الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / هل تبدلت قواعد الاشتباك في المشهد الإعلامي؟

هل تبدلت قواعد الاشتباك في المشهد الإعلامي؟

احمد صبري

“.. ومع تبدل قواعد العمل أو الاشتباك ـ إن جاز التعبير ـ في المشهد الإعلامي يبقى الصحفي يضطلع بمهمة راقية رغم أنها صعبة ومحفوفة بالمخاطر، إلا أنها بذات الوقت مهمة نبيلة وراقية؛ لأن الصحفي هو العين والراصد لما يدور حوله، وبالتالي فإن هذا الدور يؤهله أن يكون موجها للأحداث واتجاهاتها شريطة أن يراعي موجبات العمل الصحفي المهني..”

عندما نتحدث عن وسائل الإعلام والتحديات التي تواجهه بعد ثورة الاتصالات فإننا نتوقف عند أهم وسيلة في المشهد الإعلامي قبل عصر الفضائيات و”السوشيل ميديا” هي ظاهرة تراجع دور الصحافة في هذا المشهد المثير بعد أن كانت تمثل السلطة الرابعة، وتحولت إلى سلطة خامسة تسعى للصمود أمام الغول القادم الذي استحوذ على اهتمامات الجمهور بفعل إغواء الصورة ومتابعتها لما يجري خلف الأسوار بمتابعة حية ومباشرة للحدث قبل وقعه ومن بعده.
لقد تحول العاملون في السلطة الخامسة إلى طابور من المخبرين والمراسلين والمصورين من دون مكاتب ومطابع وورق وجهد وظيفي، بعد أن اختصروا عملهم وهم في بيوتهم وحتى من خلال هواتفهم النقالة. فالسلطة التي نتحدث عن تأثيراتها في حياتنا أوجدت فسحة كبيرة للحريات لم تستطع وسائل الإعلام التقليدية الوصول إلى سقفها الجديد، ناهيك عن أنها فتحت الباب على مصراعيه أمام الراغبين في التغيير.
وطبقا لهذا التحول الذي أحدثته السلطة الخامسة أصبح بإمكان المواطن أن يجلس في البيت أن ينشئ صفحة يكتب ويهاجم من يشاء، وخلال ثوانٍ يطلع المتصفحون على آرائه بأعداد تفوق أعداد قراء الصحيفة الورقية.
وسقف الحريات الممنوح للمشتغلين في فضاء السلطة الخامسة ينبغي أن يكرس لإشاعة روح المواطنة والرأي الآخر، وتكريس مفهوم الشراكة في صياغة مستقبل الأوطان، وعدم القفز على موجبات العيش المشترك، والابتعاد عن ممارسات التشهير وتكريسه للتسقيط السياسي أو الأخلاقي، ناهيك عن نبذ الكراهية والخطاب الطائفي وإشاعة روح التسامح.
ومع تبدل قواعد العمل أو الاشتباك ـ إن جاز التعبير ـ في المشهد الإعلامي يبقى الصحفي يضطلع بمهمة راقية رغم أنها صعبة ومحفوفة بالمخاطر، إلا أنها بذات الوقت مهمة نبيلة وراقية؛ لأن الصحفي هو العين والراصد لما يدور حوله، وبالتالي فإن هذا الدور يؤهله أن يكون موجها للأحداث واتجاهاتها شريطة أن يراعي موجبات العمل الصحفي المهني، وهي الحيادية وعدم الانحياز وراء مصالح الآخرين التي تتقاطع مع مهنته وبحثه عن الحقيقة، وخدمة الرأي العام بعيدا عن الإثارة الصحفية التي قد تقع الصحفي بالمحظور.
وهنا نستحضر دور الصحفي العراقي الذي يعمل بظروف خطرة ينبغي أن يكون متسلحا بالمعرفة والثقافة والمنعة من فيروسات الطائفية والأنماط الغريبة التي دخلت المجتمع بعد غزو العراق واحتلاله ليكون العين الساهرة على مصالح شعبه الذي أصيب بخيبة من جراء ألاعيب السياسيين الذين يحاولون توظيف الإعلام لخدمة أهدافهم، والشواهد على سعي السياسيين لكسب ود الصحفيين واستخدامهم كثيرة وماثلة للعيان.
إن وسائل الإعلام وبفعل ثورة الاتصالات اتسعت لتستوعب الأعداد الهائلة للعاملين في الصحف والإذاعات والفضائيات والمواقع الإلكترونية، لكن في مقابل هذا الاتساع ينبغي ـ والحال هذه ـ تعريف وتوصيف عمل الصحفي الحقيقي لسد الثغرة في الجسم الصحفي الذي تضخم بشكل مقلق لتبقى هذه المهنة راقية ومحصنة ومعبرة ومجسدة لآمال وتطلعات الجمهور الذي يعول كثيرا على دور الصحفي في تحصين المجتمع من فيروسات الفساد والطائفية والتحزب والحفاظ على المال العام.
لقد آن الأوان لبلورة رؤية عملية وواقعية لضبط إيقاع مسار الإعلام الجديد وبما يعزز من دوره في خدمة المجتمع وتحصينه، لتكريس هذا النمط الجديد في حياتنا حتى لا يتقاطع مع موجبات العمل الصحفي.

إلى الأعلى