الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الباحث صالح بن عبدالله الهاشمي ينال درجة الماجستير بدراسة عن الشاعر العماني أحمد بن سعيد الخروصي الملقب بـ”الستالي”

الباحث صالح بن عبدالله الهاشمي ينال درجة الماجستير بدراسة عن الشاعر العماني أحمد بن سعيد الخروصي الملقب بـ”الستالي”

مسقط ـ (الوطن):
نال الباحث العماني صالح بن عبدالله الهاشمي درجة الماجستير، في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القديس يوسف بالجمهورية اللبنانية، وكانت دراسته عن الشاعر العماني أحمد بن سعيد الخروصي الملقب بالسُّتالي، وقد حملت الدراسة عنوان السُّتالي (النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي ـ أوائل القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي) دراسة في مستويات لغته الشعرية، ركّزت على مستويات لغته الشعريّة الصوتيّة والصرفيّة والتركيبيّة والمعجميّة والبلاغيّة .
والسُّتالي نحا في تجربته الشعريّة منحى آخر تمثّل في غلبة قصائد المديح على ديوانه ، فهو شاعر النباهنة ، كما أنّه طَرَق موضوعات شعريّة لم نعهدها في الشعر العُماني القديم، كالخمريّات والغزل المكشوف ، وهي كلّها مغريات للغوص في تجربته الشعريّة.
فصول
وانتظمت الدراسة في تمهيد وستة فصول ، جاء التمهيد مدخلاً تاريخياً للدراسة ، واختصّ الفصل الأول بحياة السُّتالي ونتاجه الشعريّ ، وتناول الفصل الثاني المستوى الصوتي وزنا وقافيةً وإيقاعاً ، وعالج الفصل الثالث المستوى الصرفي ، وخُصَّ الفصل الرابع للمستوى التركيبي ، أي الجملة وتراكيبها، وأنواعها ، وأنماطها ، وعرض الفصل الخامس المستوى المعجمي ، أي المفردات ودلالاتها ، وجاء الفصل السادس ، وهو آخر المطاف في الدراسة ، مختصّاً بالمستوى البلاغي.
مديح بني نبهان
ولعلّ أبرز ما توصلت إليه الدراسة إلى أنّ بني نبهان ، الذي امتد حكمهم قرابة الخمسة قرون كانت لهم علاقات طيّبة مع الممالك المعاصرة في الساحل الشرقي لأفريقيا والهند واليمن، وكان تأثيرها إيجابياً في التطوّر الاقتصادي والاجتماعي ، كما امتدّ نفوذهم إلى مناطق في شرقي السّاحل الأفريقي ، ونتيجة لهذه العلاقات تطوّرت الحياة الاقتصاديّة تطوّراً ملحوظاً ، فمن أبرز ملامحها تأنّق بني نبهان في إنشاء الحدائق والرياض ، وبناء المساكن ، وتألق الحياة في عصرهم يتضح من خلال إلحاح الشاعر في قصائده على وصف الحياة الاجتماعية بكافة مظاهرها في قصائد مديحه.
وأنّ الشّاعر عايش الحقبة الأولى من دولة بني نبهان ، وكانت حياته محصورة بين النّصف الثاني من القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي والنّصف الأول من القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي . وينتمي السُّتالي إلى قبيلة بني خروص ، وهو من بلدة سُتال في وادي بني خروص .
وترك السُّتالي ديوان شعر أغلبه في مدح بني نبهان ، وتصرّف في مدائحه ببيان الفضائل التي يتّصفون بها ، فأسبغ عليهم من الصفات الخّلقيّة والخُلُقيّة في قصائد تصدر عن عاطفة صادقة وإعجاب بهم ، فأطراهم ووصفهم دون غلو في الكثير من القصائد.
وكانت قصائد المديح عند السُّتالي متصلة بأغراض الوصف والنسيب والحكمة ، فجاءت هذه الأغراض خادمة لغرض المديح عنده ، إلاّ أنّه استطاع أن يتحلّل من أسر المديح فجاء وصفه ونسيبه مسجلاً للحياة المترفة التي عايشها بين أكناف بني نبهان ، ويحسب له قوة شاعريّته في رثاء أطفال بني نبهان وكريماتهم ؛ وجاء الهجاء في مقطوعة قصيرة ، وهذا ما يدلّ على اصطفاء بني نبهان له بعد اتصاله بهم ، وتوجهه نحو غرض المديح.
المستوى الصوتي
وفي دراسة المستوى الصوتي ، نجد أنّ السُّتالي سبك منظومات قصائده على الأبحر التي تتجاوب مع فعل المديح ، فغلبت الأبحر ذات التفعيلات الطويلة لتتوافق نغمتها مع الجوّ العام للقصيدة ، فكانت الأبحر ذات الثماني تفعيلات هي الأكثر عدداً من بين قصائد الديوان.
ومما يحسب للشاعر أن جاء بحر المتقارب في عشر قصائد ، على الرغم من تكوّنه من ثماني تفعيلات ، وهو بحر خفيف لا يحتمل الأفكار الكبيرة الخاصة للمدح ، إلاّ أنّ الشاعر اعتمد عليه ، وجاء في المرتبة الرابعة .
وتحسب للشاعر قوة شاعريّته في سلامة أوزانه ، وعدم اضطرابها وابتعاده عن العلل والزحافات إلاّ ما يؤدي إلى التنوّع الموسيقي ، والتزامه تفعيلة ثابتة في عروض البيت وضربه في بعض البحور ، وكلّ ذلك حُسن وتأنق وتنظيم ؛ فمجال المديح يحتاج إلى تانق وحُسن قبول في أذن المتلقي .
وتوصلت الدراسة إلى اعتناء الشاعر بالقافية ، فغلبت على قصائده القوافي المطلقة، وحاول الارتقاء بمستوى موسيقى قافيته في بعض قصائده إلى درجة الكمال الموسيقي ، من خلال اعتماده على كثرة الأصوات التي تتكرر في أواخر الأشطر أو الأبيات في القصيدة الواحدة .
وبرزت المحسّنات اللفظيّة المؤثرة في الموسيقى الشعريّة من خلال استعانته بالجناس والسجع داخل البيت الشعريّ والقصيدة بكثافة ، ولجأ الشاعر إلى السجع ، وكأنّه استعاض بموسيقى السجع عن العاطفة الصادقة لأنّ هذه القصائد قيلت في مدح أمراء الساحل الشرقي لأفريقيا.
المستوى الصرفي
وفي المستوى الصّرفي توصلّت الدراسة إلى أنّ الشاعر يجري وراء المفردة ، سواء أكانت فصيحة أم عاميّة ، وأنّه استعان بمجموعة من المفردات العاميّة ، أو بمفردات اشتق تصاريفها ، فساهمت هذه المفردة في الارتقاء بمستوى الفكرة التي يريد الشاعر إبرازها ، وجعلتها أكثر سلاسة من استعماله المفردة الفصيحة .
وفي المستوى التركيبي توصلّت الدراسة إلى ارتفاع معدل استعماله للأفعال ، خاصة في الأبيات التي يلّح فيها على الطلب والسؤال ، كما استعان الشاعر بظاهرة التحوّل بين الأفعال ، واتكأ عليها ليثير المتلقي ويشد انتباهه إلى الفكرة ، وليؤكد بهذا التحوّل على معان بلاغية ، واستطاع الشاعر أن يقدّم بنية تركيبيّة متآلفة ومتوافقة مع الأساليب البلاغيّة ، وصاغ جملته بطريقة فنيّة ، واستعان ببعض الظواهر التركيبيّة لتحقيق ما يريده من أغراض بلاغيّة .
المستوى المعجمي
وفي المستوى المعجمي ، أظهرت الدراسة انتظام ألفاظ معجمه الشعريّ في حقول وعلاقات دلاليّة من خلال المشترك اللفظي والترادف والتّضاد ، فأدت دورها في إبراز دلالات ومعاني الألفاظ ، وتعددت دلالاتها وفقا لمعانيها المجازيّة التي تفهم من خلال النّصّ الشعري .
كما ترددت في قصائده مجموعة من الألفاظ انتظمت في حقول ، فبرزت حقول ألفاظ الشراب ، واللباس ، وأدوات زينة المرأة ، وشغلت حيّزا كبيراً ، وبرزت الحقول الدلالية الخاصة بالطبيعة في دلالة على اعتناء العصر بالحدائق وتلوينها بأنواع الأزهار وتعدّد الأشجار.
ورصدت الدراسة أنّ الشاعر يرسم صوره بالألوان المتعدّدة في المواقف المتناقضة، فيستخدم حقل الألوان في دلالات مختلفة ، وأحياناً متناقضة ، فكان أبرزها اللون الأبيض الذي تعدّدت خطوطه وتنوّعت ألوانه ، فهو لون جميل عندما لوّن به جمال المرأة ، وفي المقابل لون قبح ونفور عندما برزت خطوطه على رأس الشاعر وعِذاره .
المستوى البلاغي
وفي المستوى البلاغي استنتجت الدراسة أن الشاعر كان يرسم صوره معتمداً على مصادر أصليّة ، أبرزها استلهام التراث ، والاستعانة بصور السابقين ، وأحياناً يجلب صوره من الطبيعة حوله ، كما غلبت الصور البصريّة عليه ، ولا غرو في ذلك ؛ فقد طغى عليه غرض المديح ، وهو يحتاج إلى الأعمال المشاهدة ، الأفعال المنظورة ، فكانت الصورة البصريّة الأقرب إليه لاتساع مداها ، وبعد مرماها.
ورصدت للشاعر صور فنيّة ابتكاريّة ، فصورة الحادي وهو يحدو باسم السلطان ذهل ، صورة سمعية مبتكرة ، فلعذوبة كلمة ذهل فإن الإبل تسرع في سيرها ، فيحوّل الصورة لتكون أقرب للحالة النفسيّة ، وله صور ذوقيّة وشميّة ولمسيّة ؛ كتلك التي صوّر فيها ومضات البرق بحركة العرق النابض في ساعد اليد .
واستعان الشاعر في تصويره بالوسائل الفنيّة التي تمكنه من رسم صور فنيّة محكمة، فاعتمد على سائر وجوه المجاز ، واستعان بالتشبيه بكل أنماطه ، وجاءت بعض تشبيهاته مبتكرة ، والأخرى ساقها من مصادر ثقافته الشعريّة ، واتكأ على الاستعارة بنوعيها ، وجاءت الكناية أقل من سابقاتها.

إلى الأعلى