السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : غزة .. حين تكون الهدنة نكبة

شراع : غزة .. حين تكون الهدنة نكبة

خميس التوبي

الاستغراق في هوامش العدوان الإرهابي على قطاع غزة دون جوهره أو محاولة الاقتراب منه، هو ما يحاول كيان الاحتلال الصهيوني إغراق الجميع فيه خاصة حلفاءه الاستراتيجيين وعدم إعطائهم أي فرصة من ذلك وحصرهم في الزاوية التي يريد منهم أن يروا بها أحداث العدوان كما يرى هو منها، فيما تواصل آلة الدمار الصهيونية إيقاع أفظع الجرائم والتي لم يُعرف سابق لها، والتي لم ولن يصل إليها أحد من قبل ومن بعد.
هذا الاستغراق هو الحبر الذي كان وسيظل تكتب به صكوك تشريع الإرهاب الصهيوني ضد المدنيين العزل وتحديدًا الأطفال والنساء وكبار السن؛ لأنهم ـ في مجال الرؤية من الزاوية التي حددها مجرمو الحرب الإسرائيليون ـ هم الذين يهددون بقاء كيان الاحتلال الصهيوني ويقلقون راحة قطعانه، وبالتالي من حق هذا الكيان الإرهابي “الدفاع عن نفسه”. ويعيدنا هذا التوجه العنصري وهذا التزييف المحض للواقع إلى حقبة النازية حين عمل أدولف هتلر خلالها على حشر أتباعه وأصدقائه في الزاوية التي يريد أن يروا منها إلى ما يؤيد نزواته تحت ذريعة الانتقاص من العرق الآري وتهديده وأهمية الدفاع عنه والانتقام له.
ووفقًا لهذا التقدير، فإن النازية الصهيونية تطل اليوم برأسها من جديد على هيئة مجرم حرب يقود حكومة إرهابية وجيشًا مسعورًا يمتلك أحدث أسلحة الفتك التي تنتجها الصناعة العسكرية الأميركية لينقض بها على شعب أعزل يتطلع إلى استعادة حقوقه المسلوبة وحريته المصادرة ويستند في تطلعاته المشروعة وحقوقه الثابتة إلى أحكام الشرائع السماوية ومواثيق ومعاهدات المنظمات الدولية، ومبادئ حقوق الإنسان.
‏وإذا كان الشعب الفلسطيني قدره أن يعيش نكبات الغدر الصهيوني وحلفائه وعملائه منذ عام 1948م فإنه اليوم في ظل نكبة العدوان الإرهابي الصهيوني على قطاع غزة والضفة الغربية يعيش نكبتين قاصمتين؛ الأولى نكبة العدوان الإرهابي الصهيوني يذبح الأطفال والنساء وكبار السن بالقنابل والصواريخ الخارقة والحارقة، ويدوسهم بالدبابات والمجنزرات. والنكبة الثانية هي نكبة جامعة الدول العربية بمواقفها المتخاذلة وتحولها إلى صنم من أصنام الجاهلية الأولى، لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم. وما ينسب إليه من مواقف خجولة أو دعوات يائسة وبائسة في الإعلام صادر عن عبَدَته وليس من الجامعة الصنم لعوار مواقفها وبؤسها ورطانتها. ولذلك لم تعد الجامعة الصنم قادرة على التمييز بين عدو صهيوني إرهابي يمارس أعلى درجات التطهير والعنصرية، وبين شعب عربي مغتصبة أرضه ويدافع عن إنسانيته وشرفه ودمه وعرضه وحريته، ولم تعد قادرة على فهم أن الحصار الصهيوني الجائر على ما يناهز مليوني فلسطيني في بقعة ضيقة هو جريمة حرب ويتنافى مع المعاهدات الدولية ذات العلاقة بالشعوب الواقعة تحت الاحتلال، ولم تعد قادرة على التمييز بين شعب أعزل يكابد أعظم مأساة في التاريخ الإنساني، ودماؤه مرشوقة على جدران وأرصفة طرقات غزة، وبين جيش إرهابي مزود بأعتى وأفتك أسلحة الإبادة ومسخر لخدمته أكبر وأعظم مصانع السلاح الغربية يطوق كتلة لحم بشري في مدينة لا تتعدى عشرات الكيلومترات.
وعلى الرغم من شراسة الإرهاب الصهيوني الذي حصد أكثر من ألفين ومئة شهيد، كانت قوة الحق الفلسطيني ناطقة في الميدان ومرتفعة في السماوات العلا، من خلال الصمود الأسطوري وقوة الإيمان لدى الشعب الفلسطيني بالتحلي بالصبر على البلاء ومقاومة الظلم والظلمة والمتآمرين، ورده على عدوه الإرهابي الصهيوني بعد كل غارة إرهابية غادرة بعد توديع ضحاياها من الشهداء وتضميد جراح المصابين قائلًا: هل من مزيد؟ وبينما تنتصر المقاومة الفلسطينية بتكبيد جيش الاحتلال الصهيوني خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وتمريغ سمعته وتمزيق صورته الكرتونية، وتحويل قطعان المستوطنين إلى جرذان تحت الأرض جبنًا وهلعًا بصواريخها التي غطت جغرافيا فلسطين المحتلة، ينتصر كيان الاحتلال الصهيوني على نفسه بإبادة المدنيين العزل من الأطفال والنساء والمسنين، وتدمير المنازل على رؤوس ساكنيها والمدارس والمساجد والمستشفيات ومصانع الأدوية ومحطة الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة.
لذلك وأمام هذا الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني، وهذه الإنجازات الميدانية للمقاومة الفلسطينية وقدرتها على إيجاع العدو الصهيوني واستنزاف قدراته العسكرية والاقتصادية، وجعله يجر أذيال الخيبة والحسرة من فشله في تحقيق أي هدف من الأهداف، أراد أن يتخذ من الهدنة وإعلانه قبول التفاوض مع الفلسطينيين خديعةً وغدرًا ليتمكن من التقاط الأنفاس من ناحية، ويجمع المعلومات الاستخبارية عبر عملائه من الفلسطينيين ـ للأسف الشديد ـ عن أماكن قيادات المقاومة الفلسطينية وأماكن تخزين الصواريخ ومنصاتها وخرائط الأنفاق. ويبدو أنه نجح حول ذلك خاصة فيما يتعلق بأماكن القيادات، حيث جاء استهداف منزل عائلة الدلو في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة بثلاثة صواريخ خارقة للملاجئ والذي أسفر عن استشهاد زوجة محمد ضيف قائد كتائب القسام وابنته وابنه الرضيع ذي السبعة أشهر، جاء إثر معلومات من عملاء فلسطينيين في القطاع عن مكان محمد ضيف، وهذا ما يفسر لجوء كيان الاحتلال الصهيوني أثناء العدوان على غزة إلى إعلان هدنة من ساعات من جانبه وقتما يريد وخرقها وقتما يشاء، وأحيانًا مطالبته حلفاءه وعملاءه بهدن أخر وإجبار المقاومة على القبول بها، ليس من أجل الجوانب الإنسانية لسكان القطاع الذين يبيدهم عن بكرة أبيهم، وإنما ليعطي عملاءه الفلسطينيين في القطاع الوقت الكافي أثناء توقف العدوان ووسط حالة الهدوء ليتمكنوا من جمع المعلومات. فواضح أن اغتيال قادة حركة حماس الثلاثة محمد أبو شمالة، ورائد العطار، ومحمد برهوم، كان نتيجة معلومات العملاء، حيث كانت الرواية الصهيونية المكذوبة الأخيرة باتهام المقاومة الفلسطينية بإطلاقها ثلاثة صواريخ على منطقة خالية في محيط بئر السبع قبل ساعات فقط من انتهاء التهدئة المؤقتة ذريعة ليحل الاحتلال الصهيوني نفسه من خرق التهدئة، بعد حصول الأجهزة الأمنية الصهيونية على معلومات تفيد بمكان وجود محمد ضيف القائد العام لكتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس في منزل عائلة الدلو.
إذًا، لم تكن الهدنة سوى نكبة وإرهاب على القطاع، ولهذا يماطل مجرمو الحرب الإسرائيليون في المفاوضات ويراوغون تارة ويضعون شروطًا تعجيزية تارة أخرى، لا لهدف إلا لإحداث مزيد من الدمار، وإهلاك المزيد من الأرواح، وتفويت شعور المقاومة بالانتصار، وإن كانت العمالة والخسة والنذالة تبقى وباء في جسد الشعب الفلسطيني والأمة يجب الخلاص منه.

إلى الأعلى