الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (الكشف الطبي لراغبي الزواج .. معناه، مشروعيته، آثاره( (5 ـ 5)

(الكشف الطبي لراغبي الزواج .. معناه، مشروعيته، آثاره( (5 ـ 5)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(الكشف الطبي لراغبي الزواج .. معناه، مشروعيته، آثاره( للدكتور سلطان بن محمد بن زهران الحراصي.
وقال الباحث: وبالجملة، فان الباحث يرى ضرورة التفريق بين الأحوال العادية وغير العادية، فاذا كان الغالب في الناس السلامة، ولا يكون الزواج سبباً رئيسياً لانتشار هذه الأمراض، فلا داع لإجبار الناس بالإلزام على القيام بالفحص الطبي لكل راغب في الزواج من أي مرض كان، اذ لا توجد ضرورة لذلك، وقد أعطى الله تعالى الانسان حرية شخصية في فعل المباح وعدم فعله، فينبغي في هذه الحالة أن يكون الفحص اختيارياً وليس اجبارياً، وأما مع انتشار الأمراض في بعض البلدان أو العائلات، والزواج من أهم أسبابها، فيكون للإلزام وجهه هنا، وقاية وتفاديا لإصابة المقبلين على الزواج بالأمراض ومنعا لانتقالها لذرياتهم، ويكون هذا من باب الايالة أو السياسة الشرعية، وهذا ما فهمته من سماحة شيخنا العلامة أحمد بن حمد الخليلي ـ حفظه الله ـ في لقائي معه بمكتبه .. ولكن لا بد مع ذلك من حملات توعية لإزالة الخوف والحاجز النفسي الذي قد يسيطر على بعض الشباب من نتائج الفحص، مع توفير أجهزة الفحص كاملة وتحمل الدولة للنفقات منعا للتحايل أو التهرب من اجرائها، وضرورة مراقبة من سيناط به اجراء هذه الفحوص الطبية لضمان السرية والصدق، وعدم التلاعب أو التزوير في النتائج.
وفي المبحث الثالث:(الآثار السلبية والايجابية للفحص الطبي قبل الزواج) قال: تتفاوت نظرة الأفراد الى مدى تقبل الفحص الطبي أو رفضه نظرا لآثاره النفسية والاجتماعية سواء كان قبل اجراء الفحص أو بعده أو أثناء القيام به، فالحالة النفسية للأفراد تنتابها حالات الخوف والتوجس والقلق والتوتر .. ففي العادة لا توجد رغبة عند كثير من المقبلين على الزواج في اجراء الفحص الطبي، خوفا من ظهور أي مرض أو عاهة قد تؤثر على مشروع الزواج، كما أن هذا الخلل المكتشف قد يصبح عارا بالنسبة للشخص المصاب فقد لا يقبل أحد بتزويجه، كما لو كان عقيما أو مصابا بأي مرض مزمن أو معد قد ينتقل الى الزوجة والأطفال، أو يحمل جينات وراثية لمرض معين، وقد يعطي الفحص نتيجة خاطئة تؤثر نفسيا واجتماعيا على الفرد مع أنه برئ منه، والبعض لا يجرون الفحص نتيجة لقناعتهم الدينية بأنها ارادة الله ومشيئته أن يحدث ما يحدث بعد الزواج سواء أجريت الفحوصات أو لم تجر .. وعليه فهناك بعض الآثار السلبية والايجابية لفحص ما قبل الزواج منها ما يلي: المطلب الأول: الآثار السلبية، حيث توجد بعض السلبيات للفحص الطبي قبل الزواج، والتي يمكن تفاديها أو تفادي بعضها، ومن هذه السلبيات ما يلي: أولاً: قد يظن البعض أن الفحص الطبي ـ وفي جميع أحواله ـ يجنب ذريته الأمراض، وهذا غير صحيح، لأن الفحص لا يبحث غالبا الا عن بعض الأمراض المحددة فقط، والأمراض تعد بالآلاف، وعليه فقد تظهر النتائج سليمة ثم يفاجأ الزوجان عند الانجاب بذرية مصابة بأمراض معينة أخرى .. ولكن قد يتغلب على هذه السلبية بتكثيف الثقافة الصحية، والتوعية عن هذا الموضوع، وثانياً: الاحباط الاجتماعي الذي قد يحدث نتيجة تسريب النتائج الطبية للفحص، وقد تتضمن أسرارا خطيرة ولا ينبغي أن تفشى، اذ لا ضرر ولا ضرار في الاسلام، فقد لا يقبل التأمين لمن أصيبوا بأمراض جينية في بعض شركات التأمين الصحي، أو قد تضاعف عليهم مبالغ العلاج، وقد يكون الشخص ـ لا سيما المرأة ـ مصاباً بالعقم أو بالسرطان، فيتضرر نفسيا واجتماعيا، اذ لا أحد يقبل منه الزواج، فيتدمر مستقبله خاصة أن الفحوصات الطبية قد لا تصيب دائماً .. أضف الى ذلك الحالة النفسية والقلق واليأس الذي قد يصيب من أخبر بأنه سيصاب بمرض عضال لا شفاء منه، وهذا ما يجعل الكثير من الشباب يترددون في اتمامه، لعدم القبول النفسي، أو للخوف من النتيجة التي قد تؤثر على مستقبل حياتهم، ونفوس الناس تختلف في تحمل مثل هذه الأمور، وثالثاً: الأعباء والكلفة المالية التي تترتب على قبول الفحص الطبي خاصة في حالة الالزام، وخاصة أن الاختبارات المتعلقة بالكروموسومات أو الجينات قد لا تقتصر على اختبار فقط، بل قد تستدعي معرفة التفاصيل الدقيقة لجين معين… وهنا قد يلجأ البعض ـ مع جعل الفحص شرطا للزواج ـ الى التحايل للحصول على الشهادات الصحية المزورة، اما بالرشوة أو المجاملات للأصدقاء والأقارب، فيفتح باب جديد لعيب أخلاقي، ورابعاً: نتائج التحاليل احتمالية في الكثير من الأمراض، فهي ليست دليلاً صادقاً لاكتشاف الأمراض المستقبلية، كما أن البعض يتصور أن زواج الأقارب هو السبب المباشر لهذه الأمراض المنتشرة، وهذا أمر غير صحيح.
وفي المطلب الثاني:(الآثار الايجابية)، أولاً: الوقاية من الأمراض المنتشرة في المجتمع، فتتسع دائرة الخيارات للمقبلين على الزواج، وذلك مع علمهما بحقيقة نتائج الفحص، فإما أن يعدلا عن الزواج، أو يعدلا عن الانجاب، أو اللجوء الى المعالجة تلافيا لمخاطر الأمراض الوراثية .. بل قد تتعدى فائدة هذا العمل حتى قبل الخطبة ـ مثلا ـ وذلك عن طريق استقصاء التاريخ المرضي عن طريق المسح الوراثي لبعض الأشخاص أو العائلات، فيتم بذلك اختيار الشريك الأصلح من ناحية النسل، وثانياً: التحقق من عدم وجود أمراض مزمنة، قد تؤثر في استقرار الحياة الزوجية، وفيه ـ كذلك ـ حماية من انتشار الأمراض، ومحاولة لانجاب أبناء أصحاء عقلياً وجسدياً، وثالثاً: التحقق من قدرة الزوجين على ممارسة علاقة جنسية سليمة، لعدم وجود عيوب عضوية أو مرضية تعيق من تحقيق هذه الرغبة الفطرية .. والكشف عن الأمراض النفسية أو التي تؤثر في الولادة والذرية، فيتحقق الاطمئنان والسكنى في الحياة الزوجية، وهذا مقصد شرعي من مقاصد الزواج، ورابعاً: يؤكد الفحص الطبي مقصود النكاح في الاسلام وهو التأبيد، لأنه اذا علم بعد الزواج أحد الزوجين بمرض الآخر، فقد يتسبب ذلك لإنهاء الحياة الزوجية لعدم قبول الطرف الآخر بالمرض، وخامساً: تحقيق المحافظة على سلامة الزوجين من الأمراض، فقد ينقل أحدهم العدوى للآخر السليم، وسادساً: التقليل من الأعباء المالية الناتجة عن علاج المصابين بالأمراض الوراثية أو المعدية المتعددة، وسابعاً: ما يحصل للخاطبين من التثقيف بالنواحي الصحية في الحياة الزوجية، وتحاشي أسباب الاختلاف والطلاق نتيجة الشكوك المرضية في سلامة كل منهما، وملائمته للآخر.

إلى الأعلى