السبت 29 يوليو 2017 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من طور “لادن” إلى طور “البغدادي”

من طور “لادن” إلى طور “البغدادي”

أ.د. محمد الدعمي

للمرء أن يفترض أن الإدارة الأميركية الآن في حيرة شديدة من أمرها بسبب الخيارات المرة التي وضعتها “داعش” أمامها، وأحلاها مر، بالتأكيد: فعلى الرغم من أنها لم تتدخل في سوريا على نحو مباشر ضد الحكومة السورية، إلا أنها الآن وجدت نفسها في حاجة لنظام الرئيس بشار الأسد لمواجهة خطر إرهابي شبه وجودي. بل إن الأكثر إحراجًا وإرباكًا هو أن “أصدقاءها” في المنطقة هم المسؤولون عن استدراج واشنطن إلى هذه “المتاهة” التي لا تحسد عليها بسبب دعمهم وتجهيزهم وتمويلهم للمتمردين في سوريا أولًا والعراق اليوم. وأقصد بذلك متاهة الخيارات الصعبة المتاحة للرئيس أوباما اللحظة: (1) خيار إنزال قوات أميركية على الأرض في العراق وسوريا لتلافي خطر داعش قبل استفحاله؛ (2) خيار التعاون مع عدو معلن وقديم، الجمهورية الإسلامية (درجة التحالف العسكري) لتحقيق ذات الهدف المشترك، ناهيك عن خيار اللوذ بالاستخبارات والعيون المبثوثة “لالتقاط” قيادات داعش الواحد تلو الآخر شخصيًّا، بافتراض أن إبادتهم يمكن أن تضع نهاية لخطر هذه “الدولة” التي وصفها وزير الدفاع، “هاجل” أنها بدرجة من الخطر “أننا لم نشهد له مثيلًا من ذي قبل”.
من منظور أول، يحطم خيار إنزال قوات أميركية على الأرض لمواجهة مباشرة كامل سياسة الرئيس أوباما، نظرًا لأن سياسته الخارجية ارتكنت أصلًا إلى تخفيف أعباء الإدارة الأميركية العسكرية والسياسية والمالية خارج الولايات المتحدة للتفرغ للداخل، عن طريق فض الوجود العسكري الأميركي في كل أرجاء العالم ما أمكن. إلا أن الأحداث تسير بما لا تشتهي السفن، إذ إضطر أوباما اليوم إلى إرسال خبراء لبغداد وتوظيف سلاح الجو في شمال العراق لمواجهة داعش؛ وهو اللحظة يدرس إمكانية توسيع الضربات الجوية لتشمل أجواء وأراضي سورية، علّ ذلك يكفيه شر “الجنود على الأرض”.
ومن منظور ثانٍ، يبدو استدراج الأحداث واشنطن للتحالف والتنسيق والتعاون مع جمهورية إيران الإسلامية قاب قوسين أو أدنى، على الرغم من إنكار كل من واشنطن وطهران هذا الخيار، إلا أن المؤكد هو أن “عدو عدوي، صديقي”! قد تكون هذه “صداقة” تكتيكية مؤقتة وانتهازية زائلة، إلا أن تاريخ السياسة الأميركية الخارجية يشير إلى إمكانية حدوثها، خاصة عندما يتعلق الخطر بالأمن القومي الأميركي وبعمليات “ذبح الأميركان” أمام الكاميرات، فإذا لم تحرك هذه المشاهد “غيرة” الرئيس أوباما على شعبه، فما الفائدة من وجوده قائدًا عامًّا للقوات المسلحة!
ومن منظور ثالث، يأتي خيار تشكيل تحالف عسكري غربي، يشبه ما حدث في أفغانستان والعراق، باعتبار الخطر الداهم الذي يهدد جميع الدول الغربية، أي الخطر الذي يشكله حملة الجوازات الأميركية والأوروبية الغربيون العاملون مع داعش، سوى هؤلاء الذين أحرقوها أمام الكاميرات، كناية عن الاحتقار واللامبالاة بها وبقيمها السيادية. هذا النوع من التحالف، الذي يتشكل تحت مظلة “الناتو”، يكون تحالفًا مكلفًا ومحطمًا لكامل رؤية أوباما الرئاسية التي راحت تخفق شيئًا فشيئًا أمام عينيه الآن، ناهيك عن تصاعد النقد الداخلي في أميركا ضد انحسار دور واشنطن عبر العالم الخارجي. لاحظ أن خطاب داعش لواشنطن واضح المعالم والدلالات: فإذا أنتم لا تريدون المجيء لمواجهتنا، نحن سنستدرجكم إليها، بصور بقر البطون وقطع الرؤوس، وفي انتظار أعمال أوسع وأخطر داخل الولايات المتحدة وسواها من دول أوروبا الغربية ذاتها. وقد لاحظ السيد مايكل موريل، معاون رئيس المخابرات الأميركية السابق، أن خطر توجيه ضربة إرهابية موازية لـ11 سبتمبر قائم الآن. إن بواعث الحيرة والقلق الأميركية متنوعة ومبررة، لأن الخيارات المتاحة لمعالجة الخطر الإرهابي القائم لم تعد كما كانت عليه عندما غزت القوات الأميركية أفغانستان، بدليل أن حتى هذا النوع من الغزو لمواقع “داعش” لم يعد ممكنًا، نظرًا لارتهانه بانقلاب الإرهاب من طور “لادن” إلى طور “البغدادي”!

إلى الأعلى