الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : أيها العمانيون .. هذه ضرورات الواقع .. فانتبهوا لها

العين .. الثالثة : أيها العمانيون .. هذه ضرورات الواقع .. فانتبهوا لها

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

من الضرورات العاجلة العلم بأن منطقتنا العربية عامة والخليجية خاصة تمر الآن بأسوأ مراحلها على الإطلاق، وقد وصل ببعض دولها ـ ونظن معظمها ـ في داخل محيطنا الإقليمي إلى إعلان الطوارئ وحالة التعبئة الداخلية في سابقتين لم تحدثا في الماضي أبدا، لأسباب داخلية وخارجية معا، وفي آن واحد. إذن، ماذا ينبغي على بلادنا أن تفعله وهي تقع في وسط هذا المحيط المحتقن والمتلهب، وهي آمنة ومطمئنة؟ تساؤل نطرحه من أجل الحفاظ على ديمومة هذا الأمن والأمان، وهنا سوف نستهدف مباشرة الوعي الرسمي والاجتماعي بكل فئاته للتحذير من بعض التصرفات والسلوكيات التي تصدر نتيجة الجهل بالواقع وضروراته، وكذلك للفت الانتباه لماهية إدارة الدولة للمرحلة الراهنة التي تعبر فيها بلادنا محيطا إقليميا ملغما بالمتفجرات “السطحية والقاعية”.
من الأمور اللافتة التي تقف وراء التحولات الإقليمية، غزو المنطقة من قبل مستشارين جدد من خارجها حولوا فكرها السلمي إلى اللاسلمي، وجردوها من نهجها التصالحي بين شعوبها وأنظمتها بصورة “ثورية” ومن ثم أسسوا عداوات بين الدول بعضها البعض إلى حد إقدام إحداها على تصنيف دولة مجاورة لها بالعدو رقم واحد، وأسسوا عداوات بين الأنظمة وشعوبها إلى درجة أنه يخيل إلينا أننا سنسمع قريبا دق طبول الحرب بين دول أو دول وجماعات مسلحة تناصبها عداء دينيا لم يسبق له مثيل، مثل يسمى بداعش التي تمتلك القوة العسكرية والإعلامية ما يجعلها تهدد المنطقة بأكملها، فكيف ظهرت داعش؟ ومن وراءها؟ ليس من السهولة تمرير فكرة الصناعة الأميركية كسبب وحيد أو على الأقل بمعزل عن مجموعة أسباب داخلية ناشئة لها، وهذا يحتاج إلى دراسة معمقة لفهم نشوء مثل هذه الظواهر في المنطقة، لكن من المؤكد أنها لن تكون الظاهرة الأخيرة مثلما هي ليست الوحيدة. إذن، فمن الضروري العلم بأن بلادنا تعبر محيطا ملغما بالظواهر “السطحية والقاعية” الطبيعية والمصطنعة، ومن ثم على ربانها وسكانها الحذر كل الحذر من هذه الألغام، والتساؤل الذي ينبغي أن يطرح هنا هو: كيف يمكن تفاديها؟ من جهة سلطتنا السياسية، عليها التركيز على العبور الآمن على مدار الساعة، هو الشغل الشاغل الذي ينبغي أن يشغلها حاليا، وهذا النوع من التركيز يحتم التخطيط له برؤية اجتماعية آنية لا مستقبلية أو أن يكون المستقبل من منطلق الرؤية الآنية الاجتماعية للعبور الآمن، وهذا يعني أن سياسات الحكومة ينبغي أن يكون جل همها مركزا على السير اليومي للعبور الآمن وفق رؤية قصيرة المدى (أي سنة)، وليست قصيرة ولا طويلة المدى، لأن عبورها لمحيط الألغام محكوم بمرحلة انتقالية حددها معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية (15) عاما، وذلك عندما قال إن المنطقة لن تهدأ قبل (15) عاما، وماذا يعني هذا؟ يعني أنه على بلادنا أن تشكل لجنة أزمة طارئة رفيعة المستوى، وعالية التخصص في الفكر والاستشراف والرؤية والتخطيط ومتابعة التنفيذ يكون جل همها ضمانة العبور الآمن لمحيط الألغام، والضمانة تكون، يومية، أسبوعية، شهرية، سنوية؛ أي لا يمكننا وضع استراتيجية طويلة للعبور الآمن بمعزل عن الترتيبات اليومية للعبور، ففي كل يوم بل في كل ساعة سوف تحدث مستجدات طارئة لا بد أن نديرها قبل وقوعها أو نتعامل معها بعيد وقوعها مباشرة، فدول المحيط قد أعلنت كلها ما عدا بلادنا حالة الطوارئ والتعبئة خوفا من انفجارات المحيط، فهل ندير بلادنا في ظرفيتها الراهنة بفكر الضرورة اليومية العاجلة أم بفكر التسيير الاعتيادي البيروقراطي؟ وهل ستترك بلادنا من الخارج؟ وبقدر ما يقلقنا ماهية إدارة المرحلة الراهنة، ومحاولات الخارج زجنا في ألغام المحيط، يقلقنا كثيرا تصرفات البعض في الداخل استغلالا لمساحة الحرية المتاحة لهم بفعل الواقع أو نتاج سياسي أم هما معا، وهذه هي الضرورة المعرفية التي ينبغي تمريرها خلال الظرفية الراهنة، لذلك انتبهوا أيها العمانيون، ولا تمكنوا الخارج من النفاذ إلى داخلنا، مهما كانت وسيلته، صغيرة وكبيرة، قولا وفعلا، فقد حاولوا سابقا ففشلوا، وكان آخرها، التشويش على صحة قائد مسيرتنا ـ حفظه الله ورعاه ـ لإثارة البلبلة، وهم يعرفون مركزية القائد في نفسيات كل المواطنين، ونعلم أن ـ حفظه الله ورعاه ـ يتعالج في ألمانيا، وأن سير علاجه مطمئن ولله الحمد، لذلك فهم دخلوا وسيدخلون من منظور هذا العلم لإحداث البلبلة في داخلنا، فانتبهوا أيها العمانيون، كما لم يعد خافيا أن هناك من يدفع بالمنطقة العربية بما فيها الخليجية إلى الفوضى الخلاقة في نسخة متطورة من نسخة الفوضى الخلاقة التي أثارتها الشعوب على أنظمتها، فهذه المرة مخطط لها أن تقوم بها الدول على بعضها البعض أو من قبل جماعات مسلحة على أنظمة وشعوب معينة، وذلك بعد أن انقسمت الدول إلى ثلاثة أقسام في مواقفها من ما يسمى بثورات الربيع العربي، مؤيدة للشعوب ودعمة لها ماليا ومعنويا، ومعارضة للشعوب وداعمة للأنظمة ماليا ومعنويا، ودول تقف محايدة، وينتقل الصراع الآن بين الفريقين الأولين بدعم غربي وصهيوني. من هنا نصف المرحلة الراهنة بأنها أخطر مرحلة تمر بها دول المنطقة “أنظمة وشعوبا” فهل لدى نخبنا السياسية والثقافية وعي مرتفع بضرورات الواقع الذي أشرنا إلى نماذج منها لاحقا؟ لدينا قلق مرتفع من ظهور كتابات تمس التعايش المذهبي ـ وقد حدث مؤخرا ـ وكتابات أخرى تعبث في مفاصل تاريخية لجهويات .. وتحاول التشكيك في المتعارف عليه ـ يحدث الآن ـ وندعو الطرف الآخر إلى عدم الانجرار وراء ردة الفعل المساوية للفعل، فهل ينم ذلك عن وعي بضرورات الواقع العماني في إطاره الإقليمي؟ وهذا الإطار يحترق الآن بإكراهات مصطنعة من الخارج وطبيعية من الداخل بسبب تراكم سياسات الإقصاء والتهميش وكبت الحريات، وما داعش عنا ببعيد، وهل يعتقدون أنهم بهذا العبث سوف يسجلون اختراقا لصالحهم أم سيفجرون على الكل بمن فيهم هم قنابل قد تحدث ثقوبا في جسم تعايشنا الشامل؟ ولو تمعنا فيها قليلا، فسوف نجد مثل هذه التصرفات لا تنم عن وعي بالظرفية الزمنية والمحتوى المكاني “خليجيا وعربيا ودوليا” اللذين تمر بهما بلادنا منذ عام 2011م، ولا تنم كذلك عن إدراك أصيل بمحاصرة المذهبية الإقليمية لحدودنا الوطنية وتموقع بلادنا وسط مذهبيتين متصارعتين من ثلاثة جهات حدودية، كما لا تنم عن معرفة بالصيرورة الثنائية المتلازمة، وهي أن لكل فعل له رد فعل، عاجلا أم آجلا، فمن ينال رمزا أو فكرا مختلفا معه أو يمس تاريخا، فعليه العلم بردة الفعل المقابلة والغاضبة.
إذن، ليس لدى بعض نخبنا وعي بضرورات الواقع الراهنة وإكراهاته الإقليمية، والبعض مهما كان عدده قد يجر الكل إلى فتنة كبيرة “التابع والمتبوع نموذجا معاصرا” وفتح تاريخ جهويات ” نموذجا آخر”، فلماذا الآن يثير بعض مثقفينا قضايا خلافية واختلافية ليس من منظور التصحيح أو التجديد وإن كان ليس وقتهما “ظرفيا” وإنما من منظور الإقصاء؟ وهنا الخطورة، لأننا نعبر محيطا ملغما بالمتفجرات، بعض دول المنطقة قد اشتعلت فيها النيران “والمذابح والمجازر في العراق نموذجا” والبعض الآخر قد أعلنت حالتي الطوارئ والتعبئة العامة (…) وبلادنا تعبر المحيط في أمن وأمان، من هنا، ندعو إلى العقلانية والانضباط والمسؤولية في استعمال حق الحرية التي تكون دائما حاكميتها ظروف الزمان والمكان، ومن لم يحتكم للظروف كمعيار ذاتي لموازنة حجم المصالح المستفادة والمتضررة، لا بد من تدخل قوة الدولة القانونية ضد من يمارس الحرية بغرض الإقصاء .. مهما كانت ظروف الزمان والمكان، فكيف بظروفهما الاستثنائية كتلك التي تشهدها المنطقة؟ فلننتبه أيها العمانيون لضرورات الواقع، فبلادنا تعبر محيطا ملغما بالمتفجرات، فكيف نعبره بأمن وسلام دائمين؟ فالإمكانية متاحة، وفي أيدينا، وهذه مسؤولية الفرد والجماعة والدولة.

إلى الأعلى