الإثنين 6 أبريل 2020 م - ١٢ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / العربية لِسان.. والعروبة لِسان وانتماء وموقف وبيان

العربية لِسان.. والعروبة لِسان وانتماء وموقف وبيان

علي عقلة عرسان

لا غرابة إذن، في أن يكون عداء العنصريين، والأعداء التاريخيين للعروبة والإسلام، وللعرب والمسلمين، وعداء أقليات في وطن الأمة ومن مواطنيها، غدرت وتنمرت.. هو العداء الصارخ البطاش، الموجه بالدرجة الأولى إلى “اللسان العربي”، بما هو في شموله للهوية والذات، وفي تكامله ودِلالاته، وفي مواصفات أهله ومسؤولياتهم وبما ينبغي أن يكونوا عليه من وعي وفهم ووحدة موقف..

“العربية لسان، والعروبة انتماء وموقف ولسان وبيان”.. تكاد هذه الكلمات المكتنزات بالمعاني والدِّلالات، أو هذا التكثيف الموجز بكلمات، أن يقدم نظرة عربية إنسانية أصيلة، منتمية وشاملة في الوقت ذاته، للذات والهوية والشخصية، وللعلاقات الاجتماعية، الوطنية والقومية والإنسانية، في إطار العروبة والإسلام.. واللسان العربي يَلقى اليوم تعريضا من أشخاص وأجهزة ومؤسسات، واعتراضا من جهات وأقليات وأفراد، يتضمن الانتقاص والتحريض، وتنكُّرا له ولمبانيه وأبعاده ومعانيه، من بعض أبناء الأمة الذين يعيشون حالة تبعية، أو انفلاشا داخليا يجعل أصحابه يطفون على سطح الحدث والمعرفة والموقف، وكأنهم الوجه والمرآة والوعي والمصلحة والإصلاح والسبيل والأداة؟! وكل أولئك وهؤلاء، بما يمثلون من سياسات ومواقف وتطلعات، ويحمله بعضهم من عداوات.. يشكلون في نهاية المطاف جبهة مفتوحة على الأمة العربية وعلى الإسلام.. أقل ما يمكن أن يوصف ما تقوم به حملات تشويه وتسفيه، وتعريض واعتراض، وتزوير وافتراء.. بأنها “الجهل في ثوب التعالم، والعنصرية في مسوح الديمقراطية، اندياح العداء في تباهيات “النقد البناء؟!”.. وكل ذلك موجَّه، في هذه الأوقات والظروف والصراعات، وفي خضم ما نعانيه منه، من محَن وفتن وكوارث، موجَّهٌ للعروبة وللإسلام في معمارهما وقضاياهما، وللسان والبيان العربيين بصور شتى، تشمل التاريخي والدور المعرفي والحضاري، اللغة والأصول والجذور.. ويتطاول بعضها، بعتَه وصلَف شديدين إلى أن ينال من الأمة واللسان العربي، في أفضل ما حَمَلاه “القرآن الكريم، وعلوم الدين/الإسلام”، وما أضافاه إلى المعرفة الإنسانية والثقافة والعلم والحضارة، من عطاء، بلغة لا تملك ملْكها لغة، من حيث غنى قاموسها، ودقَّة مفرداتها ودِلالاتها، وموسيقاها، ونجاعة قواعدها، وقدرتها على الاشتقاق، وعلى الأداء بإبداع.
أعداء العرب يطعنون أمتنا وعقيدتنا اليوم، فيما يرون أنها مَقاتِل، ويشاركهم في ذلك عربٌ فقدوا الانتماء والبوصلة وسلامة التوجهات، وأساؤوا اختيار النهج والحليف، ويتعاون هؤلاء وأولئك مع قلة من أقليات حضنتها الأمة وأكرمتها، وحضنها المسلمون وحموها وعاملوها بمودة ورحمة.. فغدرت وتنمرت، وأخذت اليوم بالتآمر والتواطؤ والتحالف مع أعداء الأمة التاريخيين، وتجرأت على اللسان العربي والدين بشرِّ الادعاء والافتراء، إذ يقول أشأم غربانها، قولا فيه ما هو أكثر من الصَّلَف والعَتَه، يقول: “كذبوا عليكم إذ قالوا لكم القرآن بالعربية، فهو بالسريانية؟!” يا لله.. فمن الذي كذب علينا بشأن القرآن أيها الغِربان؟! وأين ورد القول الذي به تعرِّضون، وعليه تعترضون؟! وأي اجتراء هذا على التنزيل الكريم بلسان عربيٍّ مبين؟!.. وإذا كان كتابا بالسريانية فترجموه لنا إلى العربية، إن كنتم صادقين وقادرين، ولن يصدق المنافقون”؟!..
اللّسان، في اجتهاد، أوسع من اللغة التي هي من أهم مقومات الهُويّة لأي شعب من الشعوب وأمة من الأمم، وأداة تفكير وتأمل وتعبير وتواصل وتفاعل مع الكون والكينونات والكائنات الأخرى، وتكثف أبعاد الوجود الحي بنظر مالكها، وتكتنز الذاكرة والتجربة، وهي الشخصية الثقافية – الحضارية للأمة من وجوه مع مقومات أخرى منها الدين والعادات والتقاليد و.. و..، وهي تحمل كل ذلك وتحفظه وتنميه وتتهادى به من جيل إلى جيل، في أمة من الأمم، عبر الأزمنة والأمكنة، لتكون لمالكها ومتابعا والمتفاعل بها ومعها، معرفة وذاكرة ووعيا للذات والذوات الأخرى.. وانطلاقا من ذلك، يمكن القول إن من يملك اللغة، امتلاك فطرة وتكوين وتفكير وتعبير، وسيولة عضوية عميقة الانسياب والتفاعل والفاعلية، ويعيش في بيئتها ومبانيها ومحتواها ومجالاتها الحيوية “العلمية والمعرفية والإبداعية والعملية”، ويبدع بها، ويتعامل ويتواصل من خلالها مع الآخرين ويتفاعل معهم.. هو ابن تلك اللغة وهي أمُّه، هو منها وإليها، في انتماء وتكوين عضويين، وبصفة أوسع وأعمق وأبدع من الاستعراب أو الاستشرِق، أو.. أو.. ويكون انتماؤه ذاك لسان وليس مجرَّد “شَّفةَ”، أي أنه يستوعب اللغة فيما يستوعب، لا سيما الانتماء.
وحين تكون اللغة العربية، هي لغة القرآن، والحديث الشريف، والتشريع والفقه، فإن المسلم يرى فيها نفسه، بل وقد يراها نفسه على نحو ما، في تكوينه الروحي والثقافي، وتصبح من مؤسِّسات فقهه وفهمه العميقين للدين، “عبادات ومعاملات”، ومن أهم مداخله إلى إسلام يعززه يقين، ليصبح إيمانا راسخا لا يتزعزع.. فالمسلم في هذه الحالة يشبه من هو “عاربٌ”، بحكم ما يسمو على الضرورة والحاجة، أي بحكم الإيمان والرغبة في فهم أصول الدين، بلسان فيه الدقة وسحر البيان، ويدخل في أحد أهم مقومات الهوية، أي الدين، فاللغة والدين من أهم تلك المقومات.
وفي هذه الحالة ينزاح المفهوم القومي الضيق للأمة “العروبة أو غيرها”، وهنا نخص العروبة بحديثنا، لتصبح العروبة بمعنى من المعاني “لسانا”، إذ يرفع الإسلام، الانتماء إلى درجة الروحي والثقافي والحضاري والسموّ الإنساني، والأخوة الاجتماعية.. ولا يحصره في السلالة المبنية على العصبية، والدم، والعرق، والجنس.. أي إلى ما هو أوسع وأشمل وأعلى من الصلات والانتماءات القائمة على العصبيات السلالية وصلات الدم ومواصفات العِرْق أو الجنس البشري.. وهو لا يلغي تلك الصلات ولا يجتثُّها، بل يجعلها للتمايز لا للتَّميز العنصري، ويسمو بها لتحتل مكانة أعلى “روحية – ثقافية – إنسانية، حضارية”، تتماهى مع الأخوة في الدين، ومع الشرط الإنساني والمصير الإنساني، فيكون بذلك تلك الشجرة البشرية العملاقة، ذات الفروع الوطنية والقومية والعِرْقية التي تنمو وتستمد نَسَغَ الحياة من جذور عميقة راسخة، تحت مظلة روحية إنسانية أعلى.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ سورة الحجُرات.
فما أمة يا تُرى غير ما حمل لسانها وما اكتنَز، وغير ما تجلى وجودا وإبداعا في بيانها وأدائها الحضاري ذي الخصوصية والتمايز؟! وأي لسان أكثر غنى من لسان حمل البيان والقرآن، وأعطى فأغنى واغتنى، وأفصح وألقح، فأبدع وأمتع، وما زال وسيبقى.. عبر الأزمنة والأمكنة والجماعات البشرية.. إنه لسان الضاد، الذي يمتاز بفرادة لا مثيل لها؟!
يا لها نشوتي من نشوة ذاتٍ مشدودة كالوتر بين الماضي والحاضر، الحلم والوهم، الرجاء والقنوط، الراهن والمستَقبَل.. ويا لها من نشوة ذات مستغرِقة في أطيب المراتع، ومُغْرَقة في ما يثير المواجع، وويكتنفها ما يقُض المضاجع.. نشوة أعادتني إلى لساني، وأعادت إليَّ الحلم بانتعاش لساني، فجُلت بألم وثقة وعزم بين “اقرأ”، و”علَّمَ بالقلم” و”إنَّ من البيانِ لسحرا”.. نشوة أحس دبيبَها في نُقى العظام، رغم الصقيع، ويكاد نبضُها يفتِّق الأوردة والشرايين، رُغمَ الجَلْد.. أستشعرها روحا في أمة يوهنها أهلُها، حيث يشدونها إلى الجهل والتجهيل، ويبتلونها بالفتن، والاقتتال البينيّ، والارتماء في أحضان الأعداء، واتباع قصار النظر من أهل التسلّط عبر السُّلَط، والمتطلعين إلى سلطة ليمارسوا التسلّط.. فتؤول الأمة إلى الضعف والهوان، وينخر جسمها الفساد والإفساد، وينهكها ويُفسدُها الانتهازيون عُبَّادُ الأفراد، وتجوس أيدي أعدائها في كبدها، فتفري وتعرّي وتُذَرِّي الدم واللحم والعظم.. وها هو بعض الحصاد، وبعض الغلال أمامنا، في بيادرنا.. حصاد سنوات المقت والفتنة والموت، التي خيّمت في سمائنا، وحجبت عنا الرؤية السليمة، والأحلام العظيمة، والآمال الكبار، وكادت تحجب كلَّ العقل، وكل حسّ بالعدل، وحتى الماء والغذاء، حيث الملايين والملايين من أبناء الأمة عِطاشٌ، في نَصَبٍ وتيه وسغَبٍ، يدخلون جوف الرعب والمجاعة، جماعة بعد جماعة.. في حين يستمر نزف الدم، وهول الرّدم، وتتدحرج كرات نار الكراهية والفتنة والدم.. من دار إلى دار، في كل الأمصار، فتثير ما تثير، من ردات الفعل الكارثية وسوء التدبير؟! وكل تلك السوءات والكوارث التي جعلت لليأس في الأنفس جذورا وفروعا، وكادت تقضي على كل أمل في لقاء منقذ، وحوار منطقي مسؤول، بين لساننا وكياننا، في وطن هو بيت المَحيا وقبر الممات.. وطن يحيا بنا ونحيا فيه، ونكون به، وبنا يكون، ونرتفع معا إلى أشرف ذروة من ذرى المكان والزمان، لو أن الحال غير الحال، والأفعال والنوايا إلى بناء وليست إلى هدم..
“العربية لسان”، وفي هذا المنحى، ربما جاز القول “العروبة لسان”.. وفي بنية اللسان ومنتجه من الكلام، تتجلى بنية العقل، والعلاقة الجدلية بين التفكير والتعبير والتدبير.. حيث تتم عملية التفكير والتعبير، وتتبدَّى سلامة المنطق وقوته وقواعده ومناهجه، ومن ثم يتجلّى روح الأمة وقوامها وقيمها وإبداعها، في اللسان ومن خلاله تعبيرا وموقفا وتدبيرا، ويتشكل وعي معرفي – انتمائي – ائتماني، حول قضاياها ومصالحها وسياساتها وصِلاتها، وما ينبغي أن تَقْبَلَه من أحكام وممارسات، وما تتعامل به من أساليب، لتحفظ الحياة والحرية والكرامة من جهة، والعدالة والحقوق والمصالح من جهة أخرى، وذلك في مستوى الأداء والإدارة الداخلية الذاتية، وفي مستوى الأداء الخارجي في العلاقات والمعاملات والنزاعات والصراعات مع الأطراف والدول والقوى الخارجية..
ولا غرابة إذن، في أن يكون عداء العنصريين، والأعداء التاريخيين للعروبة والإسلام، وللعرب والمسلمين، وعداء أقليات في وطن الأمة ومن مواطنيها، غدرت وتنمرت.. هو العداء الصارخ البطاش، الموجه بالدرجة الأولى إلى “اللسان العربي”، بما هو في شموله للهوية والذات، وفي تكامله ودِلالاته، وفي مواصفات أهله ومسؤولياتهم وبما ينبغي أن يكونوا عليه من وعي وفهم ووحدة موقف، وصدق انتماء، وحسن تعاون وتكاتف ودفاع عن أنفسهم وعن قضاياهم وهويتهم وعقيدتهم وأرضهم ومقدساتهم، ومن عمل وإنجاز علمي – تقني يؤدي إلى نهضتهم وتفوق أدائهم إبداعا وريادة ودفاعا.. وكذلك العداء للغة العربية، جوهر ذلك اللسان وماسته النادرة، بما تمثِّله وما تحملُه من تراث فكري وعلمي وأدبي وفني، وما تحفظه من موروث في المجالات الحياتية – الحيوية كافة، لا سيما حَمْلُها للقرآن الكريم، ذاك الذي كُرِّمت بحمْلِه فحفظَها.. واستيعابها واكتنازها لكل ما يتصل بالدين/الإسلام.. في مقدمة ما يستهدفه أعداء الأمتين العربية والإسلامية الذين يستهدفون وجودها وعقيدتها وهويتها وتماسك شعوبها ودولها، وعلى رأس برامجهم ودسائسهم التي تؤدي إلى تحقيق أهدافهم، بصرف النظر عن الوسائل، فكل شيء عند أولئك مباح، والغاية لديهم تبرر الوسيلة.
إن هذا، كان وما زال، شأن أمم ودول وقوى طامعة بنا، ومعادية لنا، تستغفلنا وتفرقنا وتقتلنا، وتتقاتل بنا، وتضعنا الواحد منا ضد الآخر، وتستقطِب من تستقطب منا، لتضعفنا وتذلنا وتنخر عظمنا من الداخل.. وعلى رأس تلك الأمم والدول والقوى: الاستعمار الأوروبي الذي عانينا منه طويلا، ولم نتخلص منه ولا من نفوذه بعد.. والولايات المتحدة الأميركية، ذاك البلاء الأعظم، بإداراته وتطلعاته.. وهو الذي نبتلي به، ويُراد لنا أن نخوض صراعاته على النفوذ في المنطقة وفي العالم، وأن ندفع تكاليف ذلك الصراع، أرواحا وأموالا ومصالح وقضايا.. والصهيونية الشر البشري المستطير، وما تمثله من عدوان واحتلال وإرهاب ووقتل وممارسات، يقوم بها كيان الإرهاب والعنصرية “إسرائيل” الذي يمثلها ويعمل باسمها، بكل عدائها التاريخي لنا، وأداء رموزها من المجرمين والإرهابيين القتَلَة. وكل فعل أولئك وما تستدعيه أفعالهم وطموحاتهم وسياساتهم من تدخلات.. ينصب علينا، في “لساننا- شخصيتنا وهويتنا وديننا”، بنية ومضمونا، حاملا ومحمولا، وفي مجالات شهدت وما زالت تشهد تدميرا وتنكيلا وذبحا وإفقارا وتريدا واستهدافا بشعا للناس.. في جبهات عراك ديوكها منا، وصياحها وصولاتها منهم.. تطولنا في أوطاننا، وجغرافيتنا، وحيواتنا، وثقافتنا.. حيث تواجِه أمتنا كل تلك التحديات وتدفع تكاليفها.. والمؤلم البالغ حدَّ المقت والفتك بالذات والمبادئ والصلات.. أن أبناء من أبناء أمتنا، يحملون رايات أعدائها، ويحربون ويخوضون حربهم ضدها، ضدَّ شعوبهم وأوطانهم وعقيدتهم ووجودهم.. مؤلم، وذهل، وفتاك مدمر ما نحن فيه.. لكن اليقين عندنا “أن أمتنا العربية، وأن “لساننا العربي المبين”، بالمفهوم الأشمل والأكمل والأوسع، لما أشرنا إليه من مفهوم “اللسان – الأمة”.. أمتنا العربية ستبقى، ولن تزول، وستنتصر بعد كفاح طال أو يطول، ولن تحول عن أهدافها.. لقد عانت من كوارث وانكسارات كثيرة عبر تاريخها الطويل.. لكنها قاومت وصمدت وبقيت، وهي اليوم في خضم معاناتها ومآسها تقاوم، وستبقى تقاوم إلى أن تنتصر.. ونعلن ذلك باسمها وباسم نضالها ودماء شهدائها بثقة، وبأعلى الصوت، وبلسان عربي مبين.. “أمتنا العربية ستبقى وستنتصر”..
والله وليُّ الأمرِ من قبل ومن بعد.

إلى الأعلى