الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كتاب لباحث عُماني عن عروبة البربر

كتاب لباحث عُماني عن عروبة البربر

الجزائر-العمانية:
يناقش كتاب “حول عروبة البربر.. مدخل إلى عروبة الأمازيجيين من خلال اللّسان”، للباحث العُماني سعيد بن عبد الله الدارودي، واحدة من أهمّ القضايا التاريخية التي تشغل بال الكثير من الباحثين، وحتى العوام من ساكنة منطقة شمال إفريقيا، وهي تلك المتعلّقة بجذور البربر وأصولهم، وحقيقة مقولة إنّهم ليسوا عربًا.
ويستمدُّ الكتاب أهميّته العلمية من كونه ثمرة بحث قادت المؤلف إلى منطقة ظفار، الواقعة على الحدود مع اليمن، باحثًا في لهجاتها، منقّباً عن صلاتها بالبربرية، وظل منشغلاً، دون كلل أو ملل، لما يزيد عن 17 عاماً، بالمقارنات اللُّغوية ما بين اللّسان العربي بفروعه الكثيرة، واللّسان البربري المتعدّد اللّهجات، ليخرج بنتيجة أنّ البربر هم حقّاً عرب الهجرات القديمة التي قدمت من المشرق، وحطّت رحالها في شمال إفريقيا.
يقع هذا الكتاب الصادر بالجزائر عن دار النعمان للطباعة والنشر، في 286 صفحة، وينقسم إلى ثمانية فصول، وهي على التوالي: الفصل التمهيدي، والمعجم التجانسي، والإبدال اللُّغوي، والقلب اللُّغوي، وإسقاط الأحرف، وزيادة الأحرف، والنحو والصرف، والصوت اللُّغوي.
ويذهب المؤلف، في مقدمة الكتاب، إلى أنّ الدعوة البربرية قامت على الأساس العرقي، وإن ادّعت غير ذلك، وارتكزت على اللُّغة بصفتها الصخرة الصلبة الراسخة التي يمكن الوقوف فوقها بثبات لإيصال رسالة الحركة الأمازيجية، وتحقيق مطالبها، والوصول إلى أهدافها، فما انفكّ المنخرطون في هذه الحركة، منذ البداية، يُشيعون بأنّ أهمّ عوامل استقلال البربر عن غيرهم، وتفرُّدهم هو عامل اللّسان، فاللّهجات التي يُسمُّونها “اللُّغة الأمازيجية”، لا تنتمي لأيّ لغة، كما يقولون، وإن تأثرت بلغات أخرى وأثرت فيها، خضوعاً لقوانين اللُّغة التي تؤكد حتمية هذا التسريب اللُّغوي، خاصة على مستوى الألفاظ.
قيل الكثير عن هذه اللّهجات من قبل أصحابها، ووضعوا القواميس والمعاجم لألفاظها، وانكبُّوا على تقعيدها، وروّجوا لخصوصيتها، وتميُّزها وعبقريتها وانفرادها عن غيرها من اللّهجات واللُّغات، خاصة العربية، بل بلغ بهم الأمر أن حاولوا اصطناع لغة موحّدة معيارية، لتكون الحل البديل لمعضلة اللّهجات العديدة، تلك المتناثرة أحياناً إلى درجة عدم مقدرة أصحابها على التواصل في ما بينهم، ممّا يضطرُّهم إلى اللجوء إلى لسان وسيط يتخاطبون به.
ومن خلال هذه الإشكالية الكبرى، حاول المؤلف تبيان كيف راح كثير من المتزمّتين للبربرية يُصرُّون على عدم وجود أي علاقة تربط اللّسانين البربري والعربي، لإخفاء ما بينهما من أواصر القربى، بل ذهب بعض هؤلاء إلى الزعم بأنّ بعض الألفاظ خاص بالبربرية، ولا يوجد في العربية، وهنا يذكر المؤلف الدكتور سالم شاكر مثالاً على ذلك.
ويضيف صاحب الكتاب، بأنّ ضخامة ما في البربرية من ألفاظ عربية، أقلق القائلين بعدم عربيتها، ممّا حدا بواضعي المعاجم من الحركة الأمازيغية، رفعاً للحرج، أن يُخرجوا قسماً كبيراً من ألفاظ البربرية، وجعلوه من الدخيل العربي، على الرغم من أنّ هذه المفردات لا يخفى على أحد عربيتُها، نظراً لتداولها في الصحافة والتعليم.
ويواصل المؤلف طرح الكثير من الأسئلة حول هذا الموضوع، على غرار: هل البربرية لغة واحدة موحّدة؟ مَن المستفيد من جعل الحركة البربرية وجماهير البربر شيئاً واحداً؟ لماذا اللُّغة العربية والمشرق العربي صارا عقدة الحركة البربرية؟ إلى غير ذلك من الأسئلة الضرورية لتوضيح الفكرة الأساسية من إنجاز هذا الكتاب.
وقد وضع المؤلف في الفصل الأول، الكثير من الكلمات البربرية ضمن مجموعات قسّمها تقسيماً وظيفياً، جاعلاً الألفاظ البربرية في جهة، وما يقابلها من ألفاظ عربية في الجهة المقابلة، مع الإشارة إلى الكلمة العربية التي ليست من لغة القرآن الفصحى، وينسبها إلى اللّسان العربي الآخر الذي وجدها فيه.
وتستمرُّ بقية فصول الكتاب على النحو نفسه، لكشف تلك العلاقة الموجودة بين اللّسانين العربي والبربري، إلى أن يُؤكد المؤلف للقارئ أنّ الكتابة البربرية، بفرعيها اللّيبي القديم والتيفيناغي (الفينيقي)، عربية الأصل، مثل بقية عناصر الثقافة البربرية، من لسان ومعمار وموسيقى ومأثور شعبي.
ولمزيد من الدلالة على ذلك، يضع المؤلف، بين أيدي قرّائه، جدولاً للمقارنة ما بين الحروف البربرية، بشقيها التيفيناغي واللّيبي القديم، وبين الحروف الظفارية، قام به الباحث الظفاري علي أحمد الشحري، المتخصص بالنقوش والكتابات القديمة، وهي الأحرف التي اكتُشفت في مواقع كثيرة بجبال وصحارى ظفار عام 1986 ميلادية، حيث يظهر مدى التطابق التام في الشكل ما بين حروف عرب ظفار والحروف القديمة لأهل المغرب العربي.
ويختم المؤلف كتابه بجملة من التوصيات تدعو إلى ضرورة الاهتمام بتأسيس مشروع يكون مخصّصاً للمقابلة الواسعة المستفيضة ما بين تراث المشرق العربي والتراث البربري، وإلى إعادة دراسة وكتابة التاريخ العربي من المحيط إلى الخليج، والذود عن عروبة حفَدة طارق بن زياد ولالة فاطمة نسومر ويوسف بن تاشفين ومحمد المهدي بن تومرت، لمواجهة أكذوبة “البربر غير العرب” التي استفحلت، وصار من الواجب مواجهتها دون إبطاء.

إلى الأعلى