السبت 15 ديسمبر 2018 م - ٧ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقاصد الإفتاء في الأمور العامـة وشؤون الدولة (2 ـ 3)

مقاصد الإفتاء في الأمور العامـة وشؤون الدولة (2 ـ 3)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
المؤتمر العالمي (التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق) الذي عُقد بالعاصمة المصرية (القاهرة) خلال الفترة من 16 الى 18 أكتوبر 2018م اشتمل على عدد من المحاور وأوراق العمل الهامة.
ومن ضمن ما قُدِّم خلال المؤتمر كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(مـقاصـد الإفتاء في الأمور العامة وشؤون الدولة) لسعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي ـ الأمين العام بمكتب الافتاء.

وثالثاً ـ الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق: قالها الإمام محمد إدريس الشافعي، وتقبلها الفقه الإباضي حيث فرّع عليها علماء المذهب فروعاً فقهية وأحكاماً شرعية، وقد اعتبرها بعض العلماء واقعة تحت مظلة القاعدة الفقهية الكبرى (المشقة تجلب التيسير) وبعضهم اعتبرها واقعة في تخصيص القاعدة المذكورة بجانب قواعد أخرى مثيلة لها، مثل:(الضرورات تبيح المحظورات) و(الضرورة تقدّر بقدرها) ولذلك إذا اقتضت الضرورة إلى التوسع فيما لا يجوز فيه التوسع عند الاختيار، فإنه يتوسع في ذلك، وإذا زال الإضطرار عاد الأمر إلى ما كان عليه من المنع، وقد اعتبر محمود هرموش ما قاله محمد بن إبراهيم الكندي تفريعاً عنها وهو: ومن صام في بلده أياماً، ثم عناه خروج في سفرة لا بد له منها، من فاجعة نزلت به، أو لأمر لا بد له من الخروج، وحضر خروجه ذلك في النهار وهو صائم، أو خرج هارباً من السلطان من بلده، أو أجبره السلطان على الخروج إلى بلد فخرج في النهار وهو صائم شهر رمضان، فلما صار في الفلاة أصابه العطش، وقد قارب الماء وخاف إن تعدّاه أن يموت فشرب من ذلك الماء وجاز عنه، إنّ عليه في جميع هذه بدل ما صام، وليس له أن يشرب إلاّ إن خاف الموت، فإذا خاف الموت شرب ما يحيي به نفسه، وقال الكندي أيضاً:(والصائم إذا خاف على نفسه العطش فإن له أن يشرب بقدر ما يحيى به، ثم يمسك ذلك ويتم صومه، وعليه بدل ذلك اليوم وحده، وذلك للمسافر والمقيم والصحيح والمريض)، وهذا مبني على حديث ابن عباس قال: خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد، فأفطر، فأفطر الناس معه، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من النبي (صلى الله عليه وسلم)، والقصد من ذلك رفع الحرج عن الناس لقول الله تعالى:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج ـ 78)، وقوله:(مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) (المائدة ـ 6).
ورابعاً ـ التأديب بكفـّارة الصيام: شرعت الكفارة عقوبة جابرة لارتكاب بعض الأعمال التي لم يبحها الشرع، كالحنث في الأيمان، وكالإفطار في نهار رمضان من غير عذر شرعي، وفي القتل الخطأ وفي الظهار الإيلاء إلى غير ذلك، وهي تنقسم إلى مغلّظة ومخفـّفة، فالمغلّظة تكون عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، والمخفـّفة وهي المرسلة، عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو صيام أيام ثلاثة، قال الله تعالى في كفارة التغليظ في قتل الخطأ:(وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) (النساء ـ 92)، وقال في كفارة التغليظ في الظهار:(وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) (المجادلة 3 ـ 4)، وقال في كفارة التخفيف (الإرسال):(لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة ـ 89)، وجاء الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في كفارة من أفطر في نهار رمضان منتهكاً حرمة الشهر بالجماع أو غيره، وهناك خلاف في المفطرات الأخرى غير الجماع، هل تقاس على الجماع أم لا، وكفارة الإفطار قيل إنها للترتيب، العتق أو الصيام أو الإطعام وقيل على التخيير على ما يستطاع من ذلك.
وقال سعادته: ولكون الكفارة شرعت للزجر والتأديب فقد أفتى القاضي يحيى بن أبي يحيى الليثي الأندلسي الخليفة عبدالرحمن الأموي ملك الأندلس عندما واقع في نهار رمضان بصوم شهرين متتابعين، لأنه رأى أنه لا يردع ذلكم الملك إلا الصيام، أما العتق فإنه يسهل عليه نظراً إلى توفر المماليك لديه فاحتج عليه بأنه أفتى بالمناسب الملغى، وذلك لأن الدليل هو إيجاب الإعتاق ابتداء، ولكنه أجاب: لو فتحنا هذا الباب سهل عليه أن يطأ في كل يوم ويعتق رقبة، لكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود، وهذه قوة نظر من القاضي، وقوة إدراك للمقصد الشرعي من تشريع الكفارة، فلله درّه ما أبعد نظره وأقوى حجته وأكبر ادراكه، على أن هذا المقصد يدور مع هذا القسم باعتبار الخليفة شخصاً ومع القسم الثاني باعتباره حاكماً ولكنه لا يتعلق بشؤون الدولة، لذلك وضعته هنا.
وخامساً ـ تعليق الحكم على حال السائل: وذلك أنه ينبغي لمن يقوم بإفتاء الناس في أمور دينهم أن يلاحظ حال السائل أو المستفتي، ويتعرف على مراده من الإستفتاء، فإن كان نفعاً وخيراً أجابه على استفتائه، وإن كان عرف أنه يريد شراً أو ضراً أو سفاهة فلا يجيبه، أو أنه يجيبه بما فيه تأديب له، ومن ذلك ما روي أن الصحابي الجليل ابن عباس جاء إليه رجل فسأله عن توبة القاتل، فقال: لا توبة له، وسأله آخر عن توبة القاتل فقال: له توبة، ثم قال ابن عباس: رأيت في عين الأول إرادة القتل، فمنعته، وأمّا الثاني فهو مسكين فلم أقنـــّطه، ومن ذلك أيضاً أن موسى بن أبي جابر الأزكوي سأله رجل عن ذكر البول أينقض الوضوء؟ فقال له: نعم، وسأله آخر عن ذكر النيك أينقض الوضوء؟ قال له: لا، لأن الأول الذي سأل عن ذكر البول ربما كان سفيهاً، أما الثاني الذي سأل عن ذكر النيك كان رجلاً صالحاً مع أن النيك ذكره أشد قبحاً من ذكر البول، ولكن موسى علّق الحكم على حال السائل كما هو شأن ابن عباس، ولذلك قالوا: إن السائل إذا كان متعنتاً أو عانتاً أو طالباً أو عابثاً طالب رخصة أو متأولاً صمت عنه المفتي ولم يجبه، لأن المتعنت يريد الأذى، ويقصد الإمتحان، فجدير أن يقف عن جوابه، لأن ابن عباس وعلي بن أبي طالب أمسكا عن إجابة المتعنت، وقال أبو محمد ابن بركة: إذا كانت المسألة واقعة وصاحبها محتاج إليها، والمسئول عنها حافظ لها، فعليه أن يخبره بها، وإن كانت غير واقعة، والسائل عنها مستحق للحكمة وتعلمها، فعليه أيضاً أن يخبره ولا يكتمه، وإن كان يخاف ألاّ يكون ذلك السائل أهلاً للحكمة فليس عليه أن يخبره، والقصد من هذا كله مما ذكرنا هو صيانة الأحكام الشرعية عن العبث بها، وفرض هيبة الشرع الشريف في دنيا الناس وواقع الحياة، حتى لا يستهزأ بأحكام الإسلام:(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء ـ 140).
وحول القسم الثاني من البحث والذي يتحدث:(في شؤون الدولة) ذكر سعادته بأن هذا القسم يتفرع أيضاً الى خمسة أبواب، أولاً ـ الأحكام لا تقوم إلا بالإمام: دائماً ما يعبّر الفقه الإباضي عن ولي الأمر بالإمام لأن إمامة الحكم لها مكان واسع في الفكر الإباضي حيث أن التاريخ الإباضي معظم مراحله وأدواره قائم على الإمامة في الحكم، ومن هنالك يكثر التعبير عن ولي الأمر (الحاكم) بالإمام، وذلك لأن الحاكم هو مناط إقامة الأحكام والقيام بشؤون الدولة، على أنه حيثما ترد كلمة الإمام في هذا البحث فإنها تعني، إمام الحكم، قال السالمي:(والإمامة فرض بالكتاب والسنة والإجماع والاستدلال).
واستدل على ذلك: من الكتاب بقوله تعالى:(أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء ـ 59)، ومن السنة بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا افتتح بلداً أمر عليها أميراً مرضياً، ومن الإجماع: بفعل المهاجرين والأنصار، ومن الاستدلال: اجتماع الأمة على ضرورة وجود قائم لتنفيذ الأحكام، مع استدلالات أخرى بين ثنايا ما ذكرته تركتها اختصاراً، وذلك أنه كما قال: فإن لله فروضاً أمر بها، وحدوداً أوجبها لا يقيمها من باشرها منهم على نفسه، وأنه ليس لعامة الناس أن يقيموها عليه، فتوقف أمر إقامتها على قائم بأمور المسلمين، وما توقف عليه الواجب فهو واجب، لأن ترك الواجب حرام، إضافة إلى القيام بشؤون الدولة في الأمور العسكرية والسياسية والإقتصادية وغير ذلك التي لا بد فيها من وجود الحاكم كولي لأمر الأمة، بغض النظر عن كونه إمام عدل أو إمام جور، فإن نظام الحكم، وانتظام الأمر لا بد فيهما من قائم بهما، والقصد من ذلك وحدة الأمة وعدم تفرقها وتشرذمها، وإذا عدم القائم (الحاكم) كان على جماعة المسلمين أن يقيموا أمرهم تنسيقاً وتنظيماً فيما بينهم فيما فيه صلاح أمرهم، واستقامة دينهم، حتى لا تغشى الفوضى مجتعهم ودارهم.
.. وللموضوع بقية.

إلى الأعلى