السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / درس السوشيال ميديا

درس السوشيال ميديا

أحمد مصطفى

”إذا كانت الجماعات الهامشية والشخصيات المثيرة للجدل، أو المنتفخة عنجهية وصلفا، تستفيد من السوشيال ميديا لأن الإعلام التقليدي يضعها في حجمها ومكانها الطبيعي فالغريب أن تلجأ الحكومات والمؤسسات إلى تلك الوسيلة وهي تظن أن هذا “مجال جديد سريع التأثير يمكننا السيطرة عليه ومنافسة الآخرين”! والنتيجة أنك تفقد قيمة الإعلام التقليدي ولا تكسب ميزات السوشيال ميديا.”
ـــــــــــــــــ

هناك كثير من الدروس التي يجب استخلاصها من الأزمة الأخيرة المتعلقة بمقتل صحفي سعودي في قنصلية بلاده باسطنبول، ليس فقط لتفادي أزمات مماثلة ولكن بهدف علاج الخلل والتطوير والتحسين. وللأسف، لا يبدو أن هناك اهتماما باستخلاص الدروس والاستفادة منها في التغيير نحو الأفضل في بلادنا ومجتمعاتنا العربية، بقدر ما يتركز الجهد على المعالجة السريعة لآثار الحدث وتبعاته بطريقة أقرب للنهج الذي أدى إليه من الأساس. وبغض النظر عما ستؤول إليه الأزمة من نتائج على أكثر من صعيد، نتيجة المزايدات وعمليات الابتزاز واستخدامها في صراعات قديمة وحديثة، هناك درس لا يبدو أن كثيرين يلتفتون إليه. بل على العكس، يمعن الجميع في الاستمرار بذات النهج سواء في محاولات الضغط السياسي أو التشويه المتعمد لغرض مصلحة آنية أو حتى لمواجهة تبعات الأزمة. ولا يقتصر الأمر على أطراف الأزمة المباشرين وإنما يطول الجميع تقريبا.
ذلك الدرس هو المتعلق بالإعلام، وما تسمى وسائل التواصل الاجتماعي (غير الاجتماعية اطلاقا) أو كما هي باللغة الانجليزية “السوشيال ميديا”. وليس القصد هنا أن الأزمة كشفت حقيقة مهمة، كادت تغيب مع تغول انتشار استقاء الأخبار والمعلومات عبر مواقع التواصل، وهي أن الإعلام التقليدي لا غنى عنه وأنه يظل أقوى وأكثر تأثيرا بشكل حقيقي من فيسبوك وتويتر وانستغرام وغيرها. لكن حالة من الانكار على ما يبدو تجعل البعض لا يريد القبول بتلك الحقيقة، بل ويتصور أن تجاوزها ممكن بالإمعان أكثر في اعتماد الوسائط الجديدة لنشر المعلومات وتحسين الصورة وتشكيل الرأي العام .. الخ. ولا ينتبه كثيرون، ربما لأنهم غارقون في الأمر إلى حد عدم القدرة على الرؤية الصحيحة، إلى أن مواقع التواصل تلك هي جزء كبير من المشكلة وليس الحل.
وصل الانبهار بالسوشيال ميديا في الأعوام الأخيرة حدا جعل القيادات في الحكومات والمؤسسات يعتمدونها أساسا في وضع الاستراتيجيات وتحديد السياسات، ولعبت شركات العلاقات العامة والاستشارات دورا في ذلك. ولعل الدور الذي انكشف لشركة كبرى مثل “ماكينزي” في استغلال السوشيال ميديا في الأزمة الأخيرة مجرد دليل واحد، إنما الأدلة كثيرة ومن فرط وضوحها لا يلحظها الجميع. ورغم ما يتكشف كل يوم من تضليل معلوماتي وأخبار كاذبة وتزييف أرقام متابعة وتأثير في كل مواقع التواصل وغيرها على الانترنت، يرى “الخبراء الجدد” أن ذلك لا يهم، بل لى العكس ربما كان “أمرا جيدا لتوجيه الجماهير باتجاه معين”!! ولا يدرك هؤلاء أن المصيبة تأتي حين يصبح صانعو السياسة كذلك ممن يتأثرون بتلك التلفيقات وعمليات التزييف والدس المعلوماتي والمزج بين المعلومة والفبركة والإشاعة والخبر وتضخيم التأثير والتقليل من شأن الحقائق التي لا تروق الجهات المعنية .. الخ.
وإذا كانت الجماعات الهامشية والشخصيات المثيرة للجدل، أو المنتفخة عنجهية وصلفا، تستفيد من السوشيال ميديا لأن الإعلام التقليدي يضعها في حجمها ومكانها الطبيعي فالغريب أن تلجأ الحكومات والمؤسسات إلى تلك الوسيلة وهي تظن أن هذا “مجال جديد سريع التأثير يمكننا السيطرة عليه ومنافسة الآخرين”! والنتيجة أنك تفقد قيمة الإعلام التقليدي ولا تكسب ميزات السوشيال ميديا. المسألة ببساطة، غير مخلة كما نرجو، هي أن خلق أنماط استهلاك جديدة ليس بالضرورة يأتي بتقديم منتجات أفضل أو مميزة قادرة على الصمود والاستمرار. ومن آفة الاستهلاك، في المواد والمعلومات والأفكار، أن من يتحكم به فئة قليلة ممن يعافون ما يسوقونه للجماهير (والآن للحكومات والمؤسسات والشركات) ويحافظون على أجسادهم وعقولهم بتعاطي ما يصفونه بأنه “قديم عفا عليه الزمن وتجاوزه الابتكار التكنولوجي).
ليس معنى ذلك أن يكون الدرس المستفاد هو الانقلاب مئة وثمانين درجة على السوشيال ميديا، لكن لعلها فرصة لوضع الأمور في نصابها والتعامل معها كأداة وليست غاية ـ وحتى كونها أداة فإن لها حدودا لا يجب المغالاة فيها ولا تضخيمها. وإذا كان رئيس أقوى دولة في العالم يستخدم تويتر ليصرح بأفكاره فليس معنى ذلك أن علينا جميعا أن نقلده لأنه في النهاية من يصنع السياسة الأميركية ليس تويتر وفيسبوك، حتى لو اضطرت المؤسسة لتلبية ما يريده الرئيس فإنها تقوم بذلك بالطرق والمعايير التقليدية لمؤسسة حكم وليس شلة مواقع تواصل. وسبق وكتبت في هذه الزاوية عن “ترهل المؤسسة”، مشيرا إلى بريطانيا كنموذج باعتبارها أعرق الديموقراطيات الغربية. ولعل من المفيد إضافة الدور الذي تلعبه مواقع التواصل، وغيرها من أمثالها، في تمييع دور المؤسسة وإصابة العالم بحالة من السيولة والميوعة والسطحية وربما التفاهة.
الأمر اذا ليس محصورا عندنا، لكن الأزمة التي تمر بها المنطقة ربما توفر فرصة جيدة لتعلم درس السوشيال ميديا ومعه كل ما يتعلق بسياسات الدول والحكومات والمؤسسات والشركات بما يضع كل الأدوات في مكانها دون مغالاة تقود إلى كوارث ودون اهمال يفقدها ميزة من ميزات العصر. ورغم أن تعلم هذا الدرس والاستفادة منه قد تكون صعبة، خاصة على من روجوا بحماس لتلك المهازل، إلا أنني اعتقد أن الأمور لن تكون كما كانت عليه وربما تتجه للأفضل .. دون أن نعبر عن ذلك في تغريدة على تويتر أو تعليق على فيسبوك، وإنما بالعمل الحقيقي وتوصيله عبر القنوات التقليدية ـ ثم الترويج لذلك على السوشيال ميديا.

إلى الأعلى