الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / للتراب حنين وروح عند كل منتمٍ لتراب

للتراب حنين وروح عند كل منتمٍ لتراب

علي عقلة عرسان

للتراب حياة في كيان من يعشق ترابًا، وله معنى الحياة ورائحة النعيم عند كل منتمٍ بقوة وصدق إلى تراب هو في جوهره نِعَمٌ بعضها مقيم، وللتراب جاذبية قوية تكاد تلصق الإنسان به كما تفعل جاذبية الأرض في ما هو ومن هم عليها، وفي ما تقيمه وتحفظه من توازن مع الأجرام الأخرى في الكون .. وحين يكون التراب أرض نشأة وعيشٍ وذكرى وبيئةً حاضنة فإنه يصبح في مقام المهد واللحد وما بينهما من حياة، وتحمل معالمُه ومظاهر الحياة فوقه ورسومُه وما بقي في القلب والعقل من معطياته وكل ذرة من ذراته نكهةً خاصة وبواعث تحرك دوافع قوية .. ويثير التراب حين البعد عنه عواطف ومشاعر وذكرياتٍ تعصف بكيان المرء كأنها عواصف البحر أو الرمل الهائجة، ولا يلبث أن يصبح العمر كله حنينًا متواصل الموج يضرب القلب والروح بصخبٍ وعنف، ويدفع باتجاه التراب العيش والمنشأ .. ويشتد وقع هذا على النفس والجسد معًا حين يحول بين الإنسان المنتمي وتراب نشأته الحاضن لشخصيته وهويته وخصوصياته حائلٌ يمنع الوصول إليه باطمئنان، سواء أكان ذلك الحائل رعبًا بسبب الإرهاب أو الحرب أو بسبب فقدان الأمن، أو لاضطراب اجتماعي يشكل تهديدًا للحياة ذاتها، أو نذيرًا بمصير مظلم يشيعه استبداد وقهر وظلم وعنجهية جاهلية وجهل .. حيث يضطر المرء إلى المفاضلة بين العيش في قهر الغربة وبين الموت قتلًا أو التعفن في رطوبة سجن وجوف خوف.
أحن إلى تراب نشأتي، إلى حاضنتي الاجتماعية والعاطفية، إلى بيت ذكرياتي ومرابع طفولتي، إلى طريق ترابية مشيتها بليل، وحقلٍ عملت فيه ليل نهار، وقمرٍ تفتحت على نوره أحلامي وتشوَّفت في ظلاله مستقبل أيامي، وأحن إلى أيام فيها من القسوة ما بقي جراحًا في الروح وفيها من نشوة الالتصاق بالأرض والناس والعيش رغم الشدة ما يشدني، بعد كل هذا العمر، إلى الأرض والناس والشدة!! .. أحن إلى تراب أتفاعل معه عضويًّا ويحول بيني وبين الوصول إليه خوف وقهر وفقدان أمن وإرهابٌ وحربٌ وجاهلية وجهل، وفتنة ترفع رأسها وتصرخ وتنفث الموت وتكرج كرات نار تحرق الأخضر واليابس، ويتسع مداها المنذر بمزيد من الويل والثبور وعظائم الأمور مع كل دورة من دورات حراكها المدمر القتَّال.
لست المستهين بحياة، حياتي أو حياة سواي، ولا الجاهل بمقومات العيش وضروراته ومسوغاته وشروط الكرامة فيه أو المتجاهل لذلك باستهانة، ولا أنا بالخارج على تكليف الله سبحانه لمن خلق ورزق وأحيا، بأن يستقيم المخلوق كما أمر، وأن يعبد الله تكليفًا وسبب حياه: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، ولا أشك أو أشكك بالحكمة الإلهية الكبرى من وراء الحياة والموت، الموت والحياة .. فكل نفس ذائقة الموت، وهو الذي “يحييكم ثم يميتكم ثم يحييكم.. إلخ”، ولا يخامرني أدنى شك بوجود حكمة إلهية من وراء خلق “يقتل بعضهم بعضًا ويفسدون في الأرض”، وأقول في كل وقت وبعد كل حدَث جلل وكارثة تنطوي على جنون أو جنون يتسبب بالكوارث: “.. ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك” .. ولكن نفسي، والنفس أمارة بالسوء، تسأل وعقلي القاصر عن استيعاب الحكمة الأشمل يتساءل بصوت الإنسان المبتلى بالإنسان: إذا كان الله سبحانه خلق ورزق وأمات وأحيا .. فما شأن الإنسان يدعي أنه يفعل ذلك؟! ولمَ ينصب نفسه إلهًا أو خليفة لله على الأرض، يريد أن يغتصب دور الخالق؟ أهو مجرد أداة، أم هو كائن خارج عن كل سلطة، أم تراه يستشعر أنه في العماء الأول يتولد بشرًا ـ إلهًا، ويستكره أن يكون فوقه إله!؟ وإذا لم يكن كذلك وأراد أن يتقمص الحكمة ويتنزل حكيمًا حاكمًا بتفويض يدعيه ليرضى الله وخلق الله .. فلمَ القسوة والظلم والكبْر والبطش والوحشية إلى درجة يكره معها الإنسان الحياة ويضيق بالآخر الإنسان، ويضيق بالدنيا على رحبها، ويحاول أن يخرج منها لا له ولا عليه؟! وما شأن الإنسان في الحياة يا ترى حين يحكم الخلقَ فيها مخلوقٌ منهم يخرج على إرادة الناس بقوة منحه إياها الناس، ويعصي الخالق فيما خلق وأمر، فيبطش ويظلم ويقتل ويخرج على كل قيمة وخلُق مما أمر به الله، ويتبعه وهو على تلك الصورة بشرٌ كثير ويطيعه بشرٌ أكثر، ويزيِّن له صورتَه وأفعاله من يقال إنهم أهل حجى وفقه وفتوى ومعرفة .. إلخ؟! أهو الخوف من بشر أكثر من الخوف من الله، أم هو الطمع والطموح وما في حكم ذلك من أمراض الأنفس، يزهو بها أشخاص عند مِراض العقول والضمائر من الناس .. أم ذلك يكون ويدوم لأن أمر حساب الله مرجأ إلى الآخرة أو إلى أوقات غير معلومة في الدنيا، وأن أمره ووعده ووعيده كل ذلك يغيب في تفاصيل حياة يكثر فيها الإغواء وتستمر الغواية، ويغشى عيونًا وقلوبًا من جراء ذلك ما يغشاها، فيلغ خلق في دماء الخلق غير هيابين إثمًا ولا حسابًا ولا يومًا يقف فيه الخلق أمام الخالق وكلٌ كتابه بيمينه؟! وإلى متى يستمر ذلك الوضع، وكيف يستمر.. وكيف يستقر أمر الخلق على ظالم ومظلوم، وجلاد وضحية .. في ظلمات بعد ظلمات ورعب يتبعه إرهاب، وجور من بعده قتل بهدف الإبادة؟! وكم يجوز لشخص أن يحرق ويدمر ويقتل وأن يكتب على أشخاص الذل والشقاء والبؤس وأن يكونوا ضحايا بينما يكون مع آخرين جلادين، ويكون لأمره قوة القضاء والقدر، لا يحاسبه الناس في أوقات وحالات كثيرة؟! .. وكم مر بنا وعلينا في عالمنا أشخاص طغوا وبغوا وقَتلوا وظلموا وشوهوا العدل والحق والحرية والخلق، وماتوا ودفنوا معززين مكرمين تحف بنعوشهم جحافل الناس، حتى ممن كانوا من ضحاياهم، وأتموا حياتهم من دون أن يحاسبهم أحد وحتى من دون أن يستنكف عن تمجيدهم أحد في بعض الحالات؟! أهي القوة ذات المنطق المعادي للحق والعدل والقيم الإنسانية، تلك التي تكبر كلما كبرت جرائمها وتفلت من العقاب، أم تراها مخاوف الخلق من ظلم الخلق تحني رقابهم للظلم والاستبداد، أم تراه بعدُ الشقة بين من لا يرى الله في قلبه وبين السماء وتجلي الله في ما خلق، تجعل الناس يزحفون على رموشهم خانعين خوف الظلم ومرآة للظالم، على مبدأ من قال: “حَفْ ممن لا يخافُ اللهَ”؟! ربما كان هناك ما لا ندركه بشمول، ولا يحيط به تفكيرنا بدقة ووضوح، ولا بد من أن هناك حكمة لا ندركها في ثنايا القول الكريم “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض.. الآية..”، ولكن يبقى السؤال ناشبًا في الحلق كسكين: لمَ أكون ضحية يا ترى ويكون غيري الجلاد؟، أهو الجبن أم الحكمة، أهو الخوف أم الطاعة، أم الإيمان والخوف من فقدان ضلاله وانعكاساته كليًّا في النفس والسلوك!؟ .. ومتى ينالني كبشر إنصافٌ وأنا حي إذا كان من شأن الحي ومن حقه في الحياة أن يعيش كريمًا وأن يستشعر الحرية والعدل، وأن يذوق بعض ما في الحياة من طيبات وهو في حالة أمن من جوع وخوف؟!
أحن إلى التراب الذي سقط فوقه رأسي حين صرخت بلا وعي عند قدومي إلى هذا العالم في وقت لا أدري أكان ليلًا أم نهارًا، وأشعر بالحاجة الماسة إلى دفء بيئتي الحاضنة، وإلى أن أزور قبر أبي وقبر أمي وقبور إخوتي وأخواتي وأجدادي وأصدقائي .. وأشتاق إلى ظلال البيت الذي تفيأت ظلاله ولذت به وبجدرانه من الحر والقر وعيون الشر، وأحن إلى دروب مشيتها وإلى أخرى تقت إلى السير فيها بأمان يقيمه العدل .. فترابٌ أنتمي إليه يناديني ويتردد صدى ندائه في خلاياي ويتصاعد إلى درجة الصراخ، ويعصف بي الحنين في كل حين فأراني في وضع أصعب من وضع ذات البَوِّ، وأراني منبوذًا مشلوحًا في التيه على أرمَض من الرمضاء كلما شعرت بأنني محروم من وطني ومدينتي وقريتي وبيتي والتراب الذي أنتمي إليه وينتمي إليَّ، ومن الحرية والكرامة والعدل، وأنه تقف بيني وبين ذلك العوائق والمكاره .. أشتاق إلى تراب الحقل والبيدر وإلى شجر البستان وثمره، وإلى رؤية انبعاث النجوم في السماء الصافية بعد كل غروب حيث كنت أنتظر نجمة المساء ونجم سهيل ودرب التَّبانَة، ولا أستطيع أن أصف شوقي إلى قمرنا، نعم قمرنا، وهو يتبختر في السماء بزهو وخيلاء، مرسلًا نوره بسخاء لا يُحد، مضيئًا عتمة قلبي الذي ينتظر قمره في السحَر، وناشرًا نوره في البيوت والدروب وحتى في القلوب حينما يلفنا ظلام من أي نوع ومن كل نوع .. ويا طالما لفنا ظلام واستبدت بنفوسنا ظلمات، من قسوة البيئة وظلم الحكام والتجار والساسة، بعد ظلم الاستعمار وظلام عدوان المعتدين على الأمة والأرض والدين؟! .. أشتاق إلى التراب الذي التصقت به ويلتصق بي التصاقًا لا اقتلاع منه ولا انفصام له، وأراني محرومًا منه مُبعدًا عنه مغلوبًا على أمري بشأنه .. فأصرخ وأصرخ وأصرخ .. ويرتد صوتي إليَّ وعليَّ صدى بلا ندى، ويبلغ أنين روحي المجرات النائية ولكنه لا يصل إلى عقل إنسان تبلد عقله ومات قلبه، من أولئك الطغاة البغاة القتلة الذين أحالونا إلى ما يشبه فرائس وحوش الغاب، وحولوا ترابنا إلى مقابر ومستنقعات دم ومواطن رعب وحفائر من جحيم، ودكروا فيما دمروا الإنسان والقيم والعمران وكل ما يبني الأرواح ولأوطان .. ولا يصل صوتي إلى أولئك البشر الذين يصنعون هالاتهم ويكوِّنون دوائرهم ويشكلون أذرعتهم ويرفعون المشانق بأمرهم ويحفرون سراديب سجونهم.. وحتى لو وصل صواتي إلى هؤلاء فما بيدهم حيلة لأنهم دربوا على إطاعة الأمر ولو كان فيه للحق غيلة.
أشتاق وأحن ويئن روحي مثل قلبي مثقلًا بما حمل وبما تحمَّل ولكن لا فائدة، فالوقت موت، وموت الضمائر فوق الموت موت..!؟ لا أدري ما هو حكم الله سبحانه وتعالى في عدم قبولي للفتنة وعدم إقبالي عليها، ورفضي للقتل مع أنني أواجَه به، وتفضيلي لأن أكون مظلومًا على أن أكون ظالمًا .. في حين تلتهم الفتنة قلبي وترابي وأحبابي وأترابي، وتلتهم وقتي ودمي وروحي وآمالي، وحاضري وماضيَّ والقادم من أيامي، حيث أرى الخطر القائم أقل شرًّا من الخطر المقيم .. لا أدري أين وكيف يكون ونكون، ولا أتبيَّن أفقًا مضيئًا في هذا الليل البهيم .. يقتلني الحنين، ويرعبني الإرهاب والتعذيب والعذاب وشبح الحرب/الفتنة الممتد بين الخندق والمحراب، ويثيرني حتى حدَّ التمزق تشردُ الأبرياء الذين كانوا أوفياء كرماء في بقاع الأرض يعانون من الجوع والمرض والذل، وتمزقني معاناة الأطفال التي فاقت كل تخيل وتخييل واحتمال، ويسد الأفق أمامي ضباب يلف مستقبل الأجيال وحاضرهم المترامي بين الجهل والمجهول والقاتل والمقتول!! ويضاعف الهم والألم تكاثف سجف ظلام الأيام، وبؤس السياسة والحكام، وسقوط “والثورات والثوار؟!”، وتمدد العدوان والتدخل الأميركي ـ الصهيوني ـ الغربي فوق سماء وطني الكبير قاذفات ومؤامرات واستقطاب الإرادات والدويلات، وتصفيات يريدها أعداؤنا لنا تتم بتمويلنا وأيدينا، حتى لا يبقى منا من يحول بين سيوف الحقد العنصري ـ الصليبي المشهَرة علينا وبين أعناقنا المستباحة للمعتدين؟!
وأقول بتسليم لله ويقين: كل أمرٍ إلى منتهاه، ولله في خلقه شؤون.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إلى الأعلى