السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رحاب : الخير الذي لا تحيط به علما

رحاب : الخير الذي لا تحيط به علما

أحمد المعشني

عندما تطلب من الله شيئا، لا تطلبه حسب تصورك أنت، ووفقا لمعتقداتك وخبراتك وحاجاتك الآنية، بل اطلب من الله أن يفتح لك أبواب الخير وفرص التيسير ومناخات النجاح، دون أن تلتزم عقليا بصورة محددة عما تريد من الله تعالى. فالصورة التي في عقلك لحل مشكلتك أو تغيير وضعك، ليست هي الأفضل لك بالضرورة. فأنت لا تعلم الخير الذي يريده الله لك، فمثلما أخرجك الله جاهلا ضعيفا فقيرا من ظلمات الرحم إلى كبد الدنيا وأحوالها وظروفها، فإنه سيختار لك الأفضل ما دمت تحسن الظن به وتتوكل عليه. فما عند الله يختلف تماما عما هو موجود في تصورك وذاكرتك وإدراكك. الله يسير الأمور دائما لمصلحتك حتى لو لم تكن تشعر بذلك. وليس بالضرورة أن يكون ظاهر أحوالك خيرا محضا. عندما تقع في مشكلة أو تصبح مضغوطا بفعل أمور خارجة عن قدرتك وخارج نطاق سيطرتك وتحكمك، فقد تدعو الله أن يفرج كربتك ويخلصك من همك، ويحقق لك مرادك، وأغلب الناس ينطلقون أثناء الدعاء من تصوراتهم ومعرفتهم المسبقة، كما لو كانوا يريدون أن يتحقق لهم ما في أذهانهم من رغبات ومنافع. وينسون أن علم الله الواسع يحيط بكل ما هو خير لهم، فالخير هو ما يختاره الله لنا، وليس ما نختاره نحن لأنفسنا. أعرف شخصا عزيزا كان يرتاد المساجد ويقرأ القرآن بصوت خاشع، ويعيش وضعا ماليا عاديا، وفجأة أقبلت عليه الدنيا وخاض في التجارة وحالفه الحظ كثيرا، فباع واشترى وربح كثيرا، وفاضت عليه الأموال وامتلك سيارات ومزارع وبيوتا فارهة، لكن أمره لم يكن خيرا كثيرا في جميع الأوقات، فقد نقله المال إلى وضع مزعج، ولا يعني هذا العيب في المال، ولكنه جاء نتيجة لموقفه المفاجئ من الثراء، فتحول إلى شخص مفرط في الاستهلاك، وساءت ظروفه الأسرية جراء انخراطه في ملذات ومتع عاجلة، وأصيب بأمراض التخمة النفسية والجسدية، وغابت عن محياه تلك الإشراقات النورانية المضيئة، وصار يرتاب في اصدقائه ومعارفه الذين ساعدوه وساندوه كثيرا يوم كان فقيرا معدما، وأصبح ينظر إلى أبناء عشيرته نظرة فوقية، ويرمقهم باستخفاف وكبرياء. لا أظنه سعيدا، فقد غابت عن محياه تلك الابتسامة البريئة واختفت من حياته روح الدعابة التي عرف بها، واشتاقت إليه مجالس أصحابه وأمسيات الإفطار الجماعي التي كان يرتادها بمعية أصدقائه الصوامين القائمين. لقد تغيرت أحواله. من القصص الطريفة، أن أحد الممثلين كان يطلب ويلح في الطلب أن يرزقه الله مليون دولار أميركي نقدا، فكان أصدقاؤه يعلقون عليه متندرين قائلين: اطلب من الله الستر والعافية، واذا دعوت الله أن يهبك الثروة فاطلب منه أن يرزقك معها الصحة والاستقرار والحياة الهنيئة. لكنه كان يقول المال يجيب كل شيء، الصحة والسعادة، فأنا أريد أن يرزقني الله مليون دولار وأمرض!! أتعالج بنصف مليون وأعيش بقية حياتي بالنصف الآخر. وفعلا تم له ما طلب، رزقه الله مليون دولار، لكنه أصيب بمرض السرطان، فأنفق نصف مليون دولار في العلاج خارج بلده، ثم عاش مريضا بقية حياته وهو ينفق على العلاج والأدوية ولم يستمتع قط بما أتاه الله من مال. والقصة تذكرني بحارس عمارة في بلد عربي، كان له ثمانية أبناء من زوجة واحدة، يعيش مع أسرته في غرفة صغيرة، ويستمتع بالحياة، وعندما كان صاحب العمارة يأتي لتفقد بنايته، كان يستقبله الحارس بابتسامة فرح وصوت السيدة أم كلثوم يطرب الناس والمكان، فكان ذلك الثري يقول للبواب والله يا عم أبو محمد أنت أسعد حالا مني، أتمنى أن أكون سعيدا مثلك وأعطيك كل أملاكي. اطلبوا من الله الستر والتوفيق ورددوا الدعاء المأثور: اللهم اجعل أمري كله خيرا.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى