الإثنين 20 مايو 2019 م - ١٤ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن الـبر وأثـره في النفـس (2)

شـذرات مـن هـدي القـرآن الـبر وأثـره في النفـس (2)

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين، والصـلاة والسلام عـلي خـير خـلـق الله أجـمعـين وخاتم الأنـبيـاء والـمـرسـلـين، وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلازال الحـديث مـوصـولاً عـن الـبر وأثـره في الـنفـس الـبشـرية: قال الإمـام الـقـرطبي: وقـيـل الـمعـنى:(ولـكـن ذا الــبر) كـما في قـوله تعالى:(هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (آل عـمـران ـ 163).
فـقال الـرجـل: لـيس عـن الـبر سـألـتـك؟، فـقال أبـو ذر جـاء رجـل إلى النـبي (صلى الله عـليه وسـلـم)، فـسأله عـن الـذي سـألـتني عـنه: فـقـرأ الـذي قـرأت عـلـيـك، فـقال له الـذي قـلـت لي، فـلـما أبى أن يـرضى قال له: إن الـمـؤمـن الـذي إذا عـمـل الحـسنة سـرته رجـاء ثـوابها، وإذا عـمـل الـسيئة سـاءته وخـاف عـقـابها.
والـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم) يشـير إلى هـذا الحـديث، وإلى ما يسببه فـعـل الحـسنة أو الخـير مـن أحساس نـفـسي بالـسعـادة، وما يعـقـبه مـن راحـة قـلـبية غـامـرة، الأمـر الـذي يعـكـس بـدوره فاعـلـية الإيـمان وكـذلك الـبر الــذي مـعـناه في تنمية قــوة الـشـعـور بالالـتـزام الخـلـقي اتجـاه عـمـل الخـير.
كـما تـرى أبـعـاد هـذا الـشعـور لـذي الـنـفـس الـمـؤمـنة، حـتى إذا ما عـمـل هـذا الـمـؤمـن عـمـلاً خـلـقـياً فاضلاً ظـهـرت عـلـيه الآثـار الـنـفـسية الناتجـة عـن إنجـاز ذلك العـمـل مـن سـرور وسـكـينة، والأمـر بالعـكس بالنسبة لـفـعـل الـسيئة أو الـشـر، لأن الأضـداد الـنفـسية التي تـسببهـا تـراخي قـبضة الإلــزام الخـلـقي، والتهـاون فـيه تظهـر سـماتها في مـظاهـر الحـزن والهـم والـقـلـق، التي تبـدو لـدى الـمـؤمـن الحـق الـذي يـتصـرف عـلى وفـق الإيـمان الـراسخ في الـقـلب رسـوخ الجـبـال الـرواسي.
قال الـشاعـر:
حسـن فـعـالـك واجـنح للـتـقى أبـدا
وسـل مـن الله حسـن الخـلـق والخـلـق
وطهـر الـقـلب مـن شـك ومـن دنس
فآفـة الـثـوب أن يطـوى عـلى الخـلـق

أما الـصلة فـهي: الـتبرع بـبـذل الـمال في الجـهـات الـمعـلـومة والطـرق المستقـيمة، بـغـير عـوض مـطـلـوب، وهـذا يـبعـث عـلـيه سـماحة الـنفـس وسـخـاؤها، ويمـنـع مـنه شـحـها وإبـاؤهـا، قال الله تعالى:(.. وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحـشر ـ 9).
أما الـنـوع الثاني مـن الـبر فـهـو: الـمـعـروف وينقـسـم إلى قسـمـين: قــولاً وعـمـلاً، فـأما الـقـول: فـهـو طـيب الكـلام وحسـن الـبشـر، والـتــودد بجـمـيـل الـقـول، وهـذا يـبعـث عـليه حـسـن الخـلـق: ورقـة الطـبـع وحـب الخـير، ويـجـبأن يـكـون محـدودا كالـسخـاء فـإنه إن أسـرف فـيه كان ملـقـاً مـذمـوماً، وإن تـوسـط واقـتصـد فـيه كان مـعـروفاً وبـرّاً محـمـوداً، قال تعالى:(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (الإسـراء ـ 29).
وأما العـمـل: فهـو بــذل الـمـال والمـساعـدة بالـنـفـس والـمعـونة في النائبة، وهـذا يـبعـث عـليه حـب الخـير للـنـاس، وإيـثار الصـلاح لهـم ، ولـيس في هـذه الأمـور سـرف، ولا لـغـايتها حـد بخـلاف الـنـوع الأول، لأنـهـا وإن كـثرت فـهي أفـعـال خـير تعـود بنـفـعـين: نـفـع عـلى فـاعـلها في اكـتساب الأجـر والـثـواب وجـميـل الـذكـر، ونـفـع عـلى الـمـعـان (بـضـم المـيم وفـتح الـعـين) بـهـا في التخـفـيف عـنه والـمـساعـدة له في تـفـريج كـربه وهـمه.
وعـن الـبراء بن عـازب ـ رضي الله عـنهـما ـ قال أمـرنا رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلـم) بـسبع ونهـانا عـن سـبع:(أمـرنا بـعـيادة الـمـريض واتـباع الجـنازة، وتشـميـت العـاطـس، وإبـرار الـقـسـم أو الـمـقـسـم، ونـصـر الـمـظـلـوم وإجـابة الـداعي وإفـشاء الـسلام).
ونهـانـا:(عـن خـواتيـم أو تخــتـم بالـذهـب، وعـن شـرب بالـفـضـة، وعـن الـمـياثـر (جـمع مـيثـرة وهي مـراكـب للعـجـم تعـمـل مـن الـديباج أو الحـريـر، سـواء كـانت عـلى رحـل أو ســرج)، وعـن الـقـسي:(القـسي: هي ثـياب حـريـر تجـلب مـن مـصر، وهـي تـنسب إلى الـبـلـد التي تجـلب منها واسـمها الـقـس،(لـسان العـرب 4/ 3625)، و(عـن لـبـس الحـريـر والاسـتـبرق والـديباج) (رواه الـبخـاري في الـفـتح 11/ 6235)
البـر: كل عـمل يـفعـله الإنسان امـتـثالاً لأمـر الله، قـضية لانقـياده للـمـلأ الأعـلى واضمحلاله، في تلـقي الإلـهام مـنه سـبحانه وتعالى، وصـيرورته فانيا في مـراد الحـق، وكل عـمـل يجـازى عـليه خـيراً في الـدنيا والآخـرة فهـو بـر، وكل عـمـل يـصلح الاتفـاقات التي بني عـلـيها نـظام الإسـلام يـعـتبر كـذلك بـر، وكل عـمـل يـفـيـد حالة الانـقـياد ويـدفـع الـغـشاوة فهـو بـر.
وكـما أن الاتفاقات هـي التي اسـتـنـبطـها أولـوا العـلـم والخـبرة، فاقـتـدى بهـم الـناس بشهادة قـلـوبهـم، واتفـق عـلـيها أهـل الأرض، أو مـن يـعـتـد به منـهـم فـهـي بـر، ومـما لا شـك فـيه إن للـبر سُـنـناً ألهـمها الله تعالى قـلـوب العـلـماء الـمـؤيـديـن بالـنـور والتـوفـيـق الإلـهي، وجـعـلها مسـتقـرة في قـلـوبهـم فـغـلب عـليهـم خـلـق الـفـطـرة، والتي هـي بـمنـزلة ما ألهـم الله بـه في قـلـوب الـنحـل ما يصلح به معـاشها، فجـروا عـليها وأخـذوا بها، وأرشـدوا إلـيها وحـثـوا عـليها، فاقـتـدي بهـم الناس.
واتفـق عـلـيها أهـل الـملل والـنحـل جـميعها، في أقـطار الأرض رغـم تباعـد بلـدانهـم واخـتـلاف أديانهـم، بطـريقـة مـناسبة فـطـرية واقـتضاء نـوعـي، ولا يـضر ذلك التصـور اخـتلاف صـور تـلك السـنن، مـن بـعـد الاتفـاق عـلى أصـولها ولا صـدود طـائـفـية مخـدجة، (أي: ناقـصة)، مـن الـذين لا يـعـتـد بـهـم ولا بآرئهـم، ولا يـفـقـهـون شـيئا مما يـدعـو إلى الألـفـة والـمحـبة، والمصلحـة العـامة للـفـرد والمجـتمـع.
ولـو تأمـل فـيهـم أصحاب الـبصائـر، لـم يشـكـوا أن مادتهـم عـصـت الـصورة النـوعـية الـفطـرية ولـم تمكـن لأحكامها، وهـم في الإنسان كالعـضـو الـزائـد في الجســد، زواله أجـمـل له مـن بـقـائه.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى