السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / السياسة الخارجية العمانية (مثالية الرسالة وواقعية السياسية)

السياسة الخارجية العمانية (مثالية الرسالة وواقعية السياسية)

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. تبقى السياسة الخارجية السليمة هي تلك السياسة التي تحكم فيها النظرة الواقعية خيارات السلوك السياسي وتوجهات الدولة الخارجية, في وقت تبقى فيه حاكمية المبادئ الإنسانية والأخلاقية روح تلك السياسية التي تنتزع منها سيادة الأنا ووحشية المصالح, وتعكس فيها رسالة خاصة لشخصية الأمة والقيادة والشعب,”
ـــــــــــــــــــــــ

لا مفر من الاعتراف بأن رسم توجهات ومرئيات السياسة الخارجية لبلد ما كما تصورها النظرية الواقعية يقوم على المصالح المادية البحتة, وهو أمر صحي إلى حد بعيد عندما يتعلق الأمر بإدارة الشؤون الخارجية للدولة في عالم تتنازعه المصالح السياسية, فلا يمكن أن تدار السياسة الخارجية عبر الاندفاعات العاطفية والمثالية الخالصة, ولكن ذلك كذلك لا يمكن أن ينزع النظرة الإنسانية أو القيم الأخلاقية من السلوك السياسي.( فالمصالح الإنسانية هامة أيضا لحياتنا ولسياستنا الخارجية. رغم أنه من المؤكد أن المصالح الوطنية الاستراتيجية حيوية وتستحق الأولوية, لأننا إذا فشلنا في حمايتها فإن بقاءنا نفسه يصبح عرضة للخطر)
على ضوء ذلك تمكنت السياسة الخارجية العمانية ( بطريقة هادئة وعقلانية من إذابة مفاهيم واقعية النظرة السياسية التي تحركها المصالح البحتة في العلاقات الدولية في أطر أخلاقية باتجاه مثالية إيجابية قادرة على تحقيق مصالح عالمية كحقوق الإنسان والديموقراطية وصناعة توازن بين مصالحها ومصالح بقية أعضاء المجموعة الدولية, وتعد هذه القيم والمقاصد الأخلاقية والمصالح الإنسانية والنظرة إلى السياسة الخارجية والعلاقات الدولية بين الدول من خلال تبني مبادئ ونظريات قائمة على المثالية الإيجابية وموائمة بين الأخلاق السياسية والمصالح الوطنية جزء لا يتجزأ من أسس وموجهات السياسة الخارجية العمانية التي رسم خطوطها العريضة مؤسس الدولة العمانية الحديثة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – منذ العام 1972م )
إذا ( ينطوي التصرف الأخلاقي على وعي مصالح الآخرين والتحلي بالحساسية إزاءها – غير أن نكران الذات ليس إلزاميا . فثمة ظروف قد يشعر فيها الأفراد بأنهم مدفوعون إلى التضحية بالذات, غير أن مثل هذا السلوك يبقى بنظر أكثر الشرائع الأخلاقية “نافلا” أي شيئا يحسن فعله. ولكن الامتناع عنه ليس خطأ, وسيبقى الشيء الذي يصح عمله في الغالب, وربما في العادة منطويا على عدم السعي وراء المصالح الذاتية إلى الحدود القصوى, ولكنه لن ينطوي إلا في أكثر الظروف استثنائية على تجاهل تلك المصالح كليا ما لم تكن مخترعة بوضوح لهذا الغرض ) فالبقاء, أو إعلاء المصالح الوطنية العليا هو الشرط اللازم للسياسة الخارجية العمانية ولكنه يجب أن لا يكون كل شي فيها.
وفي هذا السياق , نضرب مثالا على ذلك مبدأ الحياد في السياسة الخارجية العمانية , لنوضح أن ذلك لا يعني الحياد المطلق, فهذا الأخير ليس إلا سلبية تتنافى وواقعية السياسية الخارجية وإدارة شؤون الحكم عبر مختلف العصور, فلابد أن يكون لسياسة بلد ما تحيز لمصالحها في نهاية المطاف وهو ما يؤكده حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – بقوله أن ( عمان حضرت مؤتمر عدم الانحياز وساهمت فيه , وعمان تحبذ الحياد …… ولكن أعيد كلمة قلتها قبل قليل. بأن لكل واحد أصدقاء ).
على ضوء ذلك تبقى السياسة الخارجية السليمة هي تلك السياسة التي تحكم فيها النظرة الواقعية خيارات السلوك السياسي وتوجهات الدولة الخارجية, في وقت تبقى فيه حاكمية المبادئ الإنسانية والأخلاقية روح تلك السياسية التي تنتزع منها سيادة الأنا ووحشية المصالح, وتعكس فيها رسالة خاصة لشخصية الأمة والقيادة والشعب, ومن هذا الفكر السياسي العميق تتحدد بعض تلك الملامح الإنسانية والأبعاد الأخلاقية لموجهات الفكر السياسي للسياسية الخارجية العمانية. وهو ما أكده جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – بقوله ( إننا شعب مسلم يعتز بإسلامه وإيمانه , ولذا نضع ديننا فوق كل اعتبار ونستلهم من رسالة المسجد ما ينير طريق حياتنا, ويضيء درب تقدمنا).
وفي حديث لجلالته مع دورية ميدل ايست بوليسي الأميركية قال له مراسل المجلة : ( تَعَرَّضْتَ في بياناتِك العامة إلى قضية التطرف السياسي .. كيف تُقيِّم الخطر المحتمل للحركات المتطرفة في العالم العربي والخليج على وجه التحديد؟ فأجاب جلالته: لا أعتقدُ أنني أستطيع أن أفعل شيئا في ذلك أفضل من إحالتك إلى الخطاب الأخير الذي ألقيته على شعبي بمناسبة العيد الوطني السابق، إنَّ التطرف – مهما كان شكله – يجب أن يُنبذ ويُرفَض بشدة من قِبَل الناس الواعين والعقلاء.. فعلى الجميع أن يلتزم بالأحكام الواضحة للدين والقانون بعيدًا عن التحريف والتشويه وعند فعل ذلك وعن الالتزام ومراعاة المبادئ المجربة والراسخة التي تُعلِّم الإنسان العيش في ظلها فإننا نستطيع جميعا أن نسلك طريق الإنسانية والفطرة السليمة والتقدم وهذا ينطبق على العالم العربي وأي مكان آخر. وإنني على ثقة من أنّ شعوب العالم العربي لو وضعت ذلك في ذهنها ولو اعترضت وقاومت بشدة حجج وخداع الذين يريدون تحريف وتشويه ديننا لتحقيق غايات سياسية.. عندها لن يفلح ذلك الخطر أبدًا).
وبتصوري أن المكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققتها السياسة الخارجية العمانية حتى الآن جراء تبني هذا البعد الإنساني, خصوصا على صعيد الأمن القومي لسلطنة عمان بشقيه الداخلي والخارجي كانت كبيرة وكثيرة, يكفي أنها جنبت الدولة العمانية انعكاسات المخاطر والتهديدات السياسية والأمنية العابرة للحدود الوطنية كالصراعات والتدخلات السياسية وتهديدات الإرهاب والتنظيمات الإرهابية, وهو ما أكدته التقارير الدولية منذ العام 2014- 2018م بحصول السلطنة على المؤشر صفر في قضايا الإرهاب.
(*) بتصرف , نقلا عن كتاب التوجهات الكبرى في بنية النظام العالمي , الصادر لي في العام 2018م , منشورات مكتبة الضامري , سلطنة عمان

إلى الأعلى