السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العالم العربي .. والاستنفار العام

العالم العربي .. والاستنفار العام

سعود بن علي الحارثي

على علماء الأمة وعقلائها وحكامها ومثقفيها أن يتحلوا بروح المسؤولية, وعلى قيادات دول مجلس التعاون والقيادات الأخرى في الدول العربية التي ما زالت تعمل على إخراج بلدانها ومجتمعاتها من أتون الصراعات والفوضى أن توحد كلمتها وتصلح أحوالها وتطور سياساتها وبرامجها بما يتناسب مع الأحداث والمواقف والمستجدات والظروف والتحديات, وأن تعيد ثقة المواطن بها, وأن تحمي أوطانها وتجنب شعوبها الشرور والفتن.

عندما نتلو الآية القرآنية الكريمة ((… أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا…)) والتي رفعت من شأن الحياة وقيمتها دون استثناء لانتماء أو ارتباط محدد عقدي أو مذهبي أو فكري أو عرقي .. وقدمت للإنسان حصانة كاملة غير مشروطة بحرمة المساس بهذا الحق المقدس أو انتهاكه من أي سلطة كانت مهما بلغ شأوها وكانت درجة شرعيتها وحصانتها إلا في إطار حكم قضائي يستند إلى نص شرعي قانوني، وفي ظرف ومرحلة يكون فيها المجتمع المدني الذي يشهد حالة وأد حياة إنسانية متمتعا باستقرار سياسي ونظام مؤسسي متكامل وبكل مقومات الدولة، وبما يضمن تحقيق العدالة والنطق بالأحكام وتنفيذها وفقا لهذه المبادئ والأسس الحضارية .. عندما نقرأ هذه الآية الكريمة فنتجاهل أو نجهل مضامينها الحقيقية ومعانيها الإنسانية النبيلة, لنمارس مفاهيمها وغاياتها بشكل معكوس ومقلوب فتشرع فئة أو شريحة من المسلمين لثقافة القتل بطرق ووسائل همجية وتتعمد استباحة وسفك دماء العباد وفقا لمفاهيمها ومقاصدها ومعتقدها ورؤيتها وفكرها الذي تنزله منزلة المقدس والمنزه والصحيح، وكل ما عداه فهو باطل وكافر وخارج عن الملة وعلاجه القتل, وتنزل ذلك العمل المجرم شرعا وقانونا والمستهجن إنسانيا وحضاريا ضمن ثوابت وأسس الدين فتسيئ أيما إساءة إلى الدين .. وعندما يجتهد المجتهدون من علماء وطلبة وباحثين في قضايا وموضوعات تهم الأمة وتيسر على الناس وتعزز مفاهيمهم بدينهم السمح وتعلن عن الآراء والمنطلقات الفقهية التي تعلي من قيم الإسلام وتفصح عن رسالته الحضارية من مثل: اتخاذ منهج التيسير, ووجوب الاجتهاد, والإيمان بأنه لا اجتهاد إلا ويكون معه اختلاف, والتأكيد على أن الفتوى ((خطاب ثقافي يمسها ما يمس أي خطاب من التحول والتغيير حسب تحولات الحياة والمعارف والظروف ..)). وتعزيزها بآراء وفتاوى واجتهادات طرحها وقدمها فقهاء وعلماء ولكن تم إخفاؤها عبر الزمن من قبل المؤسسة الدينية وحراسها المتشددون لأنها لا تتوافق مع توجهاتهم وثقافاتهم ورغباتهم في الإمساك بقواعد وحبائل النفوذ الديني ومؤسساته ومجالاته وقطاعاته الواسعة وتعزيز مواقعهم سياسيا وإعلاميا واجتماعيا. عندما يجتهد المجتهدون منطلقين في اجتهادهم وملاحظاتهم وآرائهم من خارج ذلك الإطار متجاوزين سياجاته وحرسه القوي المتمثل في الإرث الديني المتأصل ورجالاته, فتثار ثائرة المتشددين من العلماء ومؤسستهم الدينية فيتهم أولئك المجتهدون الميسرون الذين تجرأوا فخالفوا شيوخهم وتعدوا بمجاهرتهم وتصريحهم المخالف المؤسسة الدينية بأنهم ((مهزومون ومهادنون واستسلاميون ومغزوون ..)) وممارسة كل أشكال الترهيب والتخويف وإثارة الرأي العام ضدهم واستخدام أنواع من الضغط النفسي الاجتماعي الديني لإسكاتهم والعمل بكل الوسائل لثنيهم عن آرائهم وفتاويهم، وهو ما يتم فعلا وفقا للمشاهد والمواقف المتزاحمة.. وعندما ينتقل الفهم العام للحديث الشريف من أن ((المؤمن مرآة أخيه)) إلى: أن الإنسان مرآة نفسه. ويتم تجاهل المقولات أو القواعد الفقهية التي اعتمد الفقهاء عليها في الفتوى والاجتهاد والبحث قديما وتمثل أساس التشريع من مثل: ((درء المفسدة وجلب المصلحة .. تحقيق الخير للبشر .. وجوب الاجتهاد على العامي .. درجة الاختلاف في الفقه تصل لتبلغ تسعا وتسعين بالمئة .. تغير الفتوى واختلافها حسب تغير الأزمنة والأمكنة .. هو سبحانه وتعالى يحب أن تؤتى رخصه ..)) .. عندما ينتشر التشدد ومعه تخيم ثقافة الموت والفكر الأحادي وعمليات التطهير العرقي والمذهبي والفكري وتدمير البنى التحتية ومعها الإرث الإنساني ومكتسباته الحضارية والمزارات الدينية وتعيث فئة من البشر فسادا في الأرض باسم الإسلام وتعمد إلى تحصين ذاتها وأعمالها وممارساتها وإدارتها بنصوص وتفسيرات دينية, ويبيت التشدد والشحن والتجييش والتمذهب واستثمارها في استقطاب وتظليل العوام وتفريغ العقول رأسمال بعض الأحزاب الدينية بها تقتات وتتمدد وتتسع .. عندما تختلط الأوراق وتتأزم الأمور والملفات وتسد منافذ الانفراج والحلول وتغيب قيم الحوار والسلام والتعاون والإخاء, وتصبح مصالح الإنسان وازدهاره واستقراره وبناء حياته وطموحاته وآماله وأمنياته في خبر كان لا مجال لها ولا مكان في الخطط والبرامج والمساعي والمشروعات والشعارات والتصريحات اليومية, ولا تنتج الثورات ضد الطغاة والأنظمة القمعية والظلم وتصحيح المسارات وتحقيق الإصلاح والطموحات المشروعة إلا المزيد من الطغيان والظلم والقمع والقتل والفوضى, وانشطار الأمة إلى كيانات وأحزاب وعرقيات ومذهبيات .. عندما تصبح تهمة ((صنيعة الصهيونية)) ومحاولة إثبات ((الأصل اليهودي)) و((العمالة الأميركية ..)) معدة وموجهة تتبادلها الأطراف المتصارعة والمتنازعة: أحزابا سياسية وتيارات دينية وأنظمة حاكمة, رؤساء وعلماء وقادة ومسؤولين كبارا تجاه بعضها البعض وصمة عار ومسبة للنيل والتقليل والتشفي والإقصاء درجة إصدار الدراسات والكتب والأبحاث وإعداد البرامج والمقالات لإثبات ذلك .. عندما تشعر بعض الأنظمة السياسية العربية بالعجز والضعف وتتلقى تهديدات مختلفة سياسية وعسكرية وأمنية وثقافية وشعبية، والتشكيك في شرعيتها ونزاهتها وتجاهد وتصارع من أجل البقاء والاستمرار في الحكم والالتفاف على تلك التهديدات والحصار المفروض عليها والعمل على تعزيز قوتها وهيمنتها واتخاذ قرارات متسرعة وانفعالية وخاطئة بل وقاتلة تربك المشهد وتعمق الأخطاء، وتعزز ثقافة التشدد وترفع من عدد وقوة الأطراف المعادية، وتحفر عميقا في خندق الثقة المتهاوي والمتسعة رقعته أصلا بين تلك الأنظمة وشعوبها .. عندما يصبح التراجع في كل شأن وقطاع وأمر ومعه الجهل والتخلف والبؤس والقتل عنوانا وسمة لأمتنا العربية, والباحث والأكاديمي والإعلامي والمتخصص والكاتب قد التبس عليهم الأمر وغم فلم يعودوا بقادرين على التحليل والتشخيص والبحث والوصول إلى الأسباب والحلول .. علينا حينها أن ندق ناقوس الخطر وأن نعلن الاستنفار العام، وأن نترك بعيدا كل ترسبات الماضي والخلافات وسوء الفهم والشغف بالحكم والنفوذ, وأن نتخلى عن مصالحنا الشخصية وعن الرؤية الأحادية في اتخاذ القرارات وفي التعامل مع ملفات المنطقة وقضاياها. على علماء الأمة وعقلائها وحكامها ومثقفيها أن يتحلوا بروح المسؤولية, وعلى قيادات دول مجلس التعاون والقيادات الأخرى في الدول العربية التي ما زالت تعمل على إخراج بلدانها ومجتمعاتها من أتون الصراعات والفوضى أن توحد كلمتها وتصلح أحوالها وتطور سياساتها وبرامجها بما يتناسب مع الأحداث والمواقف والمستجدات والظروف والتحديات, وأن تعيد ثقة المواطن بها, وأن تحمي أوطانها وتجنب شعوبها الشرور والفتن وأن تجري إصلاحا شاملا على مؤسسات الدولة وقوانينها يضمن تجفيف ومحاربة منابع وأشكال الفساد وتعزيز حقوق ومتطلبات المواطنة وتهيئة الحياة الكريمة للمواطن واشراكه في صناعة واتخاذ القرار. إن المأزق حقيقي وكبير والأزمات واسعة ومتشعبة وعميقة وعويصة, والتحديات بأبعادها وأسبابها وإشكالاتها التاريخية والدينية والسياسية والفكرية والاجتماعية والتعليمية موغلة في الماضي ومتداخلة مع الحاضر بإشكالاته وأطرافه, وما يصحبها من غياب الثقة وبعد الفهم وتباين المسارات بين الأطراف لعميق عميق والفرص ضيقة ومحدودة والعمل المطلوب مضنٍ ومجهد ويتطلب خطوات جادة ومسارات وحلولا كثيرة ومتنوعة وعلى مختلف الصعد. أسباب وعوامل يلغي بعضها ما سبقه ويأتي الزمان بالجديد منها, أسباب وعوامل ناقشها باستفاضة, وحلل أوضاع الأمة وشخص ثقافتها وتاريخها ومسيرتها وأحداثها وما يجري فيها من أنماط وممارسات وتداعيات وتأزمات وسقوط مدوٍّ وأخطار هائلة علماء ومفكرين, باحثين ومثقفين, ومؤسسات متخصصة أصدروا عشرات بل مئات المجلدات من الكتب والدراسات والأبحاث والدوريات عرضا وتشخيصا, تحليلا ونقدا, رؤية وتوصيات, وأشبع الوضع العربي نقاشا وبحثا وإنتاجا لاجتماعات وفعاليات ولجان متخصصة ومشاريع نهضوية … فلم تفلح في إصلاح الأمة وتوحيد كلمتها وتحقيق نهضتها, بل كان التراجع والفشل والتمزق والتناحر والخسائر الفادحة البشرية والمادية والبنى التحتية عنوانا رئيسيا لهذه المرحلة, وتتحمل الأنظمة السياسية وعلماء الأمة وقياداتها ومؤسساتها المسؤولية عن هذا الواقع بسبب تجاهلهم وكسلهم وتعظيم مصالحهم الشخصية التي أسست وعظمت للطغيان والظلم والفساد وتعطيلهم للعديد من المشاريع والرؤى والحلول المقدمة والمعدة, وانقيادهم ومشاركتهم بوعي وإدراك أو بشكل غير مباشر في تدبير المؤامرات والكيد لبعضهم البعض والحط من مكانة وقدر الأطراف الأخرى وتبني ثقافة الرؤية الأحادية التي تميزت بها القرارات والأعمال والسياسات, فهل ندرك المخاطر الجسيمة والظرف الحساس والمنزلق العميق الذي تمر به الأمة؟ وهل من أمل في تدارك الأمر وإصلاح الأوضاع وإعادة الحياة العربية إلى طبيعتها صافية نقية كما أراد لها رب العزة أن تكون برحمة الإسلام؟ هذا ما نتمناه ونطمح له ونسعى إليه, والأيام القادمة كفيلة بالإجابة عن ذلك.

إلى الأعلى