الخميس 21 نوفمبر 2019 م - ٢٤ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ترجمة القرآن (2)

ترجمة القرآن (2)

علي بن سالم الرواحي
عزيزي القارئ: نستكمل معك اليوم ما تبقى من هذا الموضوع .. أما الترجمة التفسيرية فهي ممكنة بشرط أن تكون على معاني القرآن الدقيقة وضمن القواعد اللغة العربية والشريعة الإسلامية والأحاديث النبوية المبينة للقرآن والمفصلة له والمفسرة له، ويكون معنى الآيات كاملاً ويكون الترجمة التفسيرية في غنى في المراجعة عن القرآن بحيث يفهم المعاني منها باستقلال, فمثلاً الترجمة التفسيرية للآية السابقة أن يقال: يُنهى عن التقتير والتبذير في صورة كذا وكذا.
ولا ريب أن الترجمة التفسيرية تختلف عن التفسير من وجوه منها أن يُستغنى كما تقدم بها عن القرآن وفيها تطابق معنوي للقرآن من غير استطراد للكلام, ومراد كلام الترجمة هي مراد لله سبحانه وتعالى, أما التفسير مخالف لجميع ذلك وفيه يُقطًع أحياناً أنه مراد لله, وأحياناً يُظنُّ ذلك, والتفسير قد يكون باللغة العربية، أما الترجمة تكون بلغة أخرى وتهتم الترجمة بالكلمة التعبيرية, بينما التفسير لا يلزم فيه ذلك.
ومن هذه الوجوه أيضاً تفترق الترجمة التفسيرية عن التفسير الإجمالي, بالإضافة أنه يختار في التفسير الإجمالي معنى واحد من عدة معانٍ محتملة, بينما في الترجمة التفسيرية قد تتعدد المعاني للفظ الواحد.
لكن هذا الترجمة هي الأخرى محفوفة بالأخطاء إذ قد يخطى المترجم في فهم معاني القرآن لأن قد يكون للفظ الواحد أكثر من معنى فأيهما يعتمد؟ ثم يخطأ ثانية في ترجمة هذه المعاني إلى لغة أخرى من أجل ذلك كان لها قيود وشروط لتقليل تلك الأخطاء من أهمها تمكن المترجم من لغة القرآن بمطلقه ومقيده ومجمله ومبينه وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه ومشكله وايضاحه, مع تمكن بقواعد الله العربية خصوصاً النحو والصرف والبلاغة, بل لا بد من استيفائه لشروط المفسر حتى يخرج بأصح تفسير معتمد, وتمكنه من لغة الترجمة, وأن يكون بعيداً عن الهوى والتعصب.
وما نصّ القرآن على الترجمة, ولم تعتبَر رسائل النبي (صلى الله عليه وسلم) في دعوته ملوك عصره نوعاً من الترجمة لأنها لا يصدق عليها القرآن, وإن تضمنت بعض الآيات, فإنها نفسها مكتوبة بالعربي, ولم يأت أثر صحيح عن السلف الصالح, وما روي عن سلمان الفارسي إنه ترجم الفاتحة إلى الفارسية فهو أثر ضعيف لم يرقَ إلى الصحة, وما جاء عن أبي حنيفة بجواز قراءة الفاتحة في الصلاة بالفارسية لمن شقت عليه العربية لم يوافق عليه أحد, ولم يعمل به من الثقات, وقد رجع أبو حنيفة عن رأيه هذا, ولكن الترجمة جاءت من اجتهادات العلماء.
وحكم الترجمة الحرفية غير جائز, لاستحالة مطابقة الترجمة الحرفية للأصل القرآني, ولأنها تؤدي إلى الإخلال بمعاني القرآن ومراميه, فتخرج عن لوازم الترجمة وشروطها.
أما الترجمة التفسيرية فهي حلال إذا لا تعتبر قرآناً, وقد جاز السفر بها إلى أرض العدو, ولم تدخل في نهي النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك, الوارد في شأن القرآن وشأنها شأن رسائل النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الملوك والأمراء وإلى من يدعوهم إلى الإسلام من قبائل العرب.
هذا, إذا اشتملت هذه الترجمة على معاني القرآن الأصلية أو حتى معها المعاني التابعة, وهناك اتجاه يقول: إذا كانت الدعوة إلى الإسلام واجبة, والشعوب لا تفقه العربية, فإن ترجمة القرآن واجبة, لأنه لا تتم الدعوة بدونها, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, والحقيقة أن وجوب التبليغ لغير العرب لا يتعلق بترجمة القرآن, بل يجوز على الناس أن يتعلموا العربية, لقراءته والإنهال من علومه وهداياته, وتتعلق الترجمة بالمعارف الاسلامية الأخرى غير الكتاب والسنة, هذا ووجوب التبليغ مأخوذ من قوله:(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة ـ ٦٧), ولو جاز أن يترجم القرآن, وجعلها بدلاً عنه لكان الأولى أن يجوز إبداله بكلام عربي مرادف لمعانيه, وتعلم اللغات الأخرى أمر دعا إليه الإسلام للجواب على الخطابات وغيرها, قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(تُحْسِنُ السُّرْيَانِيَّةَ؟ إِنَّهَا تَأْتِينِي كُتُبٌ، قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَتَعَلَّمْهَا، فَتَعَلَّمْتُهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا) ـ )رواه أحمد في مسنده) ونلخص إلى قول الجمهور بفساد الترجمة الحرفية وجواز الترجمة التفسيرية بشروطها.

إلى الأعلى