الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. لكل نجاح بنيان

رحاب .. لكل نجاح بنيان

لا زلت أتذكر حديث أحد رجال الأعمال وهو يؤكد بثقة في جلسة مع أصدقائه أنه لو تعرض لخسارة في أعماله فإن بوسعه استعادة أمواله التي فقدها في وقت وجيز وأعرف أشخاصا عديدين فقدوا مدخراتهم في أزمة الأوراق المالية في نهاية التسعينيات ثم ما لبثوا أن استعادوا ثروتهم بشكل أو بآخر وعادوا إلى السوق، كما أعرف آخرين خسروا كثيرا من مدخراتهم عندما انفجرت فقاعة العقارات في عام 2008 وما بعدها ، لكنهم استطاعوا أن يلملموا جراحهم المالية ثم تعافوا ماليا من خلال نفس النشاط وأعرف كذلك العديد من الناس في جميع مجالات الحياة يؤدون أعمالهم بإتقان وبسرعة فائقة .
وفي مثال طريف وحي عشته مطلع هذا الأسبوع كنت وبعض الأصدقاء نلعب لعبة القريع (أتوفياه) وهي عبارة عن كرة صغيرة تصنع محليا من خلال تكوير الأقمشة بطريقة فنية حتى تصبح بحجم كرة التنس الأرضي ، وتؤدى من خلال فريقين ، فائز يقوم أعضاؤه بضرب الكرة لمرة واحدة بالتناوب ثم يركض بين شوط البداية وشوط النهاية وفريق خاسر يتولى مناولتها للفريق الآخر ويستمر أعضاء الفريق بضرب تلك الكرة بعصا غليظة أو رفيعة فتنطلق الكرة كالسهم في الهواء وفقا لكفاءة اللاعب الذي يضربها بقوة وكلما قلت موهبة اللاعبين كان مدى الكرة المضروبة قصيرا، بينما تنطلق بعيدا عندما تكون الكفاءة عالية، وتمثل شطارة الفريق الفائز بأن يحافظ على اللعب في موقع المنتصر لفترة أطول ، وتظهر براعة اللعب من خلال قذف الكرة بعيدا والإمساك بها عندما يضربها شخص من موقع الانطلاق وكذلك تكمن قدرة الفريق الخاسر في أن يستعيد اللعب عن طريق إصابة أعضاء الفريق الفائز أثناء (المخاطرة) الركض بين المبدأ والمدى.
كنت ألعب بكفاءة متوسطة وأضرب الكرة بمستوى واحد من الجودة ولم يرفعني مستوى لعبي إلى مقام النجومية في هذه اللعبة ، بينما يستطيع آخرون أن يضربوا الكرة بعيدا جدا ، والإمساك بها بيد واحدة عندما تنطلق من يد اللاعب الذي يضربها ، وتسديدها بسهولة ومهارة وسرعة إلى أجسام المخاطرين الذي يركضون بين نقطتي الملعب (المبدأ والمدى).
لاحظت أن ذلك كله يندرج ضمن سياق الاستراتيجيات العقلية ، فلكل لعبة أو نشاط تجاري أو تفوق دراسي أو ذكاء اجتماعي ، لكل ذلك استراتيجيات عقلية تتلخص في أفكار الشخص ومعتقداته ولغته ومشاعره وأفعاله التي تترجم إلى ممارسات تتكلل بالنجاح أو الإخفاق.
وبالتالي فإن لكل خبرة بشرية بنيانا وهيكلا ، يمكن تفكيكه إلى سلاسل سلوكية صغيرة يمكن محاكاتها من قبل أشخاص آخرين.
فإذا رغب شخص ما في أن يحقق أهدافا معينة أو يكتسب مهارة ما ، أو أن يعدل سلوكا خاطئا أو يتخلص من عادة سلبية أو يتحرر من مشلكة نفسية أو ممارسة غير مرغوبة ، فبوسعه ذلك عن طريق تحديد هدفه ثم ملاحظة ما يقوم به الشخص القدوة ثم مجاراته ومحاكاته في جميع حركاته وسكناته وتكرارها حتى يتقنها تماما بالتدريب والمران.
فكل ممارسة بنيان ولكل خبرة استراتيجية ولكل شعور برمجة ، فالسعادة والحزن والحماس والتفاؤل ، وغير ذلك من ضروب العواطف والمشاعر تمثل تتابعا ذهنيا شعوريا ولا شعوريا يعبر عن نفسه من خلال استراتيجية عقلية.
يستطيع الشخص أن يغير استراتيجيته العقلية من خلال استحضاره للخبرة السلوكية التي يرغب في اكتسابها وذلك بأن يتخيل نفسه يقوم بها بمستوى متقن ، ثم ينقل ذلك التصور العقلي إلى ممارسة ذهنية ثم حقيقية ، ويواظب على ذلك حتى يبلغ مستوى الاتقان ثم مستوى الأداء اللاشعوري الفائق.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى