الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مكابرة العدو وما أثبتته المعركة

مكابرة العدو وما أثبتته المعركة

د. فايز رشيد

أخيرا, وافق العدو على فتح المعابر وإدخال البضائع, إلى جانب وقف إطلاق النار. رضخ العدو إلى بعض المطالب الفلسطينية على طريق التفاوض على الأخرى. فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها وبذلك فإن شعبنا حقق انتصارا في معركته الحالية. المعركة مع الاحتلال لم تنته بعد, فهي مستمرة. قادة العدو كانوا حتى الحظة الأخيرة, كانوا مكابرين! ليس نتنياهو وحده مكابرا, بل كل صبيانه في الحكومة الحالية! ليبرمان الفاشي المتعصب هو وزميله بينيت, طالبا بعملية برية لإعادة احتلال غزة, أي أنهما يزايدان على رئيسهما! تصريح وزير الأمن موشي يعالون, وهو الأقدر على معرفة حالة الجيش, وفي تصريحه الشهير (السبت, 23 أغسطس الحالي) قال بالحرف الواحد: “نحن لسنا قادرين على حرب استنزاف طويلة. إن هدف إسرائيل من إطالة الحرب هو إعادة حركة حماس ـ يقصد المقاومة ـ إلى المفاوضات”. التصريح نشره موقع “واللا” الإسرائيلي. لم يمضِ على نشر التصريح دقائق معدودة, حتى اضطر الموقع إلى إزاحته من على صفحاته! التصريح فيما بعد جرى إلحاق جملة به, هي “وفقا للشروط الإسرائيلية”! بالطبع حذف التصريح وتعديل كلماته جاء بناء على أوامر عليا. تناقض إسرائيل يظهر أيضا في الرفض الإسرائيلي المبكر (مباشرة بعد نشره في الإعلام) لمشروع قرار أعدته كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا, من أجل تقديمه لمجلس الأمن ويدعو إلى “وقف دائم لإطلاق النار, رفع الحصار عن قطاع غزة, وضع نظام مراقبة لخروقات وقف إطلاق النار, وإيجاد نظام مراقبة للبضائع التي تدخل إلى قطاع غزة”.
تصريح يعالون شكل صدمة للإسرائيليين, ومفاجأة لأعضاء الحكومة الآخرين, وانحرافا عن الخط السياسي ـ ا لإعلامي الإسرائيلي طيلة أيام العدوان على القطاع. لكل ذلك: اضطر في اليوم التالي وبعد اجتماع دوري للحكومة المصغرة التي هو عضو فيها إلى التساوق في التصريحات مع نتنياهو والمسؤولين الآخرين. من مكابرة القادة الإسرائيليين: التناقض الذي أظهروه في تصريحاتهم, حول بقاء المستوطنين في مستعمراتهم المحيطة بغزة والنوم في بيوتهم أو تركها والذهاب إلى الملاجئ أو حتى باتجاه الشمال. يستنتج من ذلك: أن إسرائيل عانت مأزقا عنوانه: إطالة الحرب (على العكس من العقيدة الأمنية الإسرائيلية ـ هذا الأمر يعرفه القاصي والداني), وأن زعماءها عندما يصرحون عن إطالة العدوان واستمراره, فإنهم لا يعكسون الحقيقة, فهم كانوا يطمحون ويتمنون الوصول إلى هدنة طويلة الأمد ولكن دون الاضطرار إلى الظهور بصورة المنهزم, فهذا ما لم تعتده إسرائيل.
من يقرا خلف سطور التصريح وبين كلماته وثناياه, يدرك وبلا أدنى شك: حالة التعب وعدم القدرة على تحقيق الأهداف التي أوكلت للجيش الإسرائيلي! هذه الحالة عاكسها نتنياهو والوزراء الآخرون في حكومته وبعض القادة الأمنيين والعسكريين الإسرائيليين! وازع كل هؤلاء: الحقائق (التي هي ليست أكثر من أضاليل وترهات ليس إلا), منها “أن الجيش الإسرائيلي قادر على صنع المعجزات وفي غضون أيام قليلة فقط”. هذه الأكذوبة تحطمت على صخرة الصمود الفلسطيني والقدرة على نقل تأثيرات العدوان إلى الداخل الإسرائيلي, كما القدرة على الاستمرار في المواجهة.
تصريح يعالون يذكّر بتصريح لرابين بعيد إنجازه لاتفاقيات أوسلو المشؤومة, فعندما سأله صحفي إسرائيلي أثناء إجراء مقابلة معه لإحدى الصحف الإسرائيلية: عن الذي دعاه لتوقيع هذه الاتفاقية؟ أجاب رابين يومها بما معناه: فضيتان: الأولى, أردت جمع العدد الأكبر من (المخربين) ليكونوا تحت نظر إسرائيل وفي مجال إشرافها (هذا السبب ردده في جلسة الكنيست التي انعقدت لمناقشة الاتفاقية ووافقت عليها بأغلبية ضئيلة). القضية الثانية: أن الجيش الإسرائيلي لم يعد قويا مثلما كان عليه سابقا. سبب رابين الثاني أثار ضجة وتساؤلات واستنكارات شديدة في الداخل الإسرائيلي, وبخاصة في أوساط اليمين الفاشي المتطرف. بالتأكيد: فإن اعتقاده هذا كان سببا آخر (إضافة بالطبع إلى أسباب أخرى) في اغتيال رابين على يدي ممثل اليمين المتطرف إيجال عامير عام 1995. نعتقد: أن تصريح يعالون سيكون سببا لإشكالات عديدة له ستتبلور في الفترة القريبة القادمة. التصريحان المعنيان يمسان بشكل واضح إحدى (المقدسات) الإسرائيلية وهي “قوة الجيش الذي لا يقهر” والذي توليه إسرائيل وتسليحه وتدريبه كل الاهتمام.
من ناحية أخرى: فإن التجارب الفلسطينية الطويلة مع الكيان الصهيوني أثبتت, فشل نهج المفاوضات واعتمادها خيارا وحيدا استراتيجيا مع هكذا عدو, هذا أولا. ثانيا: أثبتت التجربة: أن المقاومة بكافة أشكالها وصورها, وبشكل خاص: الكفاح المسلح, هي القادرة (كما تجارب كل حركات التحرر الوطني) على إرضاخ إسرائيل للحقوق والمطالب الوطنية والشرعية الفلسطينية, لأنها: أجبرت الكيان على الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني بعد حقبة طويلة من إنكارها لهذا الوجود, (هذا لا يعني: أن كل الإسرائيليين يعترفون بوجود شعبنا فالبعض منهم ـ وعلى صعيد القادة خاصة ـ ما زالوا يتنكرون لهذا الوجود). المقاومة أيضا حققت الهوية الوطنية الفلسطينية وضمنت اعترافا دوليا واسعا بشعبنا وقضيته الوطنية, وهي في نفس الوقت مصدر ألم وخسارة للمشروع الصهيوني برمته ولكافة مناحيه ومجالاته الإسرائيلية.
فصائل المقاومة الفلسطينية, كلها, وحين انطلاقتها أعلنت تبنيها مبدأ وأساليب “الحرب الشعبية الطويلة الأمد” في صراع شعبنا مع العدو الصهيوني! وأن فلسطين من النهر إلى البحر هي الوطن الطبيعي للفلسطينيين. انزياح البعض عن هذا المبدأ, سواء في برنامج النقاط العشر, أو في التمهيد لمباحثات أوسلو ومن ثم اتفاقيتها وصولا إلى إسقاط البنود المتعلقة بالكفاح المسلح من الميثاق الوطني الفلسطيني في عام 1996, ووصولا إلى نهج المفاوضات كخيار استراتيجي وحيد لم يجلب سوى الدمار للقضية الفلسطينية ولحقوق شعبنا, أوصل إسرائيل فقط للاعتراف في حكم ذاتي لهم في الضفة الغربية وغزة وإشراف السلطة على القضايا الإدارية والحياتية لسكان المنطقتين دون امتلاك أية مظاهر سيادية, حتى الحد الأدنى منها. المفاوضات لم تزد إسرائيل إلا نهما للتنازلات الفلسطينية, وإلى زيادة الاستيطان والمذابح. إسرائيل لم تتوقف يوما (حتى في ظل اتفاقيات أوسلو) عن قتل الفلسطينيين شعبا وأرضا وأشجارا وجبالا وبيوتا واعتقالهم واغتيالهم والتنكيل بهم بكافة أشكال المذابح والإبادة.
إن الطريق للوصول إلى حقوق شعبنا الوطنية (وكما أثبتت التجربة) تتلخص في استنزاف العدو. يطمح إلى العودة لمفاوضات معهم قد يمدها إلى مئة عام في الوقت الذي يفرض فيه حقائقه الصهيونية على الأرض الفلسطينية ويجلب مستوطنيه من كافة بقاع العالم غليها, باعتبار إسرائيل (أرض الأمن والاستقرار) مع امتلاكه لحق العدوان إذا ما ارتأى: إن ارتأى أن في المناطق الفلسطينية ما يهدد أمنه. يريد للفلسطينيين أن يكونوا حراس أمن لإسرائيل!
لقد أثبتت المعركة (العدوان) أن الوسيلة الوحيدة لنيل حقوقنا الوطنية هي مقاومة العدو واستنزافه وليس التفاوض معه.

إلى الأعلى