الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى .. مولد الرسول الأعظم

رؤى .. مولد الرسول الأعظم

إن ذكرى مولد الرسول الأعظم، محمد صلى الله عليه وسلم، هي مناسبة لنتذكر هذه الشخصية العظيمة التي أشعت بنورها على البشرية جمعاء، وفرصة لنستعيد تعاليمه ونتمسك بها في حياتنا نبراسا ينير لنا الطريق في الحياة. فقد أدهش النبي بشخصيته وبسيرته العطرة القاصي والداني ومن بينهم كبار الكتاب والمفكرين في العالم فلقد خاض محمد صلى الله عليه وسلم في نظرهم معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مصراً على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ. وإننا لم ننصف محمداً كما يقول أحد الكتاب الغربيين إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا، فقد ظهر محمد بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر، بإشرابها الأصول الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة كما يقول المستشرق الأميركي (سنكس) في كتابه “ديانة العرب” ويقول الروائي والكاتب الروسي الكبير ليف تولستوي يكفي محمداً فخراً أنّه خلّص أمةً ذليلةً دمويةً من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريقَ الرُّقي والتقدم، وأنّ شريعةَ محمدٍ، ستسودُ العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.
ومثلما ذكر الأديب الألماني جوته أننا أهل أوربة بجميع مفاهيمنا ، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد ، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان ، فوجدته في النبي محمد .. وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد” ويوصف الكاتب والمسرحي الإنجليزي برناردشو الإسلام على أنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالداً خلود الأبد، ويضيف: وإني أرى كثيراً من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوروبا)، كما يضيف: إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمى منقذ البشرية، وفي رأي برناردشو أنّه لو تولّى محمد أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها، ويضيف برناردشو: فإن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائماً موضع الاحترام والإجلال ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم رئيساً للدولة وساهراً على حياة الشعب وحريته، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي بين ظهرانيها حسبما يقول المستشرق الألماني برتلي سانت هيلر، فكان النبي داعياً إلى ديانة الإله الواحد ، وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه، وإن في شخصيته صفتين هما من أجلّ الصفات التي تحملها النفس البشرية، وهما: العدالة والرحمة، ويقول الفيلسوف الإنجليزي توماس كاريل الحائز على جائزة نوبل في كتابه الابطال: لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث في هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خدّاع مزوِّر، وإن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة ؛ فإن الرسالة التي أدَّاها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لنحو مائتي مليون من الناس، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء أكذوبه وخدعه ؟.
كما يذكر المستشرق الدكتور زويمر الرسول الكريم في كتابه الشرق وعاداته بقوله: إن محمداً كان ولا شك من أعظم القادة المسلمين الدينيين، ويصدق عليه القول أيضاً بأنه كان مصلحاً قديراً وبليغاً فصيحاً وجريئاً مغواراً، ومفكراً عظيماً، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء.
ولم تكن هذه الاستشهادات المنصفة في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إلا غيضا من فيض، فكان بحق هو أهم وأعظم رجال التاريخ، حيث إنه يعتبر الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني والدنيوي، حسبما يذكر مايكل هارت في كتابه مائة رجل في التاريخ. فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدأوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته، ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحّد القبائل في شعب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم ، وأيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، فبفضل هذا الرجل العظيم أصبح للإسلام كدين موحد بالله مكانة في العالم ومعه تسير الفضائل حيث سار، فالكرم والعفاف والنجدة من آثاره ، والشجاعة والإقدام من انصاره ، ونختم هذه الاستشهات عن الرسول الأعظم بما ذكره الشيخ الإمام محمد عبده نقلا عن جماعة من أهل النظر في الأمم الغربية كما يصفهم : أقامت النصرانية في الأرض ستة عشر قرنا ولم تأت بفلكي واحد ، وأخذ المسلمون يبحثون في هذه العلوم بعد وفاة نبيهم ببضع سنين، فأجادوا فيها أيما إجادة وأذهلوا العالم باكتشافاتهم.

أحمد الرحبي

إلى الأعلى