الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / سال دو مونجيه

سال دو مونجيه

أثناء اغترابي للدراسة في عدد من المدن الفرنسية وهي مدن ( فيشي ، تولوز ، نيس ، جنوغبل ، توغ ، بغيست ) فقد سبق إن أقمت عند عدد من العوائل كانت إحداها عائلة مدام ( غوزيل ) حيث اعتبرت رحلتي أثناء الإقامة معهم من أكثر رحلاتي تميزا كونها رحلات علمية في الأساس وليست سياحية واصفا معايشتي لهم وصفا دقيقا ، وذلك بعد ما استقبلت ذلك الإستقبال اللائق والمتعارف عليه بعد ما وفروا لي كل سبل الراحة التامة والتي يتطلبها أي طالب أتى لنهل العلم وتحصيل ما أمكنه من المعارف من ديارهم بعد ما أدهشتني لغتهم عن باقي اللغات وأثارت مكامن تعلمها لأنها أليفة الأذن بسرعتها ، وهي الرحلات التي قضيتها في الدراسة في المقام الأول .
كما إن في مقالي هذا سأقوم بنطق بعض الكلمات بنطق أهل الدار وذلك حتى يكون الآخرون على بيان بمعاني الكلمات التي سأوردها في سياق المقال بعد ما دخلت في نقاشات ومساجلات مستفيضة مع مستضيفي وهو ما لم يكن يجب الدخول فيه كوني طالبا أتى فقط لطلب العلم ، لكن ذلك ما هو وقع فأرتيت الإسهاب به ولو اليسير من تلك النقاشات ، بالإضافة إلى إستحضاري للفكر مع ما ألفته سمعا ونظرا وما جادت به قريحتي طيلة الإقامة معهم وهم من تركوا للبشرية علما وفنا حتى يستلهم بني الإنسان ويستزيد من مجمل الروائع والقيم التي لديهم .
كما سأكشف لكم عن عيون المواضيع التي أثرتها معهم في في السلسلة القادمة بعد ما أسهبت قبل ذلك في مقال سابق عن ( أفينو دو كاغنفال ) ، لكن مجمل قولي سينصب عن ) مدام غوزيل ، وفصلا آخر من ايام بغيست الماطرة ومدرسينا الأجلاء ودعوة مسيو لوجاليك والطالب مرّ من هنا ) ، وكي لا أغفل شيئا إنني دخلت في مناقشات حامية الوطيس والتي تنتهي بشبه إقتناع ، مدحضا معرفتهم المغلوطة في كثير من الأمور بالأدلة والبراهين ، ومن ضمن ما وددت الإسهاب والسرد عنه أيضا هو عن ( جمال البريستيه ) بجمالها الأخاذ ومشاركتها في الحياة العملية بجانب الرجل ، والذي أسموه إنفتاحتهم في هذا الشأن ، لكنني صرفت النظر في ذلك خوفا من النقد والإتهام الذي سوف يكال لي من كل حدب وصوب وأنا في غنى عنه .

صالة الطعام Sal de manger :

ومن خلال إقامتي معهم رأيتهم يلتقون في صاله متعارف لديهم وهي ( صالة الطعام ) وتقال عندهم سال دو مونجيه وهو المكان الذي تلتقي فيه الأسرة بعد يوم كامل من العمل ، كما إن كلمة سال هي مشتقة من كلمة صالة عندنا ، أما كلمة مونجيه فهي من أساس فعل أكل وما قبلها دو بمثابة آل التعريفية للكلمة التي تأتي بعدها بمعنى صالة الأكل أو الطعام ، ، لكن روح تعب السفر وعدم النوم الإ ساعات قليلة لم يتغلب على روح الإلتقاء بأفراد العائلة والذي كان يدفعني الفضول نحو رؤيتهم والتعرف على كل أفرادها ، كما إنهم أيضا كانوا في لهفة نحو الإلتقاء بي وخاصة أبناءهم الذين لم يروني بعد ، فنزلت عند الأمر الواقع ، وكان ممن حضر بعد في طاولة الطعام مدام ( غوزيل ) والمسيو ( ميشيل ) وإبنتهم الصغرى ( كامي ) ذات العيوت الرمادية والشعرالأشقر فهي إبنة السبعة عشر ربيعا ، وهي جميلة المحيا ، أما الكبرى ( إيميلي ) فليس بذات الجمال لدى الصغرى والتي تفوقها حسنا وبهاء ، ولكنها كانت تتغلب على أختها في كل شيء بما حباها الله من ذكاء وخفة الروح ، فقد كانت تتسم بالحيوية ، لذلك ميزتها عن قرينتها ، ووجدت إن جمال النفس بات ينتصر على جمال الوجه عند البشر.
أما إبنهم ( شارل ) فقد حضر بعد وصولي حيث كان يأتي إلى منزل عند كل أسبوع بمعنى إنه متواجد بيننا اليوم ، وهو كثير المرح وغالبا ما كنت أقود دراجته الهوائية ذاهبا بها نحو شراء ( الباجت ) وهو الخبز المتعارف لدينا وهو طويل ورفيع ، وذلك من عند ( بولونجيغيه Boulangerie) ، أي من عند الخباز وكذلك عندما لا أتمكن من اللحاق بالبوس ، وكلمة ( بووس ) بمعنى الباص أو الحافلة أضف إلى ذلك إن لديهم قطة جميلة وهي مدللة إلى درجة ما حيث يطغى حضورها الدائم وقت تناول طعام العشاء ، ناهيك عن الجرو الصغير والذي يتبع ( شارل ) وكثيرا ما كان يخرج برفقتي عندما أذهب إلى البقالة القريبة من المنزل ، كما إني كنت أعلم مدى اهتمامهم بالحيوانات من إطعامها وعنايتها العناية التامة أجمع ، لكن ما كان يغيظني حين كنت أراهم يمسكون بهما بأياديهم أثناء تناولنا العشاء ، فأفهمتهم بعدم ارتياحي لذلك حيث لقيت منهم كل الفهم من موقفي .
مكثنا في طاولة الطعام زهاء الثلاث ساعات ، ومن عاداتهم أن يجتمعوا في هذه الطاولة ( سال دو مونجيه Sal de manger ) بشكل يومي ، وهي فرصة العائلة نحو الإلتقاء ومناقشة كثير من الأمور التي تهمهم أثناء تواجد جميع أفرادها ، كما إنه عليّ أن أستثمر معيشتي معهم من خلال التحدث في الأحاديث والمواضيع التي من شأنها أن ترفع من مستواي في اللغة حتى بت أسايرهم في نطق المفردات المحلية وهي بالفعل فرصة كي أتجاذب أطراف الحديث ومناقشة الأمور العامة معهم وإذا ما أوتي بالمقبلات وهي التي باتت تسمى عندهم ( أوغ دوأوفغ Hors-d´œuvre ) وهي دائما ما تكون فاتحة نحو شهية الوجبات الآخرى ، كنت أسترسل الحديث معهم دون توقف حيث كانوا يسألونني عن حالي وحال بلادي وعلوم الأهل والأحبة من المعارف وكذلك كيف رأيت ( بغيست ) المدينة عند وصولي والصورة التي رسمتها في مخيلتي قبل أن أصل إليها ، فقلت لهم إن الشعور الذي نلت منها حتى الآن جيد ، ولكني لا أستطع الحكم عليها من أول وهلة ، لكن ما دمتم قد سألتوني فهي مغايرة فأجابوني : عندما تخرج غدا سيتحسن شعورك أكثر أثناء تجوالك في (سنتخ فيل Centre ville ) ، وسنتخ هي كلمة إنجليزية بمعنى سنتر وهو المكان الذي يؤمه الناس من كافة القرى والمدن المجاورة ، وذلك للتبضع فيما إبنتهم الكبرى ( إيميلي ) كانت تقطع الخبز ( الباجت Baguette ) إلى عدة قطع ، وتضعه في سلة صغيرة بالقرب مني .
هنا طلبت مني ( مدام غوزيل ) ربة الأسرة أن أقرب إليها الخبز ، فأمسكت القطع بيدي ، فرأيتهم يتبادلون النظرات فيما بينهم ، وعرفت ربما إنني فعلت خطأ لم أقصده حيث كان عليّ أن أخذ السله بدلا من أمسك القطع تلو الأخرى ، لكنني لم أعرف سببا بتصرفي هذا والذي استهجنته فيما بعد ، كما انهم يفضلون تناول الخبز مع الجبن ( باه أفيك فخوماج Formag avec Pas ) وذلك قبل الوجبة الرئيسية التي تسمى عندهم ( بلات بخينسيبال principalplat ) ، ومن بعدها ( الحلويات ، ديزغت Dessert ) ، كما أن كل أطعمتهم تكاد تخلو من الملح الإ ما ندر ولا يخفف حدة طعمها سوى الزيت الذي لا مكان له في طعامهم ، كان طبيعيا أن أسأل عن الطعام الذي أمامي وهو من الخضار وكل ما له علاقة من نبات المشروم وهم لا يكثرون من اللحوم ، ، كما إن مائدتهم ليست حافلة بعدة أنواع من الطعام للضيف كحال عندنا ، كان علي أن أبدأ طعامي عندما يبدأون ولم أكن أجاملهم نحو إستخدام الشوكتين إلا ما ندر بعد ما أخبرتهم إننا لا نستخدمها ، عندها سميت في سري قبل أن أبدأ بالأكل متذكرا قول أحدهم إن الشيطان يكون حاضرا وقت الطعام ومن لم يذكر إسم ربه عند الطعام قاء الشيطان ما أكله ، بعدها حاولت أن أأكل والتلذذ بالطعام فهم لا يأكلون الطعام بكميات كبيرة وعلى عجل ، فهنا أمورهم باتت بانتظام فيما تطرقت معهم عن بلادهم وما بلغته من حضارة ورقي ونهضة تعليمية بالإضافة إلى شتى الأمور ، فيما جل أسئلتهم تنصب عن عدم معرفتهم بتقاليدنا وديننا وثقافتنا ، عندها كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف ليلا ، وقد بدأنا عشاءنا عند السابعة والنصف ، وأعني إننا مكثنا قرابة الثلاث ساعات في طاولة الطعام ، لكن ما وددت أن أسترسله عن حادثة الباجت ( الخبز ) فقد بلعت ريقي من فرط الموقف حيث أنه أول درس في غربتي في هذه الرحلة والتي بقيت في نفسي أتذكرها حتى اليوم .

سال دو تيله Sal de tele :

إن من عاداتهم بعد تناول وجبة العشاء أن يخصصوا وقتا للتلفاز ومتابعة نشرات الاخبار حيث إنتقلنا من) سال دو مونجيه إلى سال دو تيليه Salle de tele ) أي من صالة الطعام إلى صالة التلفاز ، كنا نستمع إلى نشرة أحوال الطقس فيما مسيو ( ميشيل ) ، كان يطلق العنان لدخانه إلى الأعلى مكونه سحابة تتطاير في الهواء ، وذلك بعد ما أرتشف رشفة من على غليونه الذي يلازمه أينما ذهب ، أما هذه الصالة الذي نحن فيها فهم يحتسون فيها الكافيه فانتهزتها فرصة جيدة كي أهديهم شيئا ما حيث جلبت لهم طبقا من التمر المغلف ، كما أهديت مدام ( غوزيل ) ومسيو ( ميشيل ) و( شارل ) ميداليات صغيرة تمثل خنجرا وسيفين فيما لم أحضر لكامي وأختها هدية معي حيث كنت على عجل من أمري عند المغادرة حيث بحثت عن أي شيء في حقائبي أهديهما لأجد في النهاية لوحة تراثية فأهديتهم إياها ، وهذا إنما ينم عن طريقة تعبير وتقدير الهدية عند الغرب .
وبينما نحن ساهرون في صالة التلفاز ( سال دو تيليه Salle de télé ) رن الهاتف ، وتناول المسيو ( ميشيل ) سماعة الهاتف وقال : ( وي / نعم oui ) ، وسمعته يقول : ( أووه باه أنجليه باه أنجليه) ( لا أنجليزية لا انجليزية Pas Anglais ) وأشار عليّ بيديه عدة مرات إسرع إسرع ( دبش تواه دبش تواه ) : هذا تلفونك يا مسيو خالد ( سيه فووتخ تيليبون مسيو خالد ( C est votreTelephonminsior Khalid ) ، يبدو إنه للإطمئنان عليك بسلامة الوصول .
بعدها استأذنتهم ذاهبا إلى غرفتي ، كان الأرق بدأ ينتابني في هذه الليلة ، محاولا التغلب عليه ولكن دون فائدة مرجوة ، فاستمر يلازمني حتى الثانية صباحا ، كنت مستلقيا إلى أن تسلل النعاس إليَ ولم أدر الا وصوت مدام ( غوزيل ) يوقظني مسيو (خالد ) مسيو ( خالد ) سو لو غافيي سيتو C est le ravai 7:00h) أي ساعة المنبه عند السابعة ، كل ذلك وهي تنزل من على غرفتها في الطابق العلوي باتجاه غرفتي والتي تعلو غرفتي إلى أن تأكدت إني قد أفقت من سباتي .
أما اليوم الثاني من وصولي وبعد عودتي من مكان دراستي التي أدرس بها ، صعدت إلى غرفتي بعد ما أخذت قسطا من الراحة ، وعندما نزلت إلى صالة الطعام ( سال دو مونجيه ) للعشاء ، كان ممن يتواجد في الصالة غيري سوى مدام ( غوزيل ) ومسيو ( ميشيل ) وكامي وانتهاء بقطتنا الجميلة ، وقد تعلمت من واقعة ودرس اليوم الأول لي ، لكن عرفت إن اليوم سيكون يوما حامي الوطيس إن أريد لي ذلك مع المسيو ( ميشيل ) ، بعد ما رمقني بارحة الأمس بعينيه الكبيرتين .
كنت أول من يفتتح الحديث ، فضمن ما قلت :إنني لأول مرة أقصد بلادكم وعلى وجه الخصوص للدراسة ، فألتفت اليّ مسيو ( ميشيل ) مبتسما وقال : عرفت عنك حب تجوال الدول والاستزادة من ثقافتها والإطلاع على حضارتها ومعالمها ، فكيف لم تكن في مخيلتك ، وبالأصح أخذت منك كل هذا التأخير حتى وصلتها الآن.
فأجبته : كانت في مخيلتي ، وقد بيت النية لزيارتها مع أقرانها من الديار المجاورة ، إن تمكنت في ذلك ، وها أنا اليوم بين ظهرانيكم .
فقال : بالأمس قد رمقتك رمقة ، ففهمت مغزى ذلك على ما أعتقد ، ولكن اليوم لا أستطيع الدخول في تفاصيل معك ، ولكن سأدخل معك في نقاشات أخرى في الأيام القادمة .
فأومأت له رأسي بعد ما تنهدت الصعداء قائلا : لا بأس في ذلك حيث كنت عن نفسي لم أكن مستعدا له لما نالني من تعب اليوم الأول ، فقد مشيت مشيا لا حدود له .
- فهز الرجل رأسه قائلا : قد أقتنع بهذا الرأي ، لا سيما وإنني بدأت أعرفك جيدا ، ولكن هناك آخرون لا يفهمون هذه اللغة .
- فضحكت وضحك مسيو ( ميشل ) ومدام ( غوزيل ) ضحكة عميقة حيث ناولني بعدها صحنا للمقبلات لينتهي عشاؤنا عند الساعة العاشرة والربع .

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى