السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : ما السبيل لإنجاح الحوكمة؟

في الحدث : ما السبيل لإنجاح الحوكمة؟

طارق أشقر

الحوكمة مصطلح اقتصادي اداري عرف طريقه إلى العمل التجاري في السنوات القليلة الماضية خصوصا بعد تعرض الاقتصاد العالمي لأزمتين اقتصاديتين كان اولهما ازمة انهيارات اسواق المال الآسيوية في نهائيات التسعينيات من القرن الحالي، وثانيها الأزمة الاقتصادية التي بدأت من أميركا في 2008 وانعكست تأثيراتها على مختلف اقتصادات العالم، وها هي الآن ما تعيشه منطقة الخليج على وجه العموم من تداعيات ازمة تدهور أسعار النفط التي ما زالت رغم ارتفاع أسعار، ما فتئت تلك التداعيات على مجريات الحياة الاقتصادية وتمس حياة الناس بشكل مباشر بسبب الكثير من الاجراءات الاحترازية في هذا الشأن.
ولطالما مس القرح الاقتصادي الناتج عن تداعيات ازمة تدهور اسعار النفط التي يرى الخبراء انها لم تنتهي حتى الآن باعتبار ان استقرارها مربوط بتوازنات سياسية وليس بمعايير اقتصادية عند تخفيض سعر البرميل وعلى العكس من زيادة سعر البرميل الذي يخضع بالفعل لتوازنات اقتصادية، لذلك فإن الحديث عن الحوكمة بشكل متواتر يعتبر أمرا لا مناص منه في الوقت الحالي، خصوصا وان الحوكمة كما عرفها الأكاديميون تعني الدعوة إلى وضع نظم مؤسسية تحكم العلاقات بين الأطراف الرئيسيين في المؤسسات الاقتصادية مثل الادارات التنفيذية وأعضاء مجالس الإدارات، والمساهمين، وذلك بهدف تحقيق اهداف وصفها الأكاديميون أيضا بالنبيلة ولخصوها في الشفافية، والعدالة، ومكافحة الفساد، وحق مساءلة المسؤولين بالشركات لحماية حققوق المساهمين.
ورغم ان المنظرين كرسوا جهودهم في التأصيل للحوكمة ووضع المعايير اللازمة لها لتعني بالدرجة الأولى الشركات في القطاعات الخاصة بالدول، الا ان التطبيق العملي لذلك المفهوم الاقتصادي جعل التساؤل حول السبيل لإنجاحها اكثر مشروعية، خصوصا وان القطاعات الخاصة في الدول لا تعمل بمعزل عن القطاعات العامة، مما يعني ان انجاح الحوكمة والوصول إلى اهدافها يتطلب حالة من الانسجام والتوافق والتكامل بين دواليب العمل في القطاعات الخاصة والعامة معا بما يساعد في انجاح الحوكمة، وحتى لا تبدو القطاعات الخاصة في الدول التي ينادي فيها الاقتصاديون بتطبيق الحوكمة تغرد خارج السرب.
ولذلك رأى الخبراء ان انجاح الحوكمة في الشركات اي في القطاع الخاص الذي اصبح له دوره الأهم في تحقيق معدلات مرتفعة في النمو الاقتصادي للدول التي تنتهج اقتصاداتها الأنظمة الرأسمالية، اصبح من الضروري ان تكون القطاعات العامة فيها معينا لها في تحقيق اهداف الحوكمة، وذلك من خلال تبني القطاعات العامة لنفس مفاهيم الحوكمة بالقدر الذي يؤدي إلى تكامل الأدوار بين القطاعات العامة والخاصة في الدول.
وفي حال تحقق ذلك القدر من التكامل والانسجام بين القطاعات العامة والخاصة، ستجد الحوكمة في الشركات طريقها للنجاح، حيث سيؤدي تطبيق مبدأ الشفافية إلى ضمان حقوق كل الأطراف وبالتالي سيتمكن كل قطاع من القيام بواجباته تجاه القطاع الآخر بنفس القدر الذي ستتمكن فيه الشركات بالقيام بواجباتها تجاه مساهميها الذين سيكونون اكثر قدرة على مساءلة ادارات الشركات.
وبتحقيق هذا القدر من التكاملية، تكون القطاعات العامة والخاصة بشكل تلقائي قد تمكنت من تثبيت قواعد ما يطلق عليه الاقتصاديون وخبراء الحوكمة مبدأ الإدارة الرشيدة، والذي بدوره سيؤدي إلى ضمان عدم تداخل المصالح بين المؤسسات، فتظل القطاعات العامة معنية بمصالح الكل، بينما تسعى القطاعات الخاصة نحو التخصصية وتجويد العمل لضمان التنافسية العلمية الشريفة بين مؤسسات القطاعات الخاصة، دون خلط للأمور ودون ان تكون القطاعات العامة منافسة للقطاعات الخاصة حيث من مصلحة كافة القطاعات استقرار اوضاعها وانسيابية عملها.
ولطالما ستكون النتيجة النهائية للحوكمة هي تحقيق الشفافية وتوفير النظم التي تحكم العلاقة بين الأطراف الرئيسيين في المؤسسات الاقتصادية، فإن انجاحها يتطلب الدعوة إلى المزيد من التعاون والتنسيق والدعم المتبادل بين القطاعات الخاصة والعامة حتى يتمكن القطاع الخاص من الارتقاء بأدائه فيصبح سندا لتحقيق اهداف القطاعات العامة ويكون المستقيد في النهاية المواطن سواء كان مساهما في مؤسسات القطاع الخاص أو مستفيدا من خدمات القطاع العام، فهو الهدف الأساسي لكلا القطاعين .. وبهذا تكون الحوكمة قد وجدت طريقها للنجاح واصبح من الممكن تجاوز تداعيات عدم استقرار اسعار النفط بشيء من التكاملية والتنسيق.

ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى