السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / استئناف القتل .. رحيل القاسم .. وإبعاد المناضلة خالدة جرار

استئناف القتل .. رحيل القاسم .. وإبعاد المناضلة خالدة جرار

د. فايز رشيد

خالدة جرار لا تحمل سلاحا. مناضلة سياسية, تتخذ أيضا من بين مهامها السياسية (كونها عضوا في المجلس التشريعي, ومحامية خريجة قانون): الجوانب الحقوقية والنشاط في إطار المنظات الحقوقية الفلسطينية والدولية في الدفاع عن حقوق أبناء شعبها, والوقوف في وجه الاحتلال المجرم الذي تفوق على النازية بفظائعه ومذابحه وموبقاته. يسجل للمناضلة خالدة جرار: شجاعتها الفائقة, إن في رفض التوقيع على القرار, أو في وقوفها الصلب في وجه الفاشيين الصهاينة.

ثلاثة أحداث وقعت في ذات اليوم: استئناف الكيان الفاشي في الإبادة الجماعية للفلسطينيين, رحيل سنديانة أخرى فلسطينية: الشاعر سميح القاسم, وإبعاد المناضلة الفلسطينية خالدة جرار من رام الله إلى مدينة أريحا.
الأحداث الثلاثة يجمع بينها الحزن, وقاسمها المشترك جميعا… بين الأول والثالث هو الجلادون الصهاينة, والدور الإسرائيلي المباشر في تسبيبهما. أما وفاة القاسم بالطبع هي إرادة الله أولا وأخيرا, غير أن دولة الكيان بسجنه مرات عديدة وبفرض الإقامة الجبرية عليه وتقييد حركته, وما سببته له ولشعبه من مذابح ومعاناة دائمة وعذابات .. كانت سببا رئيسيا في إصابته وزيادة حدة مرضه وبخاصة: قلبه المرهف وهو الشاعر, وفي التسبب بإقعاده فترة طويلة. لذا, فإن الكيان الصهيوني: هو السبب الرئيس ليس في احتلال أرضنا وقهر حريتنا واغتصابها فحسب, وإنما هو الملاحق لكل تفاصيل حياتنا اليومية وتحويلها من مجراها الطبيعي الخاص, وهو الحق الطبيعي لمطلق إنسان على هذا الكون! بالتالي, فإن إسرائيل ليست عدوا فحسب, إنها فيروس وبكتيريا خطيرة ضارة للوجود الإنساني برمته, وبخاصة للفلسطينيين. مريض السرطان في كل أنحاء الأرض يعاني مرضا طبيا اسمه السرطان, لكن مريض السرطان الفلسطيني يعاني من سرطانين: السرطان الإسرائيلي, وهو الذي يعاني منه كل فلسطيني, والسرطان الآخر الطبي, الذي تعاني من نتائجه كل الإنسانية ومرضاها به بشكل خاص. القاسم المشترك الأعظم بين السرطانين أيضا: أن كلا منهما لا يمكن البراء منه إلا بالقضاء عليه وتنظيف الجسم منه حتى آخر خلية, لأنها لو بقيت, فسيعود تأثيرها الضار. وعلى ذلك قس!
في قطاع غزة: شهداء بالعشرات وجرحى بالمئات وردم بيوت في كل يوم, لكن ورغم التضاريس الجغرافية الصعبة قطاعيا (كونها أرضا منبسطة لا جبال فيها ولا تلال للاختباء) فإن المقاوم الفلسطيني يجد الطريقة للرد على الإسرائيلين وإرعابهم وإجبارهم على الرحيل في: “موسم الهجرة إلى الشمال” ـ مع الاعتذار للروائي الطيب صالح ـ وترك الجنوب الفلسطيني إلى مستوطنات الشمال. هذا ما لا نقوله نحن وإنما الصحف وأجهزة الإعلام الإسرائيلية الأخرى. غريب هذا الإصرار الصهيوني على القتل, وهذا التلذذ بطعم الدم, وهذه الشهية النهمة الشايلوكية لأرطال اللحم الفلسطينية, وإذا كان القاضي في مسرحية شكسبير الرائعة “تاجر البندقية” قد وجد طريقة لإنقاذ المدين من الشرط الشايلوكي “أخذ كيلو من لحم المدين المسكين” لأنه لم يستطع سداد الدين في موعده! فإن كافة أنحاء العالم يقف عاجزا في هذه المرحلة عن منع دولة الكيان من أخذ آلاف الأرطال من ضحايا القتل الجماعي الصهيوني للفلسطينيين صباح كل يوم ومن إزهاق أرواح العديدين منهم, بمن فيهم أطفالنا الرضع من ذوي السبعة شهور كابن القائد العسكري الفلسطيني محمد ضيف. نعم: لقد ملَّ الموت من إزهاق أرواح الفلسطينيين ولم تمل دولة الكيان من التسبب بقتلهم! هذه هي حقيقة إسرائيل.
الشاعر سميح القاسم هو قامة شعرية فلسطينية وعربية وإنسانية كبيرة. هامة عالية الجبين حلقت ولا تزال في السماء الفلسطينية. منغمسة في الأرض الفلسطينية مثل زيتوننا وبرتقالنا وسندياننا. معطاءة مثل سنابل قمحنا. ومقاومة مثل حبات ترابنا وصخور جبالنا وأحجارنا. أصيلة العبق مثل نسيم بلادنا وحنوّه, مثل قهوتنا في الصباحات الربيعية الدافئة, مثل رائحة ورودنا وياسميننا وفلّنا. سميح مناضل مقاومة صلب في التمسك بالأرض الفلسطينية… شديد العشق للتفاصيل الفلسطيني: الصغيرة منها والكبيرة. مدافع صلب عن حقوق أبناء شعبه. متواضع وبامتياز. أذكر أنه في إحدى المرات عندما تهاتفنا في إحدى زيارته إلى عمَّان, دعوته للبيت. قبل الموعد المحدد, ذهبت إليه في فندقه القريب لاصطحابه. في السيارة قال لي: وأخيرا سأحقق حلما قديما بالتعرف على ليلى خالد. أجبته: بأن ليلى ليست مسجونة في قوقعة, وبأن كل من يريد الحديث إليها والتعرف عليها يستطيعه. أجابني: لا تنسَ أن الاحتلال وكما أنه سبب بلائنا، فهو المانع أيضا أمام تواصل شعبنا في شتاته المختلف. أكبرت في هذه القامة, تواضعها الجم وانغماسها بقضية شعبنا, واندغامها المطلق بالتفاصيل الفلسطينية. سميح القاسم عكس كل ذلك في قصائده الشعرية على مدى حياته. لم يتوقف يوما, لم يكل ولم يمل. شاعر الأرض والقضية والإنسان وقبل كل شيء: شاعر المقاومة. محرض كبير, قصائده سهلة الترداد على اللسان .. موسوعة شعرية بامتياز, وظف كل ذلك لخدمة قضية شعبه. كانت المرة الأولى لشعراء المقاومة الثلاثة معا (الراحل محمود درويش, الراحل سميح القاسم, الراحل توفيق زياد) عندما تعرفت إليهم عن قرب وسمعت إلقاءهم. كان ذلك في موسكو عام 1972عندما التقوا معا (كانت المرة الأولى والأخيرة التي يلقون فيها معا قصائدهم) في أمسية شعرية مشتركة. حدث هذا في قاعة لجامعة الصداقة. كانت من أحداث العمر التي لا تنسى). أجاب سميح المحقق الأمني الإسرائيلي عندما منعته المخابرات من السفر على الطائرة في رحلة لحضور مؤتمر أدبي, عندما سأله المحقق في المطار عن نشاط له آنذاك؟ أجابه القاسم: أولا أنت من المغتصبين لهذه الأرض. ثانيا: إن الأرض التي تقيمون عليها مطاركم الذي تسمونه: مطار “بن جوريون” هو ملك لجورج حبش (الذي هو من مدينة اللد الفلسطينية) ويسمى مطار اللد اغتصبتم أرضه عنوة بالتالي لا يحق لك التحقيق معي ولن أجيب على أسئلتك. هذا هو سميح القاسم وهذه هي صلابته.
المناضلة الفلسطينية خالدة جرار عضو المجلس التشريعي الفلسطيني وعضو المكتب السياسي للجهة الشعبية لتحرير فلسطين هي قائدة وطنية فلسطينية بامتياز. صلبة في الدفاع عن حقوق شعبها. لا تجامل في ما تعتبره حقا وعادلا, تعبر عن آرائها بوضوح وبسلاسة وبأسلوب جميل, مملوءة بالصدق والانتماء لقضيتها. عانت, كما لا تزال تعاني من موبقات الاحتلال وفظائعه. تعاني أيضا من ظلم ذوي القربى, الذين امتنعوا عن دعوتها منذ مدة طويلة لاجتماعات القيادة الفلسطينية (كل هذه المعلومات يعرفها كل من يسكن رام الله وبخاصة الكتاب والصحفيون) وهي الاجتماعات المشتركة للرئيس مع أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة وممثلي الفصائل, ذلك بالرغم من تمثيلها الرسمي لتنظيمها في هذه الاجتماعات, وبالرغم من التشدق الرسمي صباح مساء بشعار “الوحدة الوطنية الفلسطينية” وأهمية تحقيقه! وبالرغم من حراجة المرحلة التي تمر بها ثورتنا جرّاء العدوان الفاشي الصهيوني على القطاع. لذلك يمكن القول إنه وبموجب قرار فاشي صهيوني بإبعاد المناضلة من رام الله إلى مدينة أريحا, أي من منطقة تابعة (كما هو مفترض) للسلطة إلى أخرى تابعة للسلطة, يشكل محاولة واضحة لإسكات صوتها ودفاعاتها الصلبة عن قضية شعبها وحقوقه الوطنية ويشكل تقاطعا بين الاحتلال وجهات محلية أخرى. كما يبرز سؤالا جوهريا: عن أهمية وجود هذه السلطة, وعدم تمكنها من التقرير في مصائر أبنائها في مناطقها! ما دام الاحتلال هو المتحكم في مصائرهم!
خالدة جرار لا تحمل سلاحا. مناضلة سياسية, تتخذ أيضا من بين مهامها السياسية (كونها عضوا في المجلس التشريعي, ومحامية خريجة قانون): الجوانب الحقوقية والنشاط في إطار المنظات الحقوقية الفلسطينية والدولية في الدفاع عن حقوق أبناء شعبها, والوقوف في وجه الاحتلال المجرم الذي تفوق على النازية بفظائعه ومذابحه وموبقاته. يسجل للمناضلة خالدة جرار: شجاعتها الفائقة, إن في رفض التوقيع على القرار, أو في وقوفها الصلب في وجه الفاشيين الصهاينة, الذين اقتحموا بيتها وزوجها وعائلتها (فهي أم وزوجة أيضا) بطريقة همجية, بعيدة عن أدنى حدود الحضارة التي تتشدق بها دولتهم. كما يسجل للمناضلة رفضها تنفيذ القرار. المطلوب: إضافة إلى الجهود التي تهدف إلى تأييدها سواء في رام الله وغيرها من المدن الفلسطينية من قبل الفصائل الفلسطينية وقبل كل شيء من شعبنا في كل أماكن تواجده, ومن قبل المجلس التشريعي والمنظمات الحقوقية الفلسطينية والدولية, وفي العالم العربي, فإن من الضرورة مضاعفة هذه الجهود عربيا وإقليميا ودوليا لتأييد قضيتها العادلة. كل التحية لابنة شعبنا: المناضلة خالدة جرار.

إلى الأعلى