الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ثوابت “الربيع العربي”

ثوابت “الربيع العربي”

علي عقلة عرسان

” .. تقييم الوضع السياسي في تونس وسائر بلدان الربيع يدعو لوضع حزمة الثوابت التي أمن بها حزبنا الإتحاد الوطني الحر في سلم أولويات نقترحها على رئيس الحكومة التونسية القادم وعلى المسؤولين في الأنظمة العربية الجديدة لأن الحالة المتأزمة متشابهة لدينا جميعا والحلول العقلانية الموضوعية ممكنة…”
ــــــــــــــــــــــــــــ
تشرفت بإسناد الكلمة لي من قبل سليم الرياحي في إجتماع المجلس الوطني لحزب الإتحاد الوطني الحر في تونس يوم الجمعة 10 جانفي (يناير) لأني كنت في داخلي متشوقا لفرصة التعبير عن رأيي المتواضع في الثوابت التي أعتقد أنها تشكل حزمة إجراءات جريئة لإنقاذ لا تونس فقط بل كل البلدان التي أنجزت تغييرات عميقة على أنظمة الحكم الفردي والعائلي فيها لأني مثل أغلب الناشطين السياسيين والملاحظين الأكاديميين بدأنا نصاب بخيبة أمل كبرى في مسارات تلك التغييرات التي يسميها البعض ثورات والبعض الآخر انتفاضات بل وينعتها فريق من المحرومين من الامتيازات الشريرة بالمؤامرات وهو موقف أقل ما يقال فيه أنه إهانة لأرواح شباب عربي مهمش ويائس خرج بصدوره العارية يواجه الرصاص والقمع طلبا للحرية والكرامة والشغل. فالعجز والأخطاء التي ميزت أداء هذه النخب الحاكمة الجديدة مهما بلغت فهي لن تبرر إدانة هذه التحولات الجذرية الحتمية في الأسس السياسية ولا تبرر الحنين لماضي الاستبداد ولا البكاء على أطلال قادة تشبثوا بالحكم حوالي نصف قرن باسم الجمهورية فاقتسموا مع عيالهم وأصهارهم غنائم السلطة بينما اقتسمت شعوبهم شظف العيش ومذلة القهر وخزي التعذيب والتنكيل و التشريد.
قلت في مداخلتي بأن تقييم الوضع السياسي في تونس وسائر بلدان الربيع يدعو لوضع حزمة الثوابت التي أمن بها حزبنا الإتحاد الوطني الحر في سلم أولويات نقترحها على رئيس الحكومة التونسية القادم وعلى المسؤولين في الأنظمة العربية الجديدة لأن الحالة المتأزمة متشابهة لدينا جميعا والحلول العقلانية الموضوعية ممكنة بفضل الاعتبار بما وقعنا فيه من سوء تقدير ومن أخطاء جعلت الأغلبية من المواطنين تيأس من الربيع و ممن كان سببا في الربيع. وهذه الثوابت عددتها وصنفتها وهي كالآتي:
أولا اعتقدت النخب الحاكمة الجديدة أن تاريخ بلدانها يبدأ من يوم استلامها السلطة فألغت فضائل وكفاءات الدولة العميقة بكوادرها العريقة والتي كانت قائمة وفاعلة وناجعة لمدة عقود وبعض تلك النخب سنت قوانين عدالة انتقامية وانتقائية عوض العدالة الانتقالية وعوضت الأكفاء بالموالين والمقتدرين بالأنصار وكما أردد دائما لم يستمعوا لنصيحة نيلسون مانديلا الذي دعاهم لتأسيس الدولة الجديدة على ركائز الدولة التقليدية مع مقاومة الفساد وعقلية النهب ومساوئ القمع وانتهاك الأعراض والحقوق.
ثانيا إعادة النظر في ملف الأمن وبسط الأمان وقد اقترحنا في الحزب منذ سنتين إفراد الأمن بوزارة نسميها وزارة الأمن والأمان وتبقى الداخلية لتأطير المجموعات المحلية من ولايات (محافظات) و معتمديات (مديريات محلية) وبلديات بلا أمن وبلا الاطمئنان للسلام المدني لن نعيد لاقتصادنا المستثمر المهاجر ولا السائح المرتاب ولا يستقر مجتمع عامل وخاضع للقانون فالذي نراه هنا وهناك من انتشار العنف و السلاح و تفشي الجريمة هو الناتج الطبيعي لانعدام أمن جمهوري محايد واحترافي.
ثالثا إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني بإجراء تغييرات عميقة في فلسفته وتوجهاته وآلياته ومنها السياسة الجبائية التي يرفضها الشعب اليوم لأنها كما قال السيد سليم الرياحي وضع قانون المالية التونسية لها لسنة 2014 موظفون بوزارة المالية في أيديهم آلة حاسبة دون تشريك رجال اقتصاد وسياسيين وعلماء اجتماع فجاء قانون المالية لهذا العام نصا إملائيا إنشائيا لم تقدر الحكومة أضراره السريعة على الطبقات الفقيرة والمتوسطة. كما أن موازين الدولة لهذه السنة لم ترتق لخدمة أهداف التغييرات الكبرى لا في الملف الحارق وهو تشغيل الشباب ولا في الاقتراب من العدالة بين الجهات و بين الفئات بينما الظلم الاجتماعي هو السبب الأكبر للغضب الشعبي في تونس وفي كل بلدان العرب ذات الرمال السياسية المتحركة.
رابعا إعادة النظر كليا في منطلقات التربية والتعليم باتباع تجارب المدرسة المفتوحة التي نجحت في بلدان تقدمت علينا خطوات والوصفة سهلة يسيرة حيث ترتبط المؤسسة التربوية بالبيئة التي توجد فيها وذلك بالتخلي التدريجي عن مبدأ البرامج المشتركة تماما فالدول الناهضة أمثال كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة والسويد والنرويج والدانمارك أنشأت المدارس والمعاهد والجامعات وغرستها في محيطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بإسناد تأطيرها إلى مجالس إدارة تتشكل من نخبة القرية أو المدينة التي توجد فيها المؤسسة و رجال الأعمال و أصحاب المؤسسات الاتصادية و الصناعية فيتم غرس المدرسة في محيطها الطبيعي و البشري حتى يتكون و يتربى الجيل القادم على محبة أرضه ومعرفة طاقاتها الكامنة و تنمية قدراتها (و قدراته الذاتية) فتتحول المؤسسة التعليمية إلى منارة إشعاع و إلى رحم يحبل بمن يخدم المنطقة و من لا يفكر في هجرتها للداخل أو الخارج و هذا لا يمنع من سن جذع تعليمي مشترك ليقدم الأصول المعرفية الوطنية كقاسم مشترك لا محيد عنه.
خامسا إعادة بلادنا (وبلدان الربيع) إلى سالف منزلتها على الصعيد العالمي فقد خسرت تونس في ظرف سنتين ونصف سمعتها العالية التي تمتعت بها زمن بورقيبة و بدأت تنهار في عهد بن علي بسبب الخروق الفاضحة لحقوق الإنسان وسن تقاليد الديمقراطية المغشوشة وضرب عرض الحائط بكل المواثيق الدولية التي أمضينا عليها. أما اليوم فقد تدحرجت منزلة تونس في المحافل الدولية والمجالات الدبلوماسية بسبب تعدد رؤوس السلطة التنفيذية و فقدان الخبرة في التعاطي مع العلاقات الدولية فساءت علاقاتنا مع عديد الدول الصديقة والشقيقة وفقدنا مصداقية ثمينة حصلناعليها بامتياز بنجاح الوفاق الوطني وتجنيب بلادنا الصراعات الأهلية التي انتشرت في بلدان قريبة منا. والمؤسف أن بعض بنود مشروع الدستور التونسي القادم لم تحسم مشكلة تعدد رؤوس السلطة التنفيذية بل دسترتها فالله سبحانه ثم الشعب بوحي منه وعون قادران على تصحيح هذا الخلل.

إلى الأعلى