الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / نُسَخُ الأفلاج والأوقاف في سلطنة عمان
نُسَخُ الأفلاج والأوقاف في سلطنة عمان

نُسَخُ الأفلاج والأوقاف في سلطنة عمان

تعتبر من أهم مصادر التاريخ العماني الاجتماعي ومادة غنية في حقل الدراسات اللغوية
نسخ الأفلاج تنفرد به السلطنة بين سائر البلاد العربية والإسلامية
النسخة تمكن من معرفة تاريخ التملكات والقرابة والرحم والأنساب من خلال تعاقب أسماء الملاك وتقييدات البيع والإرث والوقف
مخطوطات “نُسَخ الأوقاف” تشترك مع مخطوطات “نسخ الأفلاج” في صفة توثيق الأموال والحصص

دار المخطوطات تحتفظ بعدد من “نُسخ الأفلاج” و”نُسخ الأوقاف” أقدمها نسخة تعود إلى القرن العاشر الهجري
تتفرد سلطنة عُمان من بين البلاد العربية والإسلامية بصنف من المخطوطات لا يكاد يُعرف له مثيل وهو ما يعرف بـ (نُسَخ الأفلاج) وهذا الصنف مرتبط بالأفلاج في عُمان، وهو نظام رَيٍّ قائم على استخراج المياه الجوفية من الأرض إلى السطح عبر القنوات، ضارب في القِدَم موغل في التاريخ يسبق ظهور الإسلام بحقب طويلة تصل إلى ما قبل الميلاد، مما دفع الفقهاء العمانيين إلى التفريق بين (الفلج الجاهلي) و(الفلج الإسلامي) والأحكام المتعلقة بهما، ويستنبط من تعريفهم للفلج الجاهلي بأن له علاماتٍ وآثارًا توحي بأنه يعود إلى ما قبل الإسلام.

النسخة
أما (النسخة) فهي مصطلح عُماني يراد به الكتاب أو السجلّ الذي تقيد فيه حصص مياه الفلج أو الوقف وانتقال ملكيتها بالبيع أو الإرث أو الهبة أو الوقف، وتعرف في بعض بلدان عُمان أيضاً بـ(العرضة) و(الجامعة) و(كتاب الفلج) وكلها ذات مدلول واحد، وقد نص على اصطلاح (النسخة) بعض كتب الفقه العُمانية، ككتاب بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي (ت508هـ)، وفي ذلك إشارة إلى قِدَم هذا الصنف من المخطوطات في عمان، كما نجد ذات المصطلح في فواتح بعض تلك النُسَخ.

تقسيم
وقد درج العُمانيون على تقسيم مادة نسخة الفلج وفقًا للوحدات التوزيعية الرئيسة للفلج وهي (البادة) أو(الخبورة) أو(الفردة) والتي تساوي يوماً وليلة أو إحداهما، ويشكّل هذا التقسيم تبويباً في بعض نُسَخ الأفلاج، ثم تأتي الوحدات الجزئية كالربع والسهم والأثر والقياس والمثقال والحبة مندرجة تحت تبويب الوحدات الرئيسة، وذلك بسرد أسماء المُلّاك وتعداد حصصهم من الوحدات التوزيعية للفلج، وتقييد انتقال ملك تلك الحصص بالبيع والإرث والهبة والوقف وما في حكمها.

تميز
وقد تميّزت بعض نسخ الأفلاج بتبويب واصطلاحات تكاد تتفرد بها كنسخة فلج العوابي التي شرع في نقلها العلامة ناصر بن أبي نبهان الخروصي (ت1263هـ)، ثم رتبها العلامة يحيى بن خلفان بن أبي نبهان بن الخروصي (ت1324هـ) في أبوابٍ فوضع أبواباً لمياه أموال المساجد والأوقاف والأملاك العامة ثم وضع أبواباً لمياه كل قبيلة وعائلة وأدرج تحتها تفصيل تلك الحصص وتقييدات انتقال ملكياتِهَا، كما أرّخ العلامة ناصر بن أبي نبهان في تلك النسخة لبعض الأحداث التاريخية وأضفى وصفًا لبعض الشخصيات من الملّاك كالعالم والشاعر والفلكي، مما جعل للنسخة قيمة تاريخية مضافة.

نُسخ الأفلاج
تحتفظ دار المخطوطات بعدد من نسخ الأفلاج أقدمها نسخة فلج الملكي بمدينة إزكي والتي تعود إلى القرن العاشر الهجري بخط أبي القاسم بن صالح في 12 ذي الحجة 995هـ، ورغم أن النسخة غير مكتملة إذ بقي منها ورقتان بأربع صفحات ألحقت بأول مخطوط الجزء الثاني من كتاب بيان الشرع (رقم 462) المنسوخ سنة 950هـ غير أننا نستظهر منها الكثير من الإشارات المهمة، منها تسميات المساجد والمدارس والمواضع وقبائل وعائلات وسلالات مدينة إزكي، كما ذكرت بعض الشخصيات بالكنية دون الاسم كأبي القاسم وأبي علي وأبي العرب وأبي سعيد وأبي الحسن. أما وحدات توزيع الفلج التي جاءت فيها فهي (البادة) و(الأثر) و(القياس) الذي يعرف أيضاً بـ (الكياس) في بعض بلدان عمان كما في نسخة فلج العوابي، ويظهر اختلاف اصطلاح (البادة) في النسخة عن اصطلاح (الخبورة) في نسخة أخرى للفلج ذاته تعود إلى حقبة متأخرة، على أن الاصطلاح الأخير هو الآخر معروفٌ في عمان منذ القرون الأولى إذ نجده يتردد في أبواب الأفلاج في كتب الفقه الموسوعية القديمة.
وتتميز النسخة بنمط الخط السائد عند نساخ القرن العاشر وما قبله، الذي يشبه إلى حد بعيد الكتابات الجدارية في جامع بهلا. ومنها نسخة فلج العزيزي (رقم 2316) وهو فلج ببلدة سيق بجبل بني ريام الذي يعرف بالجبل الأخضر، والتي تتميز باكتمال مادتها ووضوح خط ناسخها الشيخ الفقيه ربيعة بن ماجد الكندي (ت 1346هـ)، وهو من أشهر نساخ زمانه الذين عرفوا بضبطهم للنسخ، وقد فرغ من نسخها يوم 8 رجب 1308هـ. وتتفرد النسخة ببعض الخصائص عما في نسخ الأفلاج الأخرى، نتيجة خصوصية الأعراف المتبعة والجغرافيا وطبيعة قرى الجبل الأخضر واختلاف بيئتها عن بقية بلدان عُمان. ولا ترد في النسخة الوحدات التوزيعية الأخرى المعروفة في أغلب أفلاج عمان كالربع والأثر، بينما ترد وحدة أخرى فريدة هي (الطاسة) وهي إناء نحاسي مثقوب من الأسفل يملأ بالماء وتكون مدة نفاد الماء وحدة زمنية توزيعية في نظام الفلج، وتزخر النسخة بأسماء الملّاك والبساتين والمواضع والأوقاف والمساجد تحمل الكثير من الدلالات. وقد قسمت حصص المياه إلى اثنين وستين قسماً تتراوح بين الليل والنهار ويطلق على كل منها (آد) ومعناه دورة السقي بماء الفلج إما ليلاً أو نهاراً، وقد ميّز الناسخ مبتدأ كل قسم برسم الأحرف كبيرة أو طويلة، كما ميّز فاتحة النسخة وخاتمتها ببنط عريض.
وفي آخر النسخة بعض القواعد والضوابط حول كيفية حساب دوران الفلج، والمعايير التي جرت عليها قاعدة توزيع مياه الفلج. كما تتميز النسخة بنسق وخط واحد خلافاً للأنماط الأخرى في بعض نسخ الأفلاج التي تضاف إليها قيود انتقال التملك كلما طرأت، ويتعاقب على ذلك وكلاء الأفلاج فنجدها كتبت بخطوط وتواريخ مختلفة. ويعود ذلك التباين إلى الأعراف المتبعة في إدارة الفلج وفي كتابة النسخة، ففي أنموذج نسخة فلج العزيزي تستبدل النسخة بأخرى بعد حين، بينما في نسخ أخرى كنسخة فلج فروض بوادي قريات من أعمال بهلا (رقم 3703) وهي مؤرخة خلال النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري بين سنتي 1361 و 1396هـ تصدرت قائمة ملاّك حصص مياه الفلج بخط سالم بن سعيد الشكيلي سنة 1361هـ ثم تلتها تقييدات انتقال ملكية الحصص بخطين مختلفين الأول خط عبدالله بن سالم بن سعيد الشكيلي حتى سنة 1368هـ ثم محمد بن سالم بن سعيد الشكيلي حتى سنة 1396هـ وهو نمط آخر في التوثيق من بين الأنماط التي درج عليها وكلاء الأفلاج في كتابة النُّسَخ، وفي تعاقب كتّاب النسخة إشارة إلى تعاقبهم على إدارة الفلج، وهم أسرة واحدة فيما يبدو.
وتقترن أملاك حصص المياه بالبساتين التي ترويها، فينتقل تملك الحصة من ماء الفلج مع الأرض تارة وبدونها تارة أخرى وفقاً لسبب انتقال الملك كبيع حصة الماء أو الهبة أو الإرث مع المال الأخضر أو بدونه، ونجد ذلك مقيّداً في النسخة، وبه يمكن معرفة تاريخ التملكات والقرابة والرحم والأنساب من خلال تعاقب أسماء الملاّك وتقييدات البيع والإرث والوقف، كما ترد في نصوصها المفردات الدارجة نحو كلمة (حال) فلان بمعنى مِلْك فلان و(استوى) بمعنى حَدَثَ وغيرها. ونظراً لكون النسخة متأخرة تعود إلى النصف الثاني من القرن الرابع عشر فقد نسخت في ورق حديث مسطّر.

نُسخ الأوقاف
بالمثل فهناك صنف آخر من المخطوطات يعرف بـ(نُسَخ الأوقاف) تشترك مع (نُسخ الأفلاج) في صفة توثيق الأموال والحصص، غير أنه يختص بأموال الأوقاف سواء كانت أموالاً خضراء وهي بساتين النخل أو حصص بساتين الأوقاف من مياه الأفلاج.
ويغلب على أموال الوقف في عُمان تلكم الأوقاف التي خُصَّتْ بها المساجد لذا نجد تسمية نسخ الأوقاف وفقاً لأسماء المساجد أو لمساجد بلدة كذا في حال جمعها في نسخة واحدة، وتضم بعض نسخ الأوقاف إلى جانب توثيق أموال الوقف توثيقاً لبعض الأحكام المتعلقة بأموال الوقف مما حكم به الأئمة أو أفتى به العلماء كما في نسخة جامع بهلا التي تعود إلى القرن العاشر الهجري وتضمنت بيعاً من لدن الإمام بركات بن محمد بن إسماعيل (ق10هـ) لبعض أوقاف الجامع، وقد نقلت النسخة عن أخرى بخط العلامة عبدالله بن عمر بن زياد الشقصي البهلوي (ق10هـ).
وتحتفظ دار المخطوطات بنسخة لأوقاف بعض مساجد مدينة أدم (رقم 3702) وهي أوراق غير مرتبة جمعت من نسخ عديدة تشترك في توثيق أموال أوقاف المساجد بأدم أولها نسخة مسجد الصبارة وتشتمل على أوراق منقولة بخطوط مختلفة جمعت في جلد واحد أقدمها يعود على الأرجح إلى القرن الحادي عشر الهجري منقولاً عن الشيخ الفقيه درويش بن جمعة بن عمر المحروقي الذي صدّر النسخة بمقدمة في كيفية صرف إيرادات أوقاف مسجد الصبارة من فطرة وعمار وما يعطى لأهل المسجد وغير ذلك، ثم قسّم النسخة إلى فصول سرد في كل منها أموال كل مسجد من البساتين ومياه الأفلاج، ثم نقل مقدمة النسخة ذاتها عبدالله بن عمر بن جمعة في أوراق ألحقت بالنسخة وذكر الناسخ أنه نقله عن الشيخ الفقيه درويش بن جمعة، وفي النسخة أوراق أخرى نقلت بخطوط وأوراق مختلفة وفي أزمنة لاحقة بيد أنها غير مؤرخة.
ويغلب على نسخ الأوقاف رصد أموال المساجد والأوقاف الأخرى كوقف مدارس القرآن ووقف المقابر وأكفان الموتى ووقف الرأي ووقف بيت المال ووقف فقراء المسلمين وغيرها، ثم حصرها وتوثيقها في النسخة بذكر بساتين النخل ومسمياتها المتعارف عليها بين أهل البلد ثم تحديد جهتها بذكر ما يقابلها من إحدى أو بعض الجهات الأربع بالاصطلاحات التي بقيت دارجة عند أهل عُمان لقرون طويلة مع تفاوت بين بلدان عُمان في بعض تلك الألفاظ، ومن تلك الاصطلاحات قولهم (نَعْشِيَّ) كذا و(سُهَيْلِيَّ) كذا أو (نعشيًّا) و(سهيليًّا) أو (من جهة سهيل) إضافة إلى ذكر اتجاهي الشرق والغرب.
كما تحتفظ دار المخطوطات بنسخة لأوقاف مدينة بهلا (رقم 2946) تشتمل على أوقاف بعض مساجد بهلا كالجامع ومسجد المعد ومسجد الخنادق وغيرها، وقد ألحق بالنسخة توثيق أوقاف إحدى مقابر بهلا، كما ألحقت بها أوقاف رحى تعرف بـ(رحى المضرب) والرحى هي آلة حجرية مستديرة تطحن بها الحبوب، وبذا يظهر أن نُسخ الأوقاف يتصدّرها توثيق أوقاف المساجد لكونها الأغلب بين أموال الوقف، غير أنها لا تهمل توثيق أشكال الوقف الأخرى التي كانت منتشرة في عُمان وبقي الكثير منها حتى اليوم.
تعود النسخة إلى القرن الرابع عشر الهجري، وأكثرها خطّه الشيخ القاضي علي بن ناصر المفرجي (ت1429هـ) وقد تراوحت تقييداتها بين سنتي 1376 و1396هـ.
تزخر نسخ الأوقاف بكثير من أسماء البساتين التي تعرف عند بعض أهل عُمان بـ(الأموال) وعند البعض الآخر بـ(الضواحي) وقلّما نجد بستاناً في واحات بلدان عمان لا يحمل اسماً، وهي ثقافة عرف بها العُمانيون منذ قديم الزمان كما أشارت إلى ذلك بعض كتب الفقه والتاريخ كبستان البلالية بنزوى في القرن الرابع الهجري.
في نسخة أوقاف بهلا نجد مثلاً (بستان خشتة) و(جلبة الدار) و(العوانة)، وفي نسخة أوقاف أدم (السمدية) و(البريكي) و(جلبة النارنجة) و(المقمرية) و(البطاشية) و(الضحضاح).
وعطفاً على ثنائية نسخ الأفلاج والأوقاف نجد أن نسخ الأوقاف تحفل هي الأخرى باصطلاحات الأفلاج في سياق ذكر مواضع أموال الوقف من بساتين ورموم كأن تذكر سواقي الأفلاج وأجزائها كالوجين والقنطرة والصوار وغير ذلك، كما ترد الوحدات التوزيعية للفلج واصطلاحات دورانه كـ(الآد) في بعض نصوص نسخ الأوقاف، وهو ما نجده في نسخة أوقاف أدم مثلاً في ذكر أملاك مسجد الصبارة إذ نقلت النسخة أسماء البساتين ومواضعها ونصيب كل منها من مياه الأفلاج.
إن كل نُسخ الأفلاج والأوقاف تُعد من أهم مصادر التاريخ العماني لا سيّما شقه الاجتماعي، ومادة غنية في حقل الدراسات اللغوية، وما تحتفظ به دار المخطوطات بعض من تلك النُسَخ الفريدة، يضاف إليها ما في الخزانات الخاصة وما في يد وكلاء الأفلاج والأوقاف الذين جرى عُرف العُمانيين على ائتمانهم تلك النُسَخ خلفاً بعد سلف.

إلى الأعلى