الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الانعكاسات الوطنية لنقص الخدمات وغلاء السلع في الولايات الحدودية

الانعكاسات الوطنية لنقص الخدمات وغلاء السلع في الولايات الحدودية

محمد بن سعيد الفطيسي

فما الأسباب التي يمكن أن تدفع أي مواطن لترك أسواقه المحلية والوطنية والاتجاه إلى أسواق جيراننا في دول الجوار الخليجي؟ مع العلم أن من بين تلك الصفوف الطويلة التي تبقى منتظرة لوقت طويل ربما يتجاوز الساعتين في أوقات كثيرة وخصوصا وقت الأعياد, ممن هم من التجار والمقاولين والأغنياء، بل ومسؤولين في الدولة, ويمكن أن يكون من بينهم من يفترض به أن يكون المسؤول عن البحث عن حلول لهذه المشكلة والوضع المخجل؟!!

بنظرة سريعة وخاطفة على حال المراكز الحدودية في أيام الإجازات الرسمية, وهي تئن وتشتكي وطأة أمواج تلك الطوابير الطويلة والمتواصلة من المركبات المغادرة أرض السلطنة باتجاه دول الجوار الخليجي، تتضح لنا معالم مشكلة ووضع اجتماعي واقتصادي وأمني مقلق وخطير للغاية, وهو ما نحاول أن نلتفت وننبه له من خلال هذا الطرح عناية من يفترض بهم أصلا أنهم مدركون لحجم المشكلة القائمة والقادمة من المراقبين والمعنيين والمسؤولين في الحكومة جراء هذا الوضع التراكمي المتفاقم منذ زمن طويل, فهي ـ وللأسف الشديد ـ ليست وليدة اللحظة الراهنة أو السنوات القليلة الماضية.
تلك المشكلة التي يمكن أن تتضخم أكثر مما هي عليه اليوم خلال السنوات القليلة القادمة لتتحول إلى أزمة بكل المقاييس الوطنية “لا قدر الله” وعلى مختلف الجوانب والأصعدة, على أمل أن نحرك في نفوسهم الشعور الوطني بالمسؤولية تجاه هذه الأرض الغالية, والتي تستحق منا كل الخير والجهد والتضحيات في ظل قائد وباني نهضتها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وأن نجد لها ولأسئلتنا وتساؤلات المواطنين لديهم بعض الأجوبة المقنعة بعد كل هذه السنوات من استمرارية هذا الوضع دون حل أو احتواء رسمي عملي!!!
فما الأسباب التي يمكن أن تدفع أي مواطن لترك أسواقه المحلية والوطنية والاتجاه إلى أسواق جيراننا في دول الجوار الخليجي؟ مع العلم أن من بين تلك الصفوف الطويلة التي تبقى منتظرة لوقت طويل ربما يتجاوز الساعتين في أوقات كثيرة وخصوصا وقت الأعياد, ممن هم من التجار والمقاولين والأغنياء، بل ومسؤولين في الدولة, ويمكن أن يكون من بينهم من يفترض به أن يكون المسؤول عن البحث عن حلول لهذه المشكلة والوضع المخجل؟!!
أيعقل أن يكون كل ذلك كما يدعي البعض بدافع البطر والنزهة السلبية؟ أيمكن أن يصدق عاقل أن تلك الصفوف الطويلة من المواطنين يمكن لها أن تقبل على نفسها ذل البقاء كل تلك المدة بسبب نزوة لا طائل منها أو هدف لا قيمة له, أو بدون مردود إيجابي ومنطقي!!؟ أهي طوابير من شخوص لا يعون تصرفاتهم أو لا يفكرون بمصالحهم؟! أحقا يمكن أن نقبل منطق انعدام السببية والقناعة والمنطق من وراء كل ذلك؟
نعم… إن المشكلة اليوم ليست فقط في مئات شاحنات الإسمنت التي تدخل كل دقيقة إلى السلطنة قادمة من الخارج, لا يمكن أن نحصرها في المواد الغذائية والملابس وقطع غيار المركبات ومواد البناء والخضراوات والفواكه والأسماك واللحوم ووو!!! لا يمكن حصرها في الأسر العمانية التي تذهب لدول الجوار للبحث عن حدائق عامة أو أماكن للاستجمام أو الراحة أو المشي لأنها تفتقد ذلك في ولاياتها.
أيعقل أن كل ذلك هو مجرد اندفاع أعمى من قبل المواطنين للذهاب لأسواق جيراننا للتبضع وشراء تلك السلع إذا كانت متوفرة في أسواقنا الوطنية بنفس السعر والقيمة؟؟!! وما أعجب له أكثر, وهو المخجل والمخزي بحد ذاته أن نجد ونشتري المنتج العماني في أسواق دول الجوار بثمن أقل وسعر أزهد من أن نشتريه من أسواقنا الوطنية, بل وأن نشتري المنتج العماني بعد استيراده من الخارج بأقل من لو اشتريناه بشكل مباشر من الداخل الوطني!! فما الأسباب إذا وجدت أصلا؟ وهل يمكن أن يخرج علينا أي مسؤول ليقنعنا بأي سبب منطقي لذلك!!؟
والله إن الوضع مخجل ومزرٍ ولا يمكن القبول به أو السكوت عنه مطلقا, فمصلحة هذا الوطن ومكانته وسمعته فوق كل اعتبار ومصلحة ورؤية شخصية, ولا يمكن بحال من الأحوال أو لسبب من الأسباب أن نضع كل ذلك إلا في هذا السياق الوطني, والذي يجب علينا عدم التهاون أو القبول أو السكوت عنه أكثر من ذلك, فالمسألة ليست مسألة ازدحام للمركبات في مراكز الحدود لمدة طويلة, أو ملايين الريالات التي تصرف في أسواق الخارج كان أولى أن تصرف في الداخل الوطني!؟ أو في نظرة الطرف الآخر لشكل وحجم وأسباب اندفاع تلك الطوابير على أسواقهم, فوعينا الوطني يدفعنا للتنبيه إلى أن حجم المشكلة تجاوز بكثير ذلك, حتى باتت مسألة أمن وطني يجب الانتباه له ولخطورته المستقبلية على ثقافة المواطن ووعيه وثقته في الخدمات الحكومية.
نعم يا أيها القائمون على مصلحة الوطن والساهرون على أمنه ونهضته ورقيه ومكانته بين الأمم, أن حجم المشكلة يبرز في حجم المعاناة واستمرار تقزيمها أو تهميشها والمماطلة في احتواء تبعاتها وانعكاساتها كل هذا الوقت الطويل رغم أنها واضحة للعيان وتقع كل يوم أمام أنظار المسؤولين والمخططين, وفي تأثير ذلك ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وأمنيا على الوطن والمواطن, يبرز في ارتفاع منسوب الغضب والحنق وتراجع مستوى الثقة في التخطيط والأداء الحكومي الاستراتيجي للخدمات, يكمن في نظرة الطرف الآخر لنا ولطريقة أدائنا الرسمي وتعاملنا مع مشاكل ومعاناة مواطنينا.
إن الحل إذًا ليس في توجيه اللوم للمواطن على تلك التصرفات المبررة في أكثر الأوقات وبشكل دائم, أو في تقزيم المشكلة وتهميشها والقول إنها مشكلة تحدث في أوقات محدودة ولا خوف منها على أمننا الوطني, فالحل بسيط وبسيط جدا, ولا يحتاج إلى دراسات وبحوث وكثرة قيل وقال. إن الحل باختصار شديد يكمن في إيجاد البدائل, وتحمل المسؤولية الوطنية, والخوف على مصلحة هذا الوطن العزيز على نفوسنا جميعا, ولو استرجعنا مشكلة وقود السيارات قبل سنوات قريبة عندما كان المواطن يصطف لساعات طويلة أمام محطات بترول جارتنا الخليجية وهو يحمل معه حاويات الوقود بكل أنواعها وأحجامها وكيف تقلصت بنسبة 100% لتأكد لنا أن الحل في إيجاد البدائل وتوفيرها بأسعار مناسبة ومقبولة, وحينها فقط يمكننا التأكيد على أنه يمكن أن يوجه اللوم للمواطن على اندفاعه وعدم وطنيته.
إن ولاياتنا الحدودية اليوم بحاجة ماسة وعاجلة وبدون أي تأخير للعديد من الخدمات والنشاطات الاقتصادية والاجتماعية مع مراعاة الأسعار المناسبة والمنطقية لتلك الخدمات والمنتجات, كمصانع الإسمنت وغيرها من الصناعات وأن يتم إيجاد بديل لارتفاع أسعار أغلب السلع في ظل البديل الأرخص في الأسواق الخليجية المجاورة وخصوصا الملابس وقطع غيار المركبات ومواد البناء والخضراوات والفواكه والأسماك واللحوم, وأن تتنبه الحكومة إلى حاجة أغلب أبناء تلك الولايات إلى خدمات الرفاهية والاستجمام والراحة الاجتماعية كالحدائق والمتنزهات العامة, ونقول إننا بحاجة لها الآن وليس اليوم, وليس في الغد أو في السنوات المقبلة, وبحاجة إلى إيجاد حلول وبدائل لما طرح أعلاه بشكل عاجل وسريع.
إن هذا الطرح هو دق لناقوس خطر يجب عدم التهاون به أو تقزيم حجم انعكاساته المستقبلية سالفة الذكر على أمن وسلامة الوطن واستقراره وثقافة ووعي المواطن ونظرته إلى نفسه وحكومته ووطنه, وهو بلاغ لمن يهمه الأمر والمعنيين به في كل الوزارات المعنية ذات الصلة ومجلس التخطيط ومجلس الدولة ومجلس الشورى والمجلس البلدي ـ والله ومن ثم الوطن من وراء القصد.

إلى الأعلى