يريد أن يقدم إلحاده في ثوب العلمانية وينفي حق المؤمنين والمعتقدين بإله واحد بأن يمارسوا حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير، يستطيع أن يحوّر ويزور ما يشاء، وأن يقدم مفهومه كما يحلو له، ولكنه سيبقى في مساحة اللغو واللهو والافتراء، لأن تاريخ المصطلح العلمانية ” secularism ” ومنطلقها وتاريخها.. كل ذلك لا يتعارض مع الدين والإيمان والاعتقاد، وإنما يجعل حاكمية الدين لله وليس على سلطة بني البشر، من خلال تأثيره على السلطة الزمنية والاستئثار بها واستخدامها استخدامًا قد يكون تعسفيًّا ضد الناس والحقوق والحريات.. وفي هذا المنحى تكون العلمانية شيء والإلحاد المتشح بزيها شيء آخر، فاللاديني، وألا أدري وغيرهم .. كل أولئك معروف موقفهم من القومية والدين، ولا يفيد التحريف والتزييف ولا التلطِّي وراء مفاهيم أخرى وزحلقتها نحو دائرة فهمه واعتناقه الذي يحاول أن يموهه، وعدائه الذي يسوقه بغوغائية معهودة لديه.
وبعد هذا كله وقبل هذا كله: هل القومية العربية، “العروبة”.. أفلست، وعليها أن تلملم أوراقها وتنسحب خارج التاريخ والعصر والواقع العربي، بعد أن تحمّل نفسها مسؤولية كل ما حدث للأمة العربية خلال هذا القرن والقرن العشرين الذي لفظ أنفاسه؛ وأنّ على التيار القومي بكل تشعباته وفروعه واجتهاداته وتناحراته، أن يخلي الساحة لسواه، بعد أن يعلن إدانة نفسه ويكتفي من الغنيمة بالإياب، لأنه ومنطقه القومي، حكما على مستقبلها بالموت، من وجهة نظر من يطرحون هذه المقولات ويروجون لها بقوة؟
وهل أفلست طروحات ذلك التيار ونظرياته، ووصل إلى درجة من الجمود لا تجدي معها المراجعة ونقد الذات وتصحيح المسارات، أم أنه يرى ما له وما عليه، وما زال حضوره في ساحة العمل والنضال هو الأساس لتحقيق أهداف الأمة، وأن مساحة المستقبل مفتوحة أمامه.. ولكن وصوله إلى حالة من التصالح مع الذات والأداء الملائم لمواجهة تحديات الاحتلال والواقع والعصر، والمشكلات والأزمات والفتن المختلفة، يحتاج إلى مراجعة شجاعة، ووقفة حازمة ودقيقة وجريئة .. مع الذات، يجري فيها مراجعة ومحاسبة ونقدًا ذاتيًّا حكيمًا ومسؤولًا، ليخرج بعدها أكثر تعافيًا ومنطقية وأقل عنجهية، وأشد تواصلًا مع أصوله وحقائق توجهات جماهيره المؤمنة، وركائزه التي حاولت تنظيمات وتيارات أخرى أن تهزها هزًّا عنيفًا، وأنّ تدخل من خلالها إلى بنية أمة لا يمكنها أن تقبل الهُجنة والدخيل، ولا أن تتخلى عن منظومات قيمها ودينها وهويتها وأصالتها وحقوقها وتاريخها الحضاري العريق .. وتعي أن أعداءها يرمون إلى وئد وعيها ونفيه، وتفتيت تماسكها، تمهيدًا لنقض بنيانها من الداخل، وإضعافها تمامًا بعد تمزيقها، ومن ثم الانقضاض على وجودها ذاته؟!
تلك أسئلة نطرحها ونحن في خضم اقتتال مقيت يشتعل في هذا القطر العربي أو ذاك، وتبعية للأميركي خاصة والغربي عامة، وتحالف مع الصهيوني ضد المقاومة ـ أي ضد رفض الخضوع والتنازل عن الأرض والحق والذات والمبدأ والمصلحة والانتماء للعروبة والإسلام بمفاهيم القومية والوطنية والإنسانية ـ بوجه العدو والتحالفات المناهضة لحقوق العرب ومصالحهم .. ونطرحها ونحن في خضم انفلات العملاء من كل قيد وخلق وقانون، حيث تراهم يثخنون أمتهم وأقطارها جراحًا، ويهددون ثقافة الأمة وقضاياها، وتستبد بهم الوقاحة إلى درجة الاستهانة بأبسط القيم “الوطنية والقومية والإنسانية والأخلاقية، وبمقومات كل ذلك وخصائصه .. تحت حماية خارجية مؤثرة؟!! ونطرحها ونحن أمام واقع ووقائع تتجذَّر وتترسَّخ في وطننا العربي، تنقض معمار العقل قبل نقض معمار العروبة الفكري والعاطفي والسياسي والثقافي والاجتماعي، وتؤسس لانهيار كبير، ولا تساهم في استشراف صورة إيجابية لمستقبل العروبة والأمة العربية .. ومن ذلك الذي نحن أمام معطياته وحقائقه:
قُطرية عربية مستفحلة ضيقة النظرة، منطقها السائد: “أنا أولًا” والأمة من بعدي، أو “أنا ومن بعدي الطوفان”، واستعداد سياسي لتحالف مع الشيطان ضد الأخ والأب من أجل بقاء هو الفناء! .. قُطرية تعطي ظهرها للعروبة والقيم والشيم والمروءة، تقدم فهمًا للإسلام وتوظيفًا له بما يخدم مصالحها ويعزز ارتباطاتها الغريبة المريبة .. وتشكل صيغة اعتراضية على القومية، وتساهم في تضييع الأخ وقتله وتدمير كل ما يملكه، من دون الارتفاع إلى مستوى رؤية المشترك والقومي والأخلاقي الإنساني .. ومن دون إدراك لحقيقة أنه عندما يؤكل أخوك ستؤكل بعده؟! قُطرية بسياسات انتهازية قصيرة النظر، تتحالف مع أعداء الأمة العربية إذا كان في تحالفها ذاك مجرد بقاء نظام وحكام في سدة الحكم، ولو كان ذلك على حساب التاريخ والجغرافيا والشعب والدم والعروبة والدين، ويحيل فيها الأخ على أخيه حين يرى ضعفه أو جرحه، مصداق قول الشاعر الفرزدق:
وكنت كذئب السوء، لمَّا رأى دمًا بصاحبه يومًا، أحال على الدم
وقد تفعل ذلك حماية لذاتها من ثورة شعبها إذا اقتضى الأمر اتباع ذلك المنحى من مناحي الحماية أو الاحتماء بالعدو ضد الشعب والأمة..
وفي هذا الوضع الذي فاقم الأزمات وبدد الطاقات وجعل شبابًا يموتون وآخرين يهاجرون، ويزرع التطرف والفوضى لتكون المحاصيل رؤوس مقطوعة وأشلاء مبعثرة ودمار بلا ضفاف نجد أننا أمام مرحلة خطيرة فيها انحلال المجتمع والتحلل من الأخلاق والقيم تحت ذرائع وبدل وأوهام يقيمها الجهل في مقام العلم، حيث شباب عربي يتخلى عن الأمة ـ المستقبل، وعن كثير من القيم والمهام والاهتمامات الوطنية والقومية العليا .. ويسعى وراء السطحي واللذيذ، أو وراء الخلاص الآني أيًّا كان، وحتى إلى الانفجار الذاتي والجسدي كبديل لانتصار العقل والوجدان على الفوضى والعنف والتطرف وضياع الذات .. وهو وضع يزيد تفاعله من الانحلال والفساد والإفساد المدمرين، ومن الدمار وإعطاء الظهر للشريك في المصير .. ومن ذلك ما جرى ويجري في العراق منذ احتلاله وتدميره، وجعل عروبته وهويته مجال تنازع بين أبنائه، ووحدته أرضًا وشعبًا في مهب الريح، ومكانته القومية في خبر كان .. ومن ذلك أيضًا الموقف من سورية التي تجري الدماء فيها منذ نيِّفٍ وثلاث سنوات، ومما كان للمقاومة في لبنان وللمقاومة في غزة في أثناء العدوان الصهيوني المتكرر عليها وبرنامج الإبادة الذي ينفذ دوريًّا ضد الشعب الفلسطيني تحت سمع الأمة وأقطارها وساستها، وبمشاركة من سياسات عربية تلعق دم أبناء الأمة العربية وتستثمر في إبادة وعيها وإرادتها؟!
وطرح هذه الأسئلة يرمي إلى التحريض على التغيير، بعد المراجعة والنقد الموضوعي وإعادة النظر والتقويم، وبعد التفكير في الواقع والممارسات والنتائج والأهداف والمسارات، وفي الحالة العامة التي يعيشها الوطن العربي، وتعيشها التيارات الفكرية والسياسية الرئيسة فيه من جهة، والتعامل مع ما تقدمه المتغيرات في وطن العرب والعالم من معطيات ذات تأثير في الحاضر والمستقبل من جهة أخرى.. لتتم مقاربة التغيير والأجوبة وتلمّسها، في ضوء ما يُطرح على هذا التيار العروبي من قضايا وأسئلة وتحديات وما يخوضه من صراعات داخلية وخارجية، وما يواجهه مع غيره من قوى الاحتلال ومؤامرات حلفائها وحماته وأعوانه وعملائه، في إطار من الموضوعية والروح العلمية والواقعية العملية التفاؤلية.. مقاربة تضع كل أمر في موقعه الصحيح، لا سيما في الوضع العربي الراهن، مقروءًا ومستقرًّا بوعي ومسؤولية، في ضوء وقائع تاريخنا وتاريخ الأمم من جهة أخرى .. وفي هذا توجه نحو تبيُّن ملامح مستقبل العروبة التي لا يمكن أن تموت، من منظور واقعي علمي، لا يقطع مع الانتماء وحمولاته المعرفية والعاطفية، ولا مع الدين بقيمه ورسالته وأحكامه وحكَمه، ولا مع المشاعر القومية وما يتصل من ذلك بالهوية والتاريخ، بالحاضر والمستقبل .. لأن لنا حضورا وهناك مستقبل.
ويبدو، من شبه المؤكد، أنه ما من نظرية توضع موضع التطبيق إلا وتصاب بشروخ، أو تظهر شروخها الكامنة فيها أصلًا، قبل أن تُعْرَض على التطبيق. وما من شعار يُدفع إلى ساحة التنفيذ، إلا وتظهر هوة بينه وبين الممارسة المؤدية إلى إنجازه، لأسباب عديدة تتصل: إما بسلامة الفكر والرأي والرؤية، وإما بالعنصر البشري القادر على التمثّل والأداء باقتدار، وترجمة المطلوب إلى ملموس منجز. وإما بسبب الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، ودرجة النضج والاستعداد البشريين، وما قد يعترض ذلك أو يُنصب لـه من معوقات وتحديات خارجية.
وهذا الذي ينطبق على معظم، إن لم نقل على كل، النظريات والشعارات في البلدان والأزمان المختلفة، ينطبق على الفكر القومي والعمل القومي العربيين. فليس بدعًا ولا غريبًا أن نلمس فجوات ونستشعر نواقص، وتنهض في وجهنا صعوبات وتحديات، وأن يُقال لنا أو نكتشف بأنفسنا أن: هناك تقصير وعيوب وأخطاء وممارسات مؤسفة.. الخ، وأن نُطالَب بمراجعة وتصحيح من خلال ممارسة إعمال العقل النقدي والنقد الذاتي .. ولكن محاولة نفي العروبة من الأصل جملة وتفصيلًا، وجعل الفكرة القومية والعروبة ذاتها موضع شك وموضوع توطّن للوهم ومجال اتهام، وتحميلها وحدها أسباب الخلل والعجز، ونفي مقومات الأمة العربية عن العرب، والإزراء بالتوجه القومي الذي يتخذه تيار كبير منهم، مستلهِمًا وجدان الشعب العربي كله ومعطى تاريخه العريق؛ ومطالَبة القومية بالتنحي بعد، وإقامة حالة عداء بين العروبة والإسلام .. هو المرفوض كليًّا من جهة، والغريب المستغرب الذي لا يمكن أن يسوّغ على أرضية موضوعية معرفية منطقية، معقولة ومقبولة، من جهة أخرى.

إلى الأعلى