الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / حسنا تفعل السلطنة

حسنا تفعل السلطنة

د. أسامة نورالدين :
إن استمرار الحالة العربية الراهنة التي تعلو فيها أصوات النزاع والحرب على الأمن والاستقرار، والتي تفتح أبوابنا للقوى العظمى من أجل أن تتدخل لتقسيم وتفتيت الدول العربية لن يكسب منها أحد، بل سيخسر الجميع حتما، وسنصبح أسرى لحروب طائفية وعرقية لا نهاية لها، وسيكون أمامنا عقود بل وقرون من أجل لململة الشمل وتوحيد الصفوف..

حسنا تفعل السلطنة عندما تقف على الحياد الإيجابي في القضايا والأزمات التي لا تكاد تتوقف في المنطقة، لتصبح بذلك رأس الحكمة والعقل التي يلجأ إليها الفرقاء لتسوية النزاعات، فموقفها من الملف اليمني خولها القدرة على أن تلعب أكثر الأدوار أهمية في حل الخلاف، بعد أن صارت قبلة يقصدها مختلف الأطراف للوصول إلى حلول بناءة لهذا الصراع الذي لن يحسم بالسلاح، بل بالتفاوض والجلوس على طاولة المفاوضات، وهذا ما كان له أن يحدث إلا لثقة الطرفين في السلطنة وفي حكمة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ولم يختلف ذلك الدور عما قامت وتقوم به السلطنة من دور خلاق في حل الأزمة الخليجية، وذلك في إطار البيت الخليجي الذي يجمعهم، وباعتبار أنه الحاضنة الأكبر الذي يتعين أن تتكسر على عتباته جميع الخلافات.
وهي كذلك لا تألو جهدا في إيجاد حلول بناءة للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من خلال التواصل مع طرفي الصراع وتقريب وجهات النظر، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على ثوابت القضية وعدم التفريط في حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، ولذلك فقد حرصت على استضافة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس “أبومازن”، وبعده رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، ضمن جهودها في إطار عملية السلام وتحقيقه، ولمحاولة فض الاشتباك بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتجنيب الشعب الفلسطيني أتون حرب رابعة توشك أن تحدث بسبب تصاعد التوتر بين الطرفين.
وإذا نظرنا بشكل أعمق لتمنينا لو تفعل الدول والفصائل والأحزاب مثلما تفعل السلطنة، التي تنأى بنفسها عن الدخول أو المشاركة أو المساهمة في أي صراع داخل أو بين أي دولة عربية وأخرى سواء داخل الإقليم أو خارجه، وذلك ليس لضعف منها، وإنما لأن نتائج ذلك كما تثبت التجارب التاريخية ضياع المقدرات، وإهدار الثروات، والانتهاء باحتلال الدول والقضاء على أمن واستقرار الشعوب والمجتمعات العربية، وما حدث بالعراق والسودان وما يحدث بسوريا وليبيا واليمن خير دليل على تلك الرؤية العميقة، التي تؤكد أننا ما ضعنا ولا ضاعت الأمة إلا بسبب فقدان الحكمة والسير خلف الأهواء والنزاعات الشخصية الضيقة.
إن استمرار الحالة العربية الراهنة التي تعلو فيها أصوات النزاع والحرب على الأمن والاستقرار، والتي تفتح أبوابنا للقوى العظمى من أجل أن تتدخل لتقسيم وتفتيت الدول العربية لن يكسب منها أحد، بل سيخسر الجميع حتما، وسنصبح أسرى لحروب طائفية وعرقية لا نهاية لها، وسيكون أمامنا عقود بل وقرون من أجل لململة الشمل وتوحيد الصفوف والحفاظ على ما تبقى من موارد وثروات.
إن الوحدة العربية والقضاء على النزاعات الطائفية والحزبية الموجودة في العديد من الدول في الفترة الأخيرة، والتي تسعى السلطنة بحكمة سلطانها وعقلانية قادتها ومسؤوليها، لهي السبيل الوحيد المتاح أمام الشعوب العربية الآن للبقاء في ظل الهجمة الشرسة التي تتعرض لها من كل قوى العالم التي تسعى للسيطرة على المنطقة ونهب ثرواتها والقضاء على مقدراتها، ورهن إرادتها وكسر شوكتها حتى لا تقوم لها قائمة مرة أخرى.
لذا فحسنا تفعل السلطنة بقيامها بهذا الدور الرائد الذي لا بديل عنه في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الأمة، بعد أن تداعت عليها الأمم، وصارت في حالة يرثى لها، فإما أن نسير في ركاب السلطنة وندعم دورها المحوري في توحيد الصف والقضاء على النزاعات والحروب، وإما سندخل في أتون حروب وصراعات لا يعلم الله متى تنتهي.

كاتب صحفي وباحث في العلاقات الدولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى