الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / لا حل في ليبيا

لا حل في ليبيا

د.احمد مصطفى

” …، فرغم وجود دعم اقليمي محدود له إلا أنه لا يكفي لتمكينه من فرض أمر واقع على الأرض يجعل الغلبة لتيار بناء الدولة والتخلص من الميليشيات والقوى الانتهازية الحريصة على استمرار الفوضى. وللأسف فإن أكثر الدول تضررا مما يجري في ليبيا هي مصر، تليها الجزائر وتونس، التي لا تساعدها ظروفها الحالية على حسم الأمر في بلد الجوار الذي يشكل خطرا داهما على أمنها وسلامتها.”

يبدو من متابعة التطورات في ليبيا في الآونة الأخيرة أن لا أحد يريد حلا لمعضلة هذا البلد الذي دمرته الحرب منذ الاطاحة بنظام العقيد القذافي قبل نحو سبع سنوات. ولا يقتصر ذلك على القوى الخارجية، بما فيه الأمم المتحدة وما تسمى “الأسرة الدولية” التي لعبت دورا في تدمير البلد ووصله إلى وضعه الحالي، وإنما أيضا يشمل اللاعبين المحليين بلا استثناء تقريبا. وبالطبع يساعد موقف القوى الخارجية الذي يسعى لتعظيم المكاسب دون اهتمام بمستقبل ليبيا والليبيين (إلا بالشكل الذي يراه في مصلحته) في استمرار تشدد القوى الداخلية وعدم استعدادها للتوصل لتسوية عبر حلول وسط. ورغم أنه من السهل القاء اللوم على الأمم المتحدة، التي أوكل اليها أمر البلد بعدما دمره القصف الدولي والسلاح الاقليمي الذي حملته ميليشيات ارهابية تعمل لصالح اجندات خارجية، إلا أن المنظمة الدولية لا حول لها ولا قوة وهي في النهاية جهاز بيروقراطي يهمه أن يتوفر مبرر له بوجود صراعات ضعيفة كالتي في ليبيا تضمن استمرار استخدامه من قبل رعاته الكبار.
أما القوى المحلية فهذه مشكلة حقيقية، إذ لا توجد قوى سياسية بالمعنى الدقيق في ليبيا وإنما مجموعات من الانتهازيين وأصحاب المصالح الضيقة يسهلون ـ قصدا أو بدون قصد ـ تحول البلد إلى بؤرة للإرهاب وملاذ للجماعات المتطرفة من مختلف بلدان المنطقة. وهناك الحانقون على النظام السابق فقط لأنه لم يتمتعوا بامتيازات كبيرة (جهوية أو فئوية أو فردية) كانوا يطمحون اليها ووجدوا في انهيار النظام فرصة لتحقيق طموحاتهم على حساب البلد ومستقبله غافلين عن أن دمار البلد لا يترك لهم ميزات ولا مصالح. وهناك بالطبع تيار انتهازي (من جماعة الاخوان وامثالها وميليشياتهم المسلحة) يتصورون انهم وجدوا في الوضع الراهن ضالتهم في إقامة نقطة انطلاق بهدف “غزو بقية المنطقة” بدعم من قوى اقليمية تتبنى تيار ما يسمى “الإسلام السياسي”. ثم هناك البقية ممن يسعون للحفاظ على بقايا البلد واقامة مؤسسات وطنية تضمن “وحدة البلد وسلامة أراضيه” في مقدمتها جيش وطني ينظف البلد من الإرهابيين والميليشيات ويكون سندا أساسيا لأي سلطة مركزية.
وإذا كان هناك سبب رئيسي، رغم مسؤولية الجميع عن استمرار التدهور، لعدم وجود حل في ليبيا فهو تلك الجماعات الإرهابية والميليشيات وعباءتها الأشمل المتمثلة في تنظيم الإخوان وحوارييه والقوى الداعمة لهم اقليميا والتي تغض الطرف عنهم دوليا. ويحظى هؤلاء بموقف غربي يرى ضرورة فرضهم على الليبيين ـ حتى رغم خسارتهم آخر انتخابات عامة جرت في البلاد ـ وتلتزم الأمم المتحدة بذلك (خاصة مع تبني بريطانيا والقوى الغربية وفي مقدمتها أميركا لهذا النهج) في كل مشروعاتها للتسوية السياسية في البلد. أما الطرف الآخر، فرغم وجود دعم اقليمي محدود له إلا أنه لا يكفي لتمكينه من فرض أمر واقع على الأرض يجعل الغلبة لتيار بناء الدولة والتخلص من الميليشيات والقوى الانتهازية الحريصة على استمرار الفوضى. وللأسف فإن أكثر الدول تضررا مما يجري في ليبيا هي مصر، تليها الجزائر وتونس، التي لا تساعدها ظروفها الحالية على حسم الأمر في بلد الجوار الذي يشكل خطرا داهما على أمنها وسلامتها.
ورغم أن الخطر على الجزائر من استمرار الأوضاع في ليبيا بدون حل لا يقل أهمية عن الخطر على مصر، إلا أن تركيز السلطات في الجزائر هو على حماية حدودها من تسلل الإرهابيين دون نظرة أبعد نحو العمل على استعادة الدولة في ليبيا ودعم الطرف الذي يسعى للتخلص من الميليشيات. وربما يكون موقف الجزائر مفهوما في إطار خياراتها السياسية الاقليمية والخارجية، لكن استمرار الوضع في ليبيا بدون حل يتجاوز كل ما هو تقليدي في مسألة الأمن والسياسة ويحتاج لتفكير وتصرف استثنائي. ويبدو أن الجزائر لا تشارك مصر نظرتها للوضع في ليبيا وتميل أكثر لموقف تونس المتسق مع توجه الأمم المتحدة والمتقاطع مع القوى الخارجية الحريصة على دور الإخوان في ليبيا.
لا شك أن عدم وجود حل في ليبيا يساعد القوى الرئيسية (التي تدعي مكافحة الإرهاب) على تفريغ الصديد الإرهابي من العراق وسوريا في ليبيا ـ باعتبارها ساحة حرب داخلية ضعيفة ـ خاصة وأن كثيرا من هؤلاء الإرهابيين جاءوا من بلادهم الأصلية أو المناطق التي كانوا فيها سابقا إلى سوريا والعراق من ليبيا عبر تركيا. وكأنما يريد هؤلاء أن تظل ليبيا معسكرا واسعا لتجميع مرتزقتهم من الإرهابيين إلى حين تحديد الوجهة الجديدة لاستخدامهم في تدميرها. وتساعد القوى الميليشياوية المحلية الليبية في ذلك لاعتبارات انتهازية آنية لا علاقة لها بمصالح الشعب الليبي. ورغم كل الكلام الانشائي واللقاءات والاتفاقات وغيره فإن تلك القوى، وطليعتها الإخوان، هي بالأساس ضد قيام دولة ـ في ليبيا أو غيرها ـ لأن ذلك يتناقض مع قناعاتها الأساسية بالعمل “الجماعاتي” والميليشياوي وإن غلفته بوهم الحديث عن “الأمة الأوسع” (الدينية وليست الوطنية).
وهنا تجد التقاطع الواضح بين تلك الجماعات والتنظيمات ودولة الاختلال الصهيوني في فلسطين، التي بدأت بجماعات إرهابية لتصل إلى مشروع عنصري هو “الدولة الدينية” أي الأمة العابرة للوطنية.

إلى الأعلى