الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م - ٤ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ما بعد الانتهازية

ما بعد الانتهازية

د.احمد مصطفى

” … إذا كانت الانتهازية مفهومة في إطار المنافسة ـ حتى غير الشريفة منها ـ فإننا نشهد الآن صعودا لخصال مثل “عض اليد التي تقدم لك المساعدة” وحتى دون منفعة تعود عليك. أو مجرد الدس بغرض الأذى للآخرين دون أن تحقق مصلحة من ذلك تبرر ما تفعل. وهو ما يصعب اعتباره انتهازية، إذ أن الشر والأذى والضرر هو الغاية بحد ذاته.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تكاد تكون السياسة والانتهازية صنوين متلازمين، ومهما كان تعريفك الذي تعتمده للانتهازية لا تخلو السياسة من قدر منها حسب هذا التعريف أو ذاك. ولأن أي تعريف لتلك الممارسة ليس حاسما ـ مثله مثل كثير من تعريفات السلوك (وكل ما يتعلق بالعلوم الإنسانية عموما) في حياة البشر ـ فمن الصعب اعتماد تعريف محدد. لكن من قبيل التبسيط، نشير إلى أن هناك شعرة دقيقة بين المهارة التنافسية في اقتناص الفرص وقاعدة “الغاية تبرر الوسيلة” ـ أي الواقعية السياسية ـ وبين الانتهازية التي تحمل دلالة أخلاقية وتعني تجاوزا لخط وهمي في استغلال الظروف. لذلك ما قد تراه أنت انتهازية قد يراه غيرك “شطارة”، وما قد تراه استغلالا غير أخلاقي للفرصة قد يراه آخرون مهارة في المنافسة .. وهكذا. لنتفق إذا على تعريف مبتسر مؤقت لتلك الخصلة على أنها استغلال الظروف بشكل يتجاوز الأعراف والتقاليد والقيم شبه المقبولة من عموم البشر، وأن استخدامها كوسيلة مبررة يفترض نبل الغاية وإنسانيتها وليس المصلحة الأنانية المجافية للحق والعدل.
ونعيد التأكيد على أن هذا التعريف هو لغرض هذا المقال فحسب، ولا يحمل أي صفة علمية ولا يمكن حتى اعتباره ضمن استنتاجات علوم اجتماعية تحمل قدرا عاليا من النسبية والشك أصلا. وحتى لا نزيد الجدل الفلسفي، فمع إدراك أن الأعراف والتقاليد والقيم تتطور وتتغير فالمعيار هنا هو المبادئ الأساسية التي يمكن اعتبارها “إنسانية”. وربما بسبب كل ما سبق لا تدخل “الانتهازية” في أي قانون إلا فقط بحساب نتائجها إن سببت ضررا يعاقب عليه القانون أو انتهاكا لقانون مطبق.
ومع التغيرات التي يشهدها عالمنا منذ ثمانينيات القرن الماضي، تغير كثير من الأعراف والتقاليد والقيم وأصبحت نظم الأخلاق والنبل الإنساني أضعف وأكثر تخفيفا. وبالطبع أدى ذلك إلى تغير نظرة الناس لخصلة الانتهازية التي أصبحت محتملة أكثر، إن لم تكن مقبولة ـ وفي ظروف متطرفة محل إعجاب ومديح. وأدى ذلك إلى أن الأمر لم يعد قاصرا على “استغلال ثغرات” بل التآمر المسبق عن قصد لخلق تلك الثغرات ثم استغلالها فيما قد يبدو انتهازية مقبولة. وانسحب ذلك من السياسة والعلاقات الدولية إلى ممارسات الجماعات الصغيرة والأفراد، حتى أن نسبة من يبذلون جهدهم الذهني والعملي على “التآمر الوظيفي” أكثر مما يبذلون في عملهم الأصلي أخذت في الزيادة ـ والنتيجة هي ما نراه من سطحية وقلة جودة في أغلب ما ننتج كبشر، إلا فيما ندر.
وفي السنوات الأخيرة، لم تعد “الشطارة” ـ في السلوك العام والخاص ـ تقف عند الانتهازية، بل تطورت هي أيضا لتكاد تقترب من معنى الكلمة القديم. ورغم أن المعنى المعاصر يعني المهارة والحنكة، فإن المعنى القديم يصف خصالا مثل الخبث الفاجر والمكر الضار. ولهذا وصفت المجموعة الأشهر التي حملت ذلك الاسم (في العصر العباسي من التاريخ الإسلامي تقريبا) بذلك لأنها كانت مجموعة من قطاع الطرق ومن يمتهون الدعارة واللصوصية ويبررون أفعالهم بأنها ليست جرائم وإنما “إحقاقا لميزان العدل بين الناس”. وأتصور أنه منذ نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي تجاوزت الانتهازية (بين الناس والجماعات والدول) حدود ما كان مفهوما من قبل ويقترب منحنى نطاقها الآن من المعنى الذي وصفت به طائفة الشطار في القرن الثامن. بل إن التطور البشري أنتج خصالا جديدة، تكاد تصبح مقبولة الآن وتجعل الانتهازية وكأنها من “خصال الزمن الجميل”!!!
فإذا كانت الانتهازية مفهومة في إطار المنافسة ـ حتى غير الشريفة منها ـ فإننا نشهد الآن صعودا لخصال مثل “عض اليد التي تقدم لك المساعدة” وحتى دون منفعة تعود عليك. أو مجرد الدس بغرض الأذي للآخرين دون أن تحقق مصلحة من ذلك تبرر ما تفعل. وهو ما يصعب اعتباره انتهازية، إذ أن الشر والأذى والضرر هو الغاية بحد ذاته. ربما يكون هناك بشر يتملكهم الشر فيمارسون ذلك السلوك بشكل “طبيعي” بالنسبة لهم، كمن اعتادوا الكذب فلا يستطيعون التوقف عنه حتى لو كان بدون مبرر. ومن خبرتي الشخصية عرفت جماعات تغلب عليها تلك الصفات لكنها لم تكن سلوكيات شائعة إلى الحد الذي نراه الآن. وقديما، في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان الاستعمار يستخدم أساليب تقترب من تلك السلوكيات لكنها كانت في النهاية مستهجنة مثل الاستعمار نفسه ولا تمثل العرف الانساني السائد.
لكن الآن، في عالم يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاره للأمن القومي جون بولتون وبه شخصية مقبولة دوليا مثل بنيامين نتنياهو ومشاهير يؤثرون في حياة الناس مثل كيم كارداشيان وكاني ويست ونجوم وسائل تواصل آخر ثقافتهم ومعارفهم أنهم يبحثون في جوجل ويستخدمون ترجمته، ليس غريبا أن نتجاوز الخبث الفاجر والخسة الإنسانية إلى ما بعد، بعد، بعد الانتهازية ..

إلى الأعلى