السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. استفاقة قيادة

باختصار .. استفاقة قيادة

زهير ماجد

الآن جاء من يطرح المواعظ على غزة .. جاء من يحاول التذاكي على دم أبنائها .. من ما وراء الحدود أطل، يوم كانت غزة تقاتل وتنال الضربات، كان بعيدا عنها، ضمن إقامة مكلفة تصل يوميا إلى أربعين ألف دولار.
لا يجلس القادة عادة بعيدين آلاف الكيلومترات على شعبهم، يتابعون عن بعد ويأمرون .. يأكلون أشهى المآكل فيما شعبهم لا يجد كسرة خبز، يسمعون الموسيقى الهادئة التي ترخي الأعصاب، فيما كل غزة كانت تئن من صوت القنابل والرصاص وأزيز الطائرات ومفرقعات الصواريخ. القادة الحقيقيون لا يفارقون شعبهم، يعيشون فيما بينهم، هذه خلاصات نراها في كل مكان، وحسبما قال تشي جيفارا “القائد أول من يموت وأول من يضحي آخر من يأكل ويشرب وينام”. ثم ها هو ابن المارتينك الفرنسي الذي انخرط مع الثورة الجزائرية ينكت على القيادات الثورية في العالم الثالث وخصوصا على تنقلاتها التي لا تهدأ.
كأنما كان العدوان الذي فاق الخمسين يوما عرضا مسرحيا كي يطل بعدها من بعيد ليكيل الشكر لمن ساعدوا غزة في محنتها الطويلة لكثيرين ممن تآمروا على غزة أو لم يساعدوها، أو صمتوا بانتظار أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كي يتحركوا بعدها. باستثناء أميركا اللاتينية العربية لم نعرف حراكا مهما، لكن الأنكى أن هذا القائد الذي يعرف وأراد أن لا يعرف من ساعد غزة حقيقة ومن قدم لها سبيل صمودها وقتالها وانتصارها .. هؤلاء، لم يقدم لهم التحية، لم يشعرهم بالامتنان، لم يقل كلمة حق في ما قدموه وهم الوحيدون في هذا السخاء الذي يبدأ من حزب الله لينتهي في إيران وسوريا.
لم تبدل طبيعة المعركة التي قادها الشباب الغزي من أهل السياسة مجتمعين ومن كل التنظيمات والذين لولاهم لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه من نصر مؤزر، لم تبدل من مواقفه وهو الذي رفع ذات يوم علم الانتداب السوري ولوح به، في الوقت الذي لدمشق العروبة أيادٍ بيضاء عليه، وكانت الحضن الدافئ الذي لمه حين لم يجد مكانا، والذي تمسكت سوريا به إلى آخر نفس حين أمر وزير الخارجية السابق كولن باول الرئيس الأسد بإخراج حماس من العاصمة السورية.
نصر غزة ليس لمثل هؤلاء أي دور فيه أو تأثير عليه .. صمود شعب غزة طبيعة غزاوية أصيلة لم نرها لأول مرة بل هي المرات المتتالية، قتال الغزي طبيعة نضالية هي الروح الأبية التي تعشق الوطن وتعرفه بأنه الأبقى والأثبت وكل شيء آخر زائل. ولهذا السبب ظلت غزة إلى اليوم منطقة محررة، القطعة الفلسطينية الوحيدة التي ليس فيها احتلال هي غزة، والمكان الوحيد الذي ظل محررا وسيظل وسيكون له الدور الأكبر في المستقبل في تحرير فلسطين هي غزة أيضا.
غزة تعرف أي الكلمات يجب أن تقال في هذا الوقت بالذات .. لا يهمها التحليل الذي جاءها عن بُعد لأنها عندما صمدت الخمسين يوما لم تسمع أي كلام وكانت زنود وسواعد بنيها تصد العدوان، فيما كان أطفالها ينقلون بالعشرات إلى المقابر .. غزة تاريخ مختلف عن كل كلمة لا تنغرس في تربتها، أو لا يكون هنالك إصغاء لهمسات ترابها المقدس لا يمكن سماعه إلا عند الالتصاق به.
صحيح أن للقادة دورا في إدارة المعارك والانتصارات، إلا إذا كان على أرضها مملوءا برائحة بارود مقاتليه وبأصوات شعبه وبرائحة الشهداء..

إلى الأعلى