السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن الـبر وأثـره في النفـس (1)

شـذرات مـن هـدي القـرآن الـبر وأثـره في النفـس (1)

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي خـير خـلـق الله أجـمعـين وخاتم الأنـبيـاء والمـرسـلـين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـيقـول الله تعالى:(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (الـبـقـرة ـ 177).
وقال الإمـام الـقـرطبي في تفـسير هـذه الآيـة:(الـبر هـنا اسـم جـامع للخـير)، وتقــديـر الآيـة:(ولـكـن الـبر، بـر مـن آمـن) حـذف الـمـضاف، كـما حـذف في قـوله سـبحانه وتعالى:(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ..) (يـوسـف ـ 82) أي: أهـل القـرية، ومـثـل قـوله تعالى:(وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا ..) (يـوسف ـ 82).
البـر: الـبـر مصـدر بـر يـبـر وهـو مأخـوذ مـن مـادة (بـرر) التي تـدل عـلى مـعـان عـديـدة، ومـن هـذه الـمـعـاني: الصـدق يـقـول ابن فارس في كـتابه مـقـايس اللـغـة: أما الـصـدق فـقـولهـم: صـدق فـلان وبـر، وبـرت يمـينه صـدقـت وأبـرها أمـضـاها عـلى الصـدق، وتقـول بـر الله حجـتـك وأبـره وحجـة مـبـرورة أي مقـبـولة قـبـول العـمل الصـادق الخالص لله، ومـن ذلك قـولهـم: يـبر ربه أي يطـيعـه فـيما أمـر بـه أن يـطـاع وهـو مـن الـصـدق، وينتهـي عـن ما نهـى عـنه.
قال بـذلك ابن عـباس ـ رضي الله عـنهـما ـ ومجاهـد والضحـاك وغـيرهـم، ويجـوز أن يـكـون الـبر بمعـنى الـبار، والـبر لأن الـمصـدر قـد يطـلـق ويـراد به اسـم الـفـاعـل، كـما يـقـال: رجـل عـدل أي عـادل وفي الـتـنـزيـل العـزيـز: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ) (الـملك ـ 30) أي: غـائـراً، وهـذا اخــتيار أبي عـبـيـدة، قال الـشاعـر:
لا هـم لـولا أن بـكـراً دونـكا
يـبرك الناس ويـفجـر ونـكا
وذلك أن النبي (صلى الله عـليه وسـلم) لـما هـاجـر إلى الـمـدينة، وفــرض الله الكعـبة قـبلة للـمـسـلمين يتجـهـون إلـيها حـيث ما كـانـوا، وحـددت الحـدود أنـزل الله هـذه الآيـة فـقال:(ما معـناه) لـيس الـبر الحـقـيـقي أي كل الـبر أن تصـلـوا ولا تعـمـلـوا شـيـئاً غـير ذلك، ولـكـن ذا الـبر مـن آمـن بالله إلى آخـر الآيـة الكـريمة.
أما قـول النـابغـة: عـلـيهـن شـعـث عـامـد ولكـن لـبـرهـم، فـقالـوا: أراد الطـاعـة، وثـيـل: أراد الحـج، وقـولهـم للـسابـق: الجـواد الـمـبر هـو مـن هـذا لأنه إذا جـرى صـدق وإذا حـمـل صـدق.
ومـن مـعـاني الـبر أيضا ًحـسن الخـلـق كـما جـاء في الحـديث الـشـريف: (الـبر حـسن الخـلـق)، والـبر الخـير، والـبر الصـلاح، يـقال: بـرّ، يــبر إذا صـلح، والـبِّرُ: الصلة، يـقال: بـرّ رحـمه بـبـره إذا وصـله، والـبِّرُ: الطـاعـة، كـما في قـولهـم: بـرّ ربه، يـقال: رجـل بـرّ بـذي قـرابتـه، وبارٌّ مـن قــوم بـررة.
وقـد اخـتـلـف العـلـماء قي تفـسير الـبر فـقال بعـضهـم: الـبر: الصلاح، وقال بـعـضهـم: الـبر: الخـير، قال ابن مـنـظـور: ولا أعـلـم تفـسرا أجـمـع مـنه لأنـه يحـيـط بجـميع ما قـالـوه، قال وجـعـل لـبيـد بن ربـيعـة الـبر التـقى، حـيث قال: ومـا الـبر إلا مـضمـرات مـن الـتقـى، وقال أبـومنـصـور: الـبر خـير الـدنـيا والآخـرة، فـخـير الـدنيا مـا يـيسـره الله تعالى للـعـبـد مـن الهـدى والنعـمة والخـيرات، وخـير الآخـرة الـفـوز بالنعـيـم الــدائـم في الجـنـة، جـمع الله لـنـا بـينهـما أي بـين خـير الـدنـيا ونـعـيـم الآخـرة بكـرمه ورحمـته.
وقال أحـد العـمـاء: لـفـظ الـبر إذا أطـلـق تـنـاول جـميع ما أمـر الله به، كـما جـاء في قـوله سـبحانه وتعالى:(إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) (الانـفـطار ـ 13)، وقـول تعالى:(وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ..) (الـبقـرة ـ 189), وأيـضاً فـإن الـبر إذا أطـلـق كان مسماه مسمى الـتـقـوى، والتـقـوى إذا أطـلـقـت كان مسـماها مـسمى الـبر، ثـم قـد يجـمـع بـينهـما كـما جـاء في قــوله تعالى:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ..) (الـمـائـدة ـ 2)، فـعـطـف الـتـقـوى عـلى الـبر، وعـطـف الـشيء عـلى الـشيء في القـرآن الكـريـم وسـائـر الـكـلام يـقـتضي مـغـايـرة بـين الـمعـطــوف والـمعـطـوف عـليه مـع اشـتراكهـما في الحـكـم الـذي ذكـر لهـما.
وقـد يـكـون مسـماه إذا أطـلـق هـو مسـمى الإيمـان، فـقـد روي أنهـم سـألـوا عـن الإيـمان فـأنـزل الله تعالى هـذه الآيـة:(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (الـبقـرة ـ 177).
وقـد فـسرّ الـبر بالإيـمان بـعـض العـلماء، وفـسـر آخـرون الـبر بالـتقـوى، وفـسـر بـعـضهـم الـبـر بالعـمـل الـذي يـقـرب إلى الله تعالى زلـفى، والجـمـيع حـق، فـقـد روي مـرفـوعـا إلى النـبي (صـلى الله عـليه وسـلـم) أنه فـسـر الـبر بالإيـمان، وجـاء في الأثـر أن رجـلاً جـاء إلى أبي ذر فـسأله عـن الإيـمان فـقـرأ عـليه الآيـة الـسابقـة:(لـيس الـبـر .. الخ).
قال الشـاعـر:
فاتـرك محـاورة الـسـفـيه فإنهـا
نـدم وغـب بـعـد ذاك وخـيـم
وإذا جـريت مـع السفيه كماجـرى
فـكـلاكـما في جـريه مـذمـوم
وإذل عـتبت عـلى السـفيه ولمـته
في كل ما تأتي فأنت ظـلـــوم
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى