الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. قراءة في العمق .. لخلفية استحالة المصالحة الخليجية

العين الثالثة .. قراءة في العمق .. لخلفية استحالة المصالحة الخليجية

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

شخصنا في مقالنا أمس الأول الاثنين “أيها العمانيون .. هذه ضرورات الواقع .. فانتبهوا لها” طبيعة واقعنا العربي عامة مع تركيزنا على شأننا الخليجي، ورأينا من خلاله أن هذا الشأن يقودنا لمرحلة انكسارية غير مسبوقة خليجيا، وقد تكون انشطارية وغير مسبوقة، ويحدث ذلك للأسف الشديد بإرادة خليجية مع سبق الإصرار والترصد في اللامبالاة واكتراث مما يحدث من تحولات وتبدلات في خريطة المذهبية السياسية الإقليمية التي تشتغل عليها دولة إقليمية كبرى بوع كبير عبر مخطط ذكي معلوم بعضه ومجهول في كثيره، لكنه من المؤكد يستغل الآن انشغالات كياننا الخليجي في تأسيس عداوته الخليجية الجديدة والمستدامة، فهل هناك من علاقة بين هذه الانشغالات “الارتدادية” وبين المخطط الإقليمي؟
نطرح ذلك التساؤل المهم جدا، وذلك على اعتبار أن التحولات الكبرى لا يمكن تحقيقها إلا من خلال صناعة أحداث لها نفس الوزن تهيئ الظروف لنجاحها، فهل يلعب بكياننا الخليجي الآن من تلك الخلفية؟ وهذا يحتم علينا نحن العمانيين أن نفهم بوع طبيعته المرحلة الراهنة، وكيف ينبغي أن ندير بلادنا؟ وعلى وجه الخصوص كيف نحافظ على تعايشها الفكري والديموغرافي في ظل تحدٍّ إقليمي غائب أو مغيب عن كياننا الخليجي ـ سيأتي الإشارة إليه لاحقا ـ لأنها أي منظومتنا الخليجية قد شغلوها بقضاياها، وفجروا عليها هواجسها وهمومها وصراعاتها على مصاريعها، وسوف يصعدونها حتى تتحقق أجندتهم، وأهم هذه الأجندة القضاء على الفكر الذي ولد مفجري اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، والفكر نفسه ـ كما يعتقدون ـ هو الذي يؤطر فكر داعش والنصرة .. وهو الفكر الذي يعتقدون أنه سيظل ينتج للعالم مشاريع جهادية يسمونها انتحارية ما لم يتم استبداله بفكر آخر لا يعادي الغرب، ولم يكن له سوابق دموية معه، فمن هو البديل؟ تساؤل نطرحه بهدف فتح الآفاق بما يخطط للمنطقة على خلفية العداوة الخليجية الخليجية الجديدة التي وصلت شروط حلها إلى حد المستحيل، كل أطراف النزاع مصممة على عدم التنازل، ومصممة للذهاب في عداوتها إلى مستوى اللاعودة، لماذا؟ ربما هناك من يدفع بها إلى ذلك لغرض التهيئة للتحول الكبير، فهل هذه الدول تعيي خطورة هذا المستحيل عليها كأفراد وكجماعة؟ إنها تبدو الآن ضعيفة أكثر ما سبق، ولن يشكل لبعضها علاقتها الدولية قوة إذا ما تزعزع داخلها، وكذلك إذا ما تعارضت قوة علاقتها الدولية مع بعضها، وكذلك إذا ما كانت هذه العلاقة متواطئة مع التحول المذهبي، وستظل بلادنا معنية دائما بماهية الخلفية الأيديولوجية الغالبة التي تؤطر البنية التحتية للمكون الديموغرافي الإقليمي، هل هو ينسجم ويتناغم في تعايشه مع الفكر المختلف معه أم يعاديه؟ وهل هو فكر يقبل الانحصار الجغرافي أم التمدد؟ ما يطرحه التساؤل الأخير من عمق في الرؤية أخطر على خليجنا من تداعيات خلافها الراهن الذي أساسه التباين في رؤية التهديدات والتحديات، والحفاظ على الذات الفردية من مطامع ذوات داخلية خليجية، متناسين أن المرحلة الراهنة تهدد الفرد والجماعة، ومن خارج النطاق الخليجي، ونعتقد أنهم وقد وصلوا إلى مرحلة متقدمة فيه، ولدينا استشراف نافذ ورفيع بهذا التحول المخطط إقليميا وكونيا، وهذا يجعلنا نطرح مجموعة تساؤلات كبيرة جدا، بعضها سيبدو وكأنها غير مرتبطة بتسلسلنا التحليلي الهرمي، وسوف تبدو وكأنها إقحام أو إسقاط غير موضوعي على الموضوع، لكنها في الجوهر هي في صلب الموضوع من حيث الإلمام بجوانبه المختلفة وهي، كيف ينشغل خليجنا بمعالجة ظواهر فوق السطح ويترك ما تحت قاعه، وهو الأهم؟ وكيف يستنزف أمواله الضخمة في صراعات خارجية لمحاربة فكر مختلف معه، وهو يعلم علم اليقين أن تداعياتها سوف ترتد عليه آجلا أم عاجلا؟ وبهذه الصراعات يؤسس لنفسه ولجيله المقبل عداوات وثارات سياسية عميقة ستجمده لسنوات طويلة، وكيف لخليجنا يدخل مع ذاته الجماعية الواحدة في خصومات تشغله وينشغل بها؟ كيف يحدث كل ذلك وهناك من يحاول إعادة تشكيل جغرافية المنطقة السياسية لصالحه من منظور مذهبي؟ وهو الآن في طريق اختراق نجاحات إقليمية كبرى، لو نظرنا لخريطتها فسوف نجدها تحاصر الخليج العربي من كل الجهات، المباشرة وغير المباشرة، غير جغرافيته التي تحاصر أجزاء رئيسية وكبيرة من كياننا الخليجي العربي، كما تسجل اختراقات كذلك داخل هذا الكيان “علانية وسرية” وكفى بذلك الحصار الجغرافي تحديا كبيرا لكياننا الخليجي، فكيف بامتداداته الجديدة والمستقبلية، وللأسف الشديد وحداتنا الخليجية التي تشكل واحدة متحدة في بنياتها الفوقية والتحتية، وتشكل كذلك امتدادا جغرافيا وبشريا واحدا، وبها ينبغي أن يصبح عدوها واحدا وصديقها واحدا، قد حولت بوصلتها بكل ما أوتيت من قوة من عداوة العدو المشترك إلى صناعة عدو من داخل ذاتها، بل الأعجب أنها تشعر الآن بالاستقواء بعدوها القديم والدائم المستديم، وترسخ عداوة مع شقيق وجار أصيل.
هل لا تزال هناك فرصة سانحة للهروب من قدر الله إلى قدر الله؟ لدينا تشاؤم كبير في استدراك خليجي للخطأ الاستراتيجي في الأجل القريب، وبالتالي، تشعر بعض دوله الآن بالذات، بأنها محاصرة “مذهبيا” في زاوية ضيقة، ووحدها في وقت تخشى فيه كثيرا من داعش وأخواتها الداخلية والخارجية، علما أنه كانت لديها فرصة كبيرة لحمل شعوبها على التعايش المذهبي في إطار الدولة الواحدة وفي داخل الإقليم الواحد المتعدد الأفكار، ولو حدث ذلك، فسيكون ذلك نتاج وعي سياسي إقليمي فريد وطبيعي، ويجب أن يتجاوب معه كل الفاعلين الدينين والسياسيين والمثقفين، لأن الكل يعبر في سفينة واحدة في محيط ملغم بالمتفجرات .. وضعت بفعل فاعل أو بفعل سياسات حكومية متراكمة، وقابلة للانفجار في أية لحظة، فمن سيظل متمسكا بأحادية فكره، وبضرورة سيادته أو إقصائه للأفكار الأخرى؟ عندئذ سيظهر لهم أن هناك مصلحة شرعية تحتم التعايش رغم الاختلاف .. لأن البديل سيكون إغراق السفينة بالكل في قاع البحر؟ عموما، خليجنا هو الآن أبعد عن الاحتكام للعقل لشعوره بقوة المال وقوة علاقاته الدولية التي يراها ضمانة للدفاع عن مصالحه، والمفارقة أن الكل أو معظمهم لديه نفس الشعور بالقوة، ومصدرها دولة أو كيان واحد “كالناتو أو أميركا” وهذه كبرى المفارقات، فكيف نجح الغرب في إدخال وهم الاستقواء بهم لدى كل الأفرقاء؟ الذي يعنينا هنا، بلادنا، وتحديدا منطقة الوعي العام، فعليه العلم بالضرورة، أن إمكانية الحفاظ على الضرورات الخمس للحياة، وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال .. في أيدينا، ولم نفقد هذه الإمكانية ولله الحمد رغم أننا نعبر معهم في نفس المحيط، ولن نفقدها رغم أمواجه العاتية وعواصفه الشديدة، دمنا واعين بضرورات الواقع التي أشرنا إليها في مقالنا السابق ومقالي اليوم، وعلى وجه الخصوص علماؤنا وخطباؤنا ومثقفونا، فهم الذين يقودون المجتمع داخل السفينة، فإما أنهم يساعدون قائدها على العبور الآمن أو يدخلونه في حسابات كلها معقدة وخطيرة، فماذا سوف تختارون يا أهل عُمان؟ يا من أشاد بهم رسول البشرية جمعاء عليه أفضل الصلاة والتسليم عندما ادخلوا الإسلام طواعية أي ليس بالقوة أي بالعقل؟ فما أحوجنا للعقل من الكل، فالعبور الآمن له ثمنه الكبير، ينبغي أن يدفعه الفرد والجماعة والحكومة، فمسؤولية هذه الأخيرة أعظم، وعليها أن يكون كل أفعالها ذكية، ولن يقبل منها أي خطأ مهما كانت أسبابه ومبرراته .. لأننا في مرحلة العبور الآمن، وهذا العبور (نكرر) يحتم تشكيل لجنة طارئة خاصة لضمانة هذا النوع من العبور.

إلى الأعلى