الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / سميح القاسم … وداعا

سميح القاسم … وداعا

الوطن ـ وكالات:
كل يوم تسقط ورقة تلو الأخرى من شجرة الحياة، نفقد عَلَمًا، نفقد أسما، نفقد نبضا وحياة، نفقد حقيقة لا تحجبها الشمس، نفقد إرثا ثقافيا وتاريخا ممتدا حيث النبض، نفقد كيانا إنسانيا وعمرا متوجها، نفقد الأنا في داخلنا، وتنكسر أضلعنا فيتهاوى الحلم، ولكن يبقى الضوء متوجها أيضا لا يفارقنا مهما سقطت تلك الأوراق المسكونة بأشعة الحب والوهج. بالأمس القريب ودعنا شاعرا مختلفا جدا، مبهرا جدا، سامقا جدا، موغلا حد الطهر في عروقنا جدا، بالأمس قال القاسم السميح وداعا، مغادرا الحياة الأولى، ليسبقنا إلى الحياة الآخرة، حيث الخلود اللامنقطع، سميح القاسم الشاعر القومي العربي ودع العرب وفي قلبه قضية لم تنته بعد، فالأمس القريب الثلاثاء 19 أغسطس الجاري وبعد صراع مع سرطان الكبد الذي أصيب به قبل نحو ثلاث سنوات، فارق القاسم الحياة. القاسم أحد أهم الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين وهو من شعراء المقاومة الفلسطينية من داخل إسرائيل. ومؤسس صحيفة (كل العرب) ورئيس تحريرها الفخري. ولد القاسم في مدينة الزرقاء الأردنية في 11 مايو 1939 قبل تسع سنوات من إعلان دولة إسرائيل لعائلة فلسطينية من قرية الرامة القريبة من مدينة عكا في شمال فلسطين التاريخية تحت الانتداب البريطاني.وكانَ والدُهُ ضابطاً برتبةِ رئيس (كابتن) في قوّة حدود شرق الأردن وكانَ الضباط يقيمونَ هناك مع عائلاتهم. حينَ كانت العائلة في طريق العودة إلى فلسطين في القطار، في غمرة الحرب العالمية الثانية ونظام التعتيم، بكى الطفل سميح فذُعرَ الركَّاب وخافوا أنْ تهتدي إليهم الطائرات الألمانية! وبلغَ بهم الذعر درجة التهديد بقتل الطفل إلى آن اضطر الوالد إلى إشهار سلاحه في وجوههم لردعهم، وحينَ رُوِيَت الحكاية لسميح فيما بعد تركَتْ أثراً عميقاً في نفسه: “حسناً لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة سأريهم سأتكلّم متى أشاء وفي أيّ وقت وبأعلى صَوت، لنْ يقوى أحدٌ على إسكاتي”.
وروى بعض شيوخ العائلة أنَّ جدَّهم الأول خير محمد الحسين كانَ فارساً مِن أسياد القرامطة قَدِمَ مِن شِبه الجزيرة العربية لمقاتلة الروم واستقرَّ به المطاف على سفح جبل حيدَر في فلسطين على مشارف موقع كانَ مستوطنة للروم. وما زالَ الموقع الذي نزل فيه معروفاً إلى اليوم باسم “خلَّة خير” على سفح جبل حيدر الجنوبي.وآل حسين معروفون بميلهم الشديد إلى الثقافة وفي مقدّمتهم المحامي علي حسين الأسعد، رجل القانون والمربي الذي ألّفَ وترجَمَ وأعدَّ القواميس المدرسية وكتَبَ الشِّعر وتوزَّعَتْ جهودُهُ بينَ فلسطين وسوريا ولبنان وأَقامَ معهد الشرق لتعليم اللغات الأجنبية في دمشق.وأصدر القاسم في مدينة الناصرة عام 1958 ديوانه الأول (مواكب الشمس) ويضم قصائده الأولى ومعظمها موزون ومقفى ويغلب عليها الطابع الحماسي. ويبدأ الديوان بالقصيدة التي جعلها القاسم عنوانا للديوان وتقول أبياتها الثلاثة..
“فجر الشعوب أطل اليوم مبتسما-فسوف نغسل عن آفاقنا الظلما. مواكب الشمس قد مارت محطمة-ظلام ليل على أيامنا جثما. ونحن سرنا بها والحق رائدنا-والشمس أضحت لنا في زحفنا علما”. وسجن القاسم أكثر من مرة كما وضع رهن الإقامة الجبرية وتعرض للكثير من التضييق بسبب قصائده الشعرية ومنها (تقدموا) التي اعتبرت تحريضا ضد الاحتلال وتسببت في أزمة داخل إسرائيل بعد تحولها إلى ما يشبه البيان الشعري-السياسي. ويقول في بعض سطورها.. “تقدموا.. تقدموا-كل سماء فوقكم جهنم-وكل أرض تحتكم جهنم. تقدموا.. يموت منا الشيخ والطفل ولا يستسلم-وتسقط الأم على أبنائها القتلى-ولا تستسلم. تقدموا.. بناقلات جندكم-وراجمات حقدكم- وهددوا.. وشردوا.. ويتموا.. وهدموا.. لن تكسروا أعماقنا-لن تهزموا أشواقنا-نحن قضاء مبرم”. وللقاسم قصائد حظيت بشهرة في عموم العالم العربي ومنها (منتصب القامة أمشي) التي غناها الفنان اللبناني مارسيل خليفة وتحولت إلى ما يشبه النشيد الشعبي الفلسطيني حيث يقول فيها.”منتصب القامة أمشي-مرفوع الهامة أمشي-في كفي قصفة زيتون¬-وعلى كتفي نعشي-وأنا أمشي وأنا أمشي. قلبي قمر أحمر-قلبي بستان فيه العوسج-فيه الريحان. شفتاي سماء تمطر نارا حينا-حبا أحيان. في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي-وأنا أمشي وأنا أمشي”. وزاوج القاسم في كثير من قصائده بين جماليات الشعر ودور الشاعر المحرض ومنها قصيدة (بيان عن واقع الحال مع الغزاة الذين لا يقرؤون) ويقول في بعض سطورها..”يا أيها الآتون من عذابكم- لا. لا تعدو العشرة-وغازلوا قاذفة-وعاشروا مدمرة… خذوا دمي حبرا لكم-ودبجوا قصائد المديح في المذابح المظفرة-وسمموا السنابل-وهدموا المنازل-وأطبقوا النار على فراشة السلام-وكسروا العظام-وكسروا العظام-لا بأس أن تصير مزهرية عظامنا المكسرة… من أوصد السحر على قلوبكم؟ من كدس الألغاز في دروبكم؟ من أرشد النصل إلى دمائنا؟ من دل أشباح الأساطير على أسمائنا؟. وحظي القاسم بتقدير المثقفين في العالم العربي وخارجه فقد حصل على العديد من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية الشرف في عدّة مؤسسات. فنالَ جائزة”غار الشعر” من إسبانيا وعلى جائزتين من فرنسا عن مختاراته التي ترجمها إلى الفرنسية الشاعر والكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي.وحصلَ على جائزة البابطين، وحصل مرّتين على “وسام القدس للثقافة” من الرئيس ياسر عرفات، وحصلَ على جائزة نجيب محفوظ من مصر وجائزة “السلام” من واحة السلام، وجائزة “الشعر»الفلسطينية
ونعى الرئيس الفلسطيني محمود عباس الشاعر الراحل. ونقلت عنه الوكالة الفلسطينية قوله “الشاعر القاسم صاحب الصوت الوطني الشامخ رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء والذي كرس جل حياته مدافعا عن الحق والعدل والأرض.” وكان القاسم يشكل مع مواطنه محمود درويش جناحي طائر ووصفا بأنهما شطرا البرتقالة. وفي منتصف الثمانينيات تبودلت بينهما رسائل نشرت أسبوعيا ثم جمعت في كتاب (الرسائل) الذي يعد من عيون النثر العربي. كان القاسم في فلسطين ودرويش في باريس وكتب له في في ختام إحدى الرسائل “أرى وجها للحرية محاطا بغصني زيتون… أراه طالعا من حجر. أخوك محمود درويش – باريس 5 أغسطس 1986″. وخاطبه درويش في قصيدة يقول في بعض سطورها “أما زلت تؤمن أن القصائد أقوى من الطائرات؟ إذن كيف لم يستطع امرؤ القيس فينا مواجهة المذبحة؟ سؤالي غلط-لأن جروحي صحيحة-ونطقي صحيح-وحبري صحيح-وروحي فضيحة. أما كان من حقنا أن نكرس للخيل بعض القصائد قبل انتحار القريحة سؤالي غلط-لأني نمط-وبعد دقائق أشرب نخبي ونخبك من أجل عام سعيد جديد جديد”.
تُرجِمَ عددٌ كبير من قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية واللغات الأخرى.
صدَرتْ في العربي وفي العالم عدّة كُتب ودراسات نقدية، تناولَت أعمال الشاعر وسيرته الأدبية وإنجازاته وإضافاته الخاصة والمتميّزة، شكلاً ومضموناً، ليصبح كما ترى الشاعرة والباحثة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي، الشاعر الوحيد الذي تظهر في أعماله ملامح ما بعد الحداثة في الشِّعر العربي. وهو كما يرى الكاتب سهيل كيوان “هوميروس من الصحراء” وهو كما كتبت الشاعرة والباحثة الدكتورة رقية زيدان “قيثارة فلسطين” و”متنبي فلسطين”. وسميح القاسم في رأي الشاعر والناقد الدكتور المتوكل طه هو “شاعر العرب الأكبر” ويرى الكاتب محمد علي طه أن سميح القاسم هو “شاعر العروبة بلا منازع وبلا نقاش وبلا جدل”. ويرى الكاتب لطفي بولعابة أن سميح القاسم هو “الشاعر القديس” وبرأي الكاتب عبد المجيد دقنيش أن سميح القاسم هو “سيّد الأبجدية”. ويرى الكاتب والناقد الدكتور نبيه القاسم أن سميح القاسم هو “الشاعر المبدع، المتجدّد دائماً والمتطوّر أبداً”، وبرأي الكاتب الطيّب شلبي فإن سميح القاسم هو “الرجل المتفوّق في قوة مخيلته والتي يصعب أن نجد مثلها لدى شعراء آخرين”. واعتبرت الشاعرة والكاتبة آمال موسى سميح القاسم “مغني الربابة وشاعر الشمس، ويمتلك هذه العمارة وهذه القوة التي تسمح له بأن يكون البطل الدائم في عالمه الشعري”.
وجاءَ في تقديم طبعة القدس لأعماله المنشورة عن دار “الهدى” (الطبعة الأولى سنة 1991) ثم عن دار “الجيل” البيروتية و”دار سعاد الصباح” القاهرية: (شاعرنا الكبير سميح القاسم استحقَّ عن جدارة تامة ما أُطلِقَ عليه مِن نعوت وألقاب وفاز به من جوائز عربية وعالمية، فهو “شاعر المقاومة الفلسطينية” وهو “شاعر القومية العربية” وهو “الشاعر العملاق” كما يراهُ الناقد اللبناني محمد دكروب، والشاعر النبوئي، كما كتَبَ المرحوم الدكتور إميل توما، وهو “شاعر الغضب الثوري” على حد تعبير الناقد المصري رجاء النقاش، وهو “شاعر الملاحم”، و”شاعر المواقف الدرامية” و”شاعر الصراع” كما يقول الدكتور عبد الرحمن ياغي، وهو “مارد سُجنَ في قمقم” كما يقول الدكتور ميشال سليمان، وشاعر “البناء الأوركسترالي للقصيدة” على حد تعبير شوقي خميس. أو كما قال الشاعر والناقد اللبناني حبيب صادق: “لسميح القاسم وجه له فرادة النبوّة”).

قالوا عنه
قال عنه الدكتور رياض كامل: إن القاسم شاعر ثوري وشاعر إنساني، والفرق بين ثورية الشباب تختلف عن ثورية البالغين، فهو ثائر أيضا على مظاهر التكنولوجيا وأبعادها الاجتماعية والسياسية التي غيرت مفهوم العائلة والقرية وحقيقة الكون كله. وهو ثائر على الواقع الجديد الذي سلب منه حقله ووروده وبدل صورة جباله وسهوله، فيرى أحلامه تتحطم على أرض الواقع من ناحية، ويرى العمر يدهمه وينقض عليه دون رحمة أو استئذان من ناحية أخرى. وبرأيي أنه قد تَحَول من الخطاب الحماسي الذي يميز الشباب إلى الخطاب الهامس الذي يميز البالغين. وفي كل الأحوال شاعرنا يحسن دغدغة المشاعر والأحاسيس لدى المتلقي الذي يجب أن يتزود بالمعرفة ليتمكن من مجالسة قصائده في معظم دواوينه. لن نأتي بجديد حين نقول إن الشعر قد تغير وعلى القارئ أيضا أن يتغير ويتبدل، فهل سننتظر قرونا أخرى لإقناع المتلقين أن مفاهيم الشعر قد تغيرت وتبدلت؟ إننا لا نعيش في زمن الوحدة العضوية للبيت، ولا نعيش في عهد السطر الشعري. هناك المفهوم الكلي للقصيدة، وهناك فضاؤها المترامي الأطراف. كان يكفينا أن نقرأ البيت منفردا ونقوم بشرحه وتفسيره منفصلا عن النص الكلي. لسنا في مرحلة “الخيل والليل والبيداء تعرفني…”، ولا في مرحلة “قم للمعلم وفه التبجيلا…”. كان كل ذلك جميلا وسيظل جميلا إلى أبد الدهور، لأننا ننظر إليه ضمن زمن التأليف، وزمن القارئ والمتلقي المختلف.
كتب عنه الناقد إبراهيم طه وذلك من خلال كتاب بعنوان” تلك جمجمة الشنفرى- قيمة الجمال وجمال القيمة في شعر سميح القاسم” :” شعر القاسم كسّر قيود الزمان مثلما عبر حدود الجغرافيا.فلا هذه استطاعت أن تعيق شعره عن التراسل مع الأجيال المتلاحقة، ولا تلك الجدران الوهمية ولا الحقيقية قدرت على منعه من التواصل مع العالم، في شعره بهاء القديم والرميم وفيه حياء التجريب والتغريب، فيه عناد الشنفرى وحماس أبي الطيّب، وذكاء حبيب بن أوس، ورقّة ابن زريق….”. يعترف طه في نهاية هذه الكلمة عن حاجته وحاجة الجميع لسميح، وهذه ضريبة “القامة” التي هي حق على سميح تجاه شعبه. وأضاف : أنّ تجربة القاسم الشعرية بتراكماتها الكمية والنوعية، تقوم على ثلاث أثافٍ، وهي: الموهبة ، الموقف، والثقافة. أمّا الموهبة في الجينات الوراثية، لذلك فإنّ شعر القاسم ” معدٍ” والعدوى من ميزة ذوي المواهب الحقيقية للشعراء غير” المتشعرنين” .وثانيًا، الموقف الذي يجعل من الكلام شعارًا وليس شعرًا، وثالثًا،الثقافة والمقدرة المكتسبة، والمعرفة التي تصقل الموهبة،والقاسم قارئ نهم، ويجيد الإصغاء إلى قلب أمته. إّذ اعتمد على هذه الأثافي خلال مسيرته الحافلة، حتى لو لم تشمل كل هذه الأثافي غالب كتاباته.
الناقد الدكتور حسين حمودة قال عنه: سميح القاسم شاعر مهم، وهو من المخلصين الكبار للقضية الفلسطينية، بالمعاني القريبة التي فهمها الكثيرون لفكرة الإخلاص لهذه القضية، ومن ضمن هذه المعاني الإصرار على البقاء داخل فلسطين المحتلة، والإبداع والعمل تحت شروط الاحتلال القاسية، ونشاط سميح القاسم الإبداعي والثقافي موفور ومتعدد، لعل مشكلة سميح القاسم أنه كان مزامنا ومزاملا لشاعر كبير هو محمود درويش، الذي حجبت موهبته العظيمة مواهب أخرى كثيرة، أو على الأقل غطّت على هذه المواهب، ولكن سميح، في المقابل، تلقى في حياته تعويضات عدة، منها جوائز كبرى حصل عليها، ومنها ترجمات لعدد كبير من قصائده إلى لغات مهمة، ومنها دراسات نقدية شتى كتبت عن أعماله.
وصدر في شعر سميح القاسم كتاب بعنوان “التشكيل الجمالي في شعر سميح القاسم.” ويقع في 392 صفحة، وقال الناشر عن هذا الكتاب إنه إضافة نوعية جميلة للمشهد النقدي العربي المعاصر، تناول شعر سميح القاسم بنظرات نقدية تحليلة عميقة، كانت تسبر، وتستكنه، وتجلي وتضي بواطن النصوص، وتضفي على إبداع إنتاجها إبداعا في تلقيها وتحليلها. وقدم المؤلف خضر محمد في هذا الكتاب نظرات نقدية متميزة ، تناول فيها مظاهر التشكيل اللغوي المختلفة، ومكونات الصورة الشعرية الجزئية والكلية، والمعمارات الفنية للنص، فحللها تحليلا نقديا، تساوق مع بنية النصوص، وجلَّى معالم تشكيلاتها المقطعية، والدائرية، واللولبية، والتوقعية، والقصصية والدرامية.
وفي حوار قديم أجري معه وحول النقد خصوصا حيث سأل القاسم عن ألوئك الذين تناولوا شعره ودراسة تجربته الشعرية بغزارة فقال في هذا الجانب : هناك نقاد ساعدوني على معرفة ذاتي بدون شك وأعني النقاد الذين لم يقتصر نقدهم على المعنى، ولا على الخطوط العريضة في الشكل، بل تعمقوا في هذه التجربة واستشفوا أموراً تتصل بالذات بالسايكولوجي، باللغة.. وعلى سبيل المثال فوجئت بدراسة كبيرة من ناقدة وباحثة أمريكية هي تيري دي يونك التي كتبت دراسة عميقة وهامة بعنوان “سميح القاسم وتحديث الجناس” حيث نظرت في تحديث الجناس العربي في قصيدتي، وبهذا لفتت نظري إلى مسألة كنت أعيشها دون أن أنتبه لها، وهي مسألة المحاولة المستمرة لتكوين حداثة على أسس تراثية أصيلة، حداثة لا تتنكر للماضي، ولا تتقزم أمام حداثة الآخر الغربي أو الأجنبي، لكن تكون ذاتها من خلال التجربة في سياق عملية الكتابة وبالرجوع بقدر كبير من الحب والحنين إلى مقومات فنية متوفرة في تراثنا بشكل ملحوظ..

قال عن نفسه
أعتقد أن هناك خطأ بصرياً في الشطر الأول من عمري، ربما كنت أكتب القصائد بالمقاييس العادية وبتوهج الشباب.. كل قضية تصادفني تتفجر من خلال قصيدة.. بمرور الزمن تصورت لدي صيغة السربية أو المطولة حيث ظهرت سربيتي الأولى “إرم” لكن لم أعتمدها شكلاً أساسياً إلا في العقدين الأخيرين.. وهذا الشكل من المطولات الشعرية السربيات التي تقوم على التداعي ولا تقوم على وحدة الشكل، تقوم على تعددية الحالات واللمحات والإيقاعات والأشكال، لكن ينتظمها هاجس واحد أساسي من بدايتها حتى نهايتها مع تشعبات واستطرادات كثيرة في الشكل وفي المضمون وفي الصور. هذا هو الشكل الذي أسميته بالسربية والذي كما يبدو استراح له عدد من الشعراء، من أصدقائي الشعراء، ومنهم شعراء كبار تبنوا هذا الشكل وكتبوا به.. لذلك أصبحت عناويني أقل غزارة.. لكن العمل الشعري حافظ أو ربما صعد من وتيرته.
أما الدكتور فاروق مواسي فقال عنه : يتميز سميح القاسم بصوت حاد عنيف يصرخ آنًا لكنه يتشبث. صوته فيه سمات بارزة أكثر فيها النقاد وصفًا، فمنذ أن طلع علينا في ديوانه ” مواكب الشمس ” وهو يغني ، يبكي ، يحب ويكره ، التقيناه شاعرًا جريئًا يستولد الكلمات ، يشحنها بالفكرة ، يعبئها بالأمل ، يزرع في أحشائها الحركة، ذاق برحاء الأرض المنكوبة عدد شعر ذقنه، فخرجت كلماته معبرة عن نفس جياشة في شعر تقليدي إيقاعي حينًا، وفي خروج عن كل قيد حينًا آخر – شأنه في السربية.

إلى الأعلى