السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : أول إحصائية عن يهود العراق

أصداف : أول إحصائية عن يهود العراق

وليد الزبيدي

يذكر حنا بطاطو: أنه لم يكن حجم الوجود اليهودي في شؤون العراق التجارية شيئًا حديث الظهور، ويشير تقرير قنصل بريطاني يعود تاريخه إلى العام 1879م، بلا لبس، إلى تمركز الكثير من عمليات بيع وشراء البضائع الإنجليزية في بغداد في أيديهم. وتقول رواية سرية أخرى صادرة عن بغداد في العام 1910 إن “اليهود احتكروا التجارة المحلية بكل معنى الكلمة ولا يستطيع المسلمون ولا المسيحيون منافستهم في هذا، وإذا كانوا قد لعبوا في الموصل دورًا اقتصاديًا ضئيلًا جدًّا، فقد كان جزء جيد من تجارة البصرة تحت سيطرتهم حتى العام 1920 على الأقل، وبعض الحوادث الصغيرة التي كانت تقع بين الحين والآخر كانت تدل على مدى قوة وضعهم المالي، وعلى سبيل المثال، ففي آذار/مارس 1926، عندما أعلن تاجر يهودي يعمل في تجارة المرور (الترانزيت) الفارسية أنه قد أفلس، حدث ما يشبه الأزمة الاقتصادية في بغداد، وحتى في بلدات صغيرة مثل دلتاوه وشهربان، أدى رفض تجار يهود في شباط/فبراير 1918 قبول العملات التركية الصغيرة الى حصول تشويش واضطراب في البازار.
كان للربا دور كبير في جمع الثروات الضخمة التي كدسها التجارـ الصرافون اليهود، فبينما كان كثير من الملاكين يودعون أموالهم السائلة لديهم بلا فائدة قبل ظهور المصارف، كانوا هم أنفسهم يتقاضون معدلات فائدة عالية جدًّا، وأحيانًا فادحة، ومن هذه الناحية كان مقرضو المال المسيحيون والمسلمون بجرأة أمثالهم من اليهود، وليس واضحًا ما كانت عليه معدلات الفائدة في بغداد في القرن التاسع عشر، ولكن المزارعين كانوا يدفعون في الثمانينات من ذلك القرن ما يتراوح بين 30 و40 بالمئة في ولاية الموصل للأموال الجاهزة فورًا. وبعد ذلك بعقدين، كان الصرافون يتقاضون 24 بالمئة في مدينة البصرة، وحتى العام 1919 كان يتم تقاضي فوائد تبلغ 58 بالمئة، وتصل أحيانًا إلى 100 بالمئة، من مزارعي التبغ في لواء السليمانية بطرق احتيالية. ولكن في العام 1907م، أي بعد حوالي عقد من ظهور المصارف، كان صرافو بغداد يتقاضون في العادة ما يتراوح بين 10 و13 بالمئة على حسم الكمبيالات (حنا بطاطو، العراق، الكتاب الأول ص 288).
وعاش اليهود في تلك الفترة مرحلة رخاءٍ وظهرت في عام 1920م أول إحصائية رسمية عن عدد اليهود في المدن العراقية نشرتها حكومة الاحتلال وتبين أن أكبر جالية كانت في مدينة بغداد، إذ وجد فيها 50000 وفي سامراء 300 وفي ديالى 1689 وكوت الإمارة 381 والديوانية 6000 والشامية 530 والحلة 1065 والدليم 2600 والموصل 7635 وأربيل 4800 وكركوك 1400 والسليمانية 1000 والبصرة 6928 والعمارة 3000 والمنتفك 160 وتبين من ذلك أن مجموع اليهود في العراق بلغ 87487 نسمة.
ولا شك أن تلك الإحصائية لم تكن دقيقة لكنها قد تكون قريبة من الواقع، والسبب أن إمكانات الإحصاء الدقيق لم تكن متوفرة في ذلك الوقت، إضافة إلى عدم وجود مؤسسات دولة بالمعنى الكامل، التي يمكنها متابعة الأمر والتدقيق فيه، وقد يكون أعداد من اليهود يترددون في ذكر انتمائهم الديني في تلك المرحلة، التي أعقبت الحرب الأولى وانتهاء السلطة العثمانية، ومع ذلك فإن ذلك الإحصاء يسجل أولى المراحل التي يمكن دراستها بصورة أكثر دقة من المعلومات التي كانت تسجل في كتابات الرحالة، الذين لا يمكن معرفة هواجسهم وأحاسيسهم وهم يسجلون معلوماتهم، كما أننا لا نعرف بالدقة أهداف من يزودهم بتلك المعلومات.

إلى الأعلى