الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / البابُ يُغلَق الآن …

البابُ يُغلَق الآن …

* النص الفائز بالمركز الثاني في مسابقة الملتقى الأدبي العشرين في مجال “القصة القصيرة”

(1)
الآن أُغلقُ الباب…
كان يجدر بي غلقه عليكِ لا عنكْ؛
لكنه القدر حين يفرض علينا سيطرته و يرمينا في متاهاته. و هو الذنب أيضا.
قلتِ لي مرة: ” لا تسمح لأحد من البشر أن يحاسبك على ذنب اقترفته. الله أرحم”
أتذكرين يوم ارتكبتُ ذنبكِ أول مرة ؟ كنتُ عائدا من عملي في ساعة متأخرة من ليلة ظلماء, كنتِ تبكين مع السماء وتجلسين منزوية على رصيف الشارع. أوقفتُ سيارتي جانبا، اقتربت منكِ. لم أفهم سبب وجود فتاة بعباءة و حجاب ملقىً بإهمال تجلس وحيدة. سألتكِ:
- ماذا تفعلين؟ لم لا تغادرين إلى منزلك, الوقت متأخر و السماء تمطر, من الخطر عليك أن تبقي هنا!
نظرتِ إليّ في صمت.
- تعالي معي, لا تخافي. كما ترين, أنا ممرض و قد أقسمت على تأدية عملي بإخلاص. سلامتك جزء من وظيفتي. ستأتين معي لنرى ما الذي يمكننا فعله في الصباح.
نهضتِ وأنت ترتجفين, ركبتِ السيارة إلى جانبي في المقعد الأمامي. بقيتُ صامتا أقود سارحا في أمرك لا أسمع سوى نشيج بكاءك و صوت قطرات المطر.
دخلنا إلى شقتي . تأملتُ ملامح وجهكِ للمرة الأولى. كان أنفك محمرا وعيناك متورمتان كحبتي خوخ. أدخلتك إلى الغرفة المجاورة. لم ترفعي عينيك في عيني أبدا .وضعتُ أمامك قنينة الماء والخبز والجبن وخرجتُ نحو غرفتي لأنام.

***
أنا لست أنانيا .أصبحتِ تعرفينني جيدا أليس كذلك؟ في تلك الليلة الأولى وحين كنتُ نائما ، أحسستُ بدموعك وهي تسيل أسفل ذقني و رموشك المبتلة وهي تدغدغ رقبتي. كنتِ مستلقية إلى جانبي تبكين وتخبئين وجهك في حضني. فتحت عيني يائسا وحاولت أن أتمالك أعصابي. سألتك ما بك لأنني لن أتحمل مصائب أكثر مما أتحمل في عملي مع المرضى. كنتُ فظا؛ لانني شككت في نواياك. لم تنبسي بكلمة , ولأنك لم تكوني تعرفينني جيدا؛ قلتُ:
“اسمعيني. أنا شاب من قرية بعيدة. نشأت نشأة اسلامية منذ صغري , أحفظ ثلاثة أجزاء من القرآن. دشاديشي المعلقة تلك قصيرة.عمري خمسة وعشرون عاما ولم ألمس إمرأة في حياتي.سأتزوج ابنة عمي قريبا حين أنتهي من تجميع المهر. هي فتاة متواضعة أنهت المرحلة الإعدادية و ظلت في المنزل. حين نجلس على حافة الفلج, تقص علي حكاياتها البسيطة, عن النعجات الشقية والدجاجة التي لا تبيض و عن طعنات إبرة الخياطة على طرف إبهامها. يا ابنة الناس ابتعدي عني, لا تلمسينني. لقد تربيت على الأخلاق والعفة رفض أبي أن أكمل دراسة التمريض في سنتي الثالثة حين شاهد في إحدى صفحات كتابي رسما لفتاة عارية وبجانبها صورة مكبرة للجهاز التناسلي. لم يفهم يومها أنني أراجع دروسي في مقرر فيزيولوجيا الإنسان، مزق الكتاب و منعني من العودة إلى الجامعة. ماذا تريدين؟ ألا يمكنك التوقف عن البكاء ؟. ذهبت إلى شيخ الحارة و قبضت على يديه متوسلا كي يقنع والدي بالعدول عن قراره.
قضيت سبع سنوات في مسقط عفيفا و شريفا . أقضي فيها خمسة أيام ثم أعود إلي قريتي ليومين, وهكذا كل أسبوع ,لا أعلم من أين أتيتِ اليوم لتحشري رأسك في حضني بكل هذه الجرأة. ابتعدي أنت تقتربين أكثر مما يجب أيتها الفتاة.”
صدقيني لو أنك اكترثتِ لحديث تلك الليلة لما أحببتك ولما أحببتني.لكنك لزمتِ البقاء في حضن ابن القرية العفيف, الذي غفى معك ليهديك ساعِدَهُ وسادةً لأحزانك , فلم يصحى ليصلي الفجر حتى لا يقطع نومك.

***
يحزنني أن تبتعدي ، لكنني مجبر على تركك تغادرين. تماما كعصفورتي التي امتلكتها وأنا طفل صغير. كانت عصفورة صغيرة وضعتها في قفص من سعف النخيل. كبرت واستأنست ضيق المكان , تتحرك في حيزه ولا تطلب أكثر من ذلك. ذات يوم أصر أخي الأكبر عليَّ أن أطلقها كي تعيش بحرية مع العصافير الأخريات. رفضت و أخبرته أنها تحبني و حتى إن فتحت لها الباب لن تطير. قال: افتحه لنرى. فتحته ولم تتحرك, مددت يدي إليها مناغيا , ولم أنتبه إلى أخي الذي اندفع نحو القفص ليحطمه و يحرر العصفورة قسرا. لم تستطع المسكينة الطيران , ظلت تتخبط في الوحل حتى تلقفها القط وتلاشت بين أنيابه.
أتعلمين؟ تغيرت أشياء كثيرة منذ أن دخلتِ إلي حياتي. تقبلت فكرة أن تعيشي معي بعد أن أخبرتني عن حكايتك المؤلمة التي استقبلتُها كطعنات السكين على صدر عار.كنتِ شقية جدا وكان لابد أن تتركي أثرك على كل شي. أرغمتِني على تشذيب لحيتي و إطالة دشاديشي ، تقولين أنني أبدو أكثر وسامة بها. غيرتِ أثاث الشقة ليتناسب مع ذائقتك.استحدثتِ ركنا في زاوية الغرفة ليستوعب كتبك الكثيرة . كنتُ أقول لك:
- ما الفائدة من قراءة الفتاة لكتب الفكر و الفلسفة والسياسة و البطيخ؟
فتجيبين:
- الكتب تهديك الحقيقة الصادمة دون أن تمُنَّ عليك, تلك التي تجعلك تفكر أكثر مما يجب بكل ما يدور من حولك.
أجيبك:
- أنا أقرأ لكنني لا أفكر بعيدا عني. الحياة قصيرة بالكاد تكفي أحلامنا الصغيرة. و أنتِ إذا تأملت حياتك جيدا , ستعرفين سبب تعاستك وتشردك!
نبدأ في النقاش ثم تتعقد الأمور أكثر فأخرج منهكا و مثقلا بالغموض والخسارة . إلا أن كل ذلك يجذبني, فأنت بتركيبتك الغريبة هذه – بالنسبة إلى شاب عرف النساء في قريته بمفهوم مختلف – كنتِ تستفزينني لمعرفتك أكثر وتزيدين من تعلقي بك , حتى أن شقتي صارت ملاذا أنتظر انقضاء ساعات العمل بسرعة حتى أعود و أجدك متمددة على الكرسي تقرأين كتابا بعد أن فرغتِ من إعداد الطعام .تستقبلينني بكل حب , تنادينني مازحة” يا زوجي” , فأبلع حسرتي و ألعن شرقيتي ثم ابتسم في غباء!
كنت أكره الدموع في عينيك. حدث أن قبضت عليك ذات يوم متلبسة بالبكاء.
قلت: زينب لماذا تبكين؟ ألست تعيشين بداية جديدة معي؟
أجبتني بحسرة: الجروح القديمة تلتئم ,لكنها في أعماق الروح لا تفقد صفة الوجع.
قلتُ: كل الأشياء مؤقتة.

***
الان و أنت تبتعدين, و قبل أن يُطبِق الباب على فم الجدار, أفكر أن أصرخ باسمك. أقولُ زينب لا ترحلي؛ فقد كنتِ الحلم الذي أعيشهُ هانئا , وحدث أن أفقت منه على صفعات يد غليظة تفوح منها رائحة عتيقة و خيال فتاة قروية تفك ضفائرها المخضبة بالحناء.
ها انتِ تبتعدين. هل يمكنك سماعي؟
سامحيني ؛ لكنني اخترت الحياة التي لم تلقها الصدفة أمامي ورقة خاسرة …
و الباب أغلقه الان بإحكام. لن أتركه نصف مفتوح ؛ حتى لا يخرج طيفك خلفك , فأبقى وحيدا.

(2)
لم يعد لي مكانًا هنا.
أعلم أنها النهاية. مؤمنة جدًا بالنهايات.
زينب التي تغادرك الآن-وفي ذاكرتها عام من الحب مر سريعا كنسمة دافئة- تدرك عيوبها جيدا. حين التقيتَها أول مرة و اختبئتْ في حضنك, كانت ضعيفة جدا, هشة كورقة خريف وضائعة كقطة فقدت صغارها.
ظننتَ أنني فتاة ليل؟ لا ليس كذلك, كل ما في الأمر أنني لم أجد خلاصا سوى في حضن غريبٍ أبكي فيواسيني دون أن يؤدي دور الوصي. أردتَ أن تسمع حكايتي فأخبرتك عن كل شيء.
“لا أتذكر من حياتي سوى العذاب. بدأت حين تخلت عني أمي لتتركني أعيش مع أبي و زوجاته اللواتي كن يتغيرن كل فترة. درستُ الطب لسنتين بعدها أدركت أنني في المكان غير المناسب. ما الفائدة من علاج الجسد اذا كانت الروح عليلة ومُدنَّسة. انسحبت من الكلية وبقيت في المنزل أبحث عما يناسب ميولي وتوجهاتي الصعبة. فأنا لا أقبل أن أتبع الاخرين في أمر ما لم أقتنع به , متحررة لكنني أعرفُ الله جيدا, أجده حولي في كل مكان. ثائرة على كل الثوابت ولدي أسئلة أفتش عن إجاباتها بين الكتب. في عالمي الواقعي قد لا أكون سوى فتاة “بيتية”، في عالم الفيسبوك تجدني أخط سطور التوعد على كل حوائط الظلم و التخلف والفساد. أحمل على عاتقي قضايا الأمة و جرحنا العربي الذي ينزف في شوراعنا دون توقف. هه , المضحك أنني بدأت ثورتي بأبي. كان يمارس الفساد في منصبه الحكومي ويرتشي . وقفت في وجهه حتى يكف عن أفعاله . حبسني في غرفتي ؛لكنني لم أتوقف. جمعتُ أدلتي ضده و قدمت بلاغا عن جرائمه . ضربني يومها وكدت أموت فهربت من المنزل إلى مسقط مختبئة في سكن للطالبات عملت فيه كمشرفة. عرَّفتني إحداهن على أخيها الذي كان يتردد على السكن دائما. استطاع أن يستغل ضعفي فأغرقني بالحب و انقض على شرفي في لحظة تحول فيها إلى أسد مفترس. تلك الليلة شعرت أن الله غاضب من فعلتي و أنني أسير في طريق وعر فخرجت هائمة على وجهي , أبكي ما كان وما سيكون…”

***
أنا خُلِقتُ لأتشرد. هل تذكرُ أحلامٓ يقظتي التي كنتُ أخبرك عنها؟ كانت تدور حول الحياة والسكينة والحب . وإلا لماذا نحلم إذا كنا نمتلك كل شيء؟
“مرةً و حبكَ يعتلي غيمة, حلمتُ أنني رملاً
لا يرتوي
إلا بكْ… ”
أخوك الأكبر يستحق الموت ؛ فقد أماتني حين حرمني منك كما أمات عصفورتك. بالمناسبة يمكنني أن أخبرك لماذا أحبت العصفورة قفص السعف الضيق: أقصى ما يتمناه أي كائن منكسر هو الأمان.
حين نعتكَ أخوك بالزاني ارتبكت و أغمضتَ عينيكَ في ندم. أتذكر؟
كنا في اجازة نهاية الأسبوع .قررتَ أنت عدم العودة إلى قريتك والبقاء معي. طلبنا البيتزا و اخترنا فيلما نتابعه. رن الجرس. لم نكن ننتظر أحدا سوى عامل توصيل الطلبات. قمتَ لتفتح الباب فتبعتُك . فتحتَ الباب لتتفاجئ بأخيك يأخذك في الأحضان. دفعك بقوة حين انتبه لوجودي و احمرت عيناه غضبا. لأول مرة ألمح في وجهك الخوف والندم . كنتَ مصدوماً تستقبل شتائمه واتهاماته دون أن تدافع عن نفسك.
صرخ في وجهك :اطرد هذه السافلة حالا. بقيتُ أنا صامتة أسمعكُ و أنت تتوسل إليه أن يهدأ.
غادرتَ الشقةَ معه … ولم تعد.

***
الان أنا أبتعد…
أحمد لا تخف, لن ألتفت إلى الوراء. لن ألتفت , كي لا أرى ابنة عمك القروية تقف إلى جانبك. كي لا أراها تحتل مملكتي. تغير ترتيب الأثاث، تتخلص من كتبي و تضع مكانها علب الصندل والسدر، مجمر البخور وعدة الخياطة. هل اعتقدت أنني لم أتوقع هذه النهاية؟ كنت أختنق حزنًا في كل لحظةٍ جميلة تجمعنا, لكنني أختبيء خلف السعادة. جميل أن السعادة خدعة سهلة , كلما اشتد علينا الحزن مارسناها.
كيف كانت النهاية؟ موجعة كالخيانة ، غامضةٌ مثلما موْت . كان قد مضى أسبوعان منذ أن خرجتٓ مع اخوك. خفتُ عليكَ كثيرا و راودتني هواجس كثيرة .تخيلت أنك تتعذب في القرية ,أبوك يقيدك في جذع النخلة يجلدُ ظهرك حتى يتقاطر دما .و يوم رن الجرس, قفزت من مكاني لأفتح الباب. علمتُ أنك الطارق؛ شممت رائحتك. فتحتُ الباب فَرِحةً. لكنني اندهشت ! كنتٓ أنت ولم تكنْ أنت. يا إلهي! ملامحك تغيرت , لحيتك أصبحت طويلة و شعثاء . في وجهك سكينة وحزن لا أفهمه. قلت لي: زوجتي تنتظرني أسفل العمارة ,غادري.
بقيتُ في مكاني , جذبتني من ساعدي بقوة إلى الخارج، حدقتُ في عينيك أبحثُ عني, سألتك عن أشياء كثيرة . لكنك كنت جامدا كصنم.
أبتعدُ الان و أتساءل , أين يمكنني دفن الحياة التي قضيتها معك؟ الذاكرة ليست مكانا آمنا لدفن حياة ثمينة كهذه. أو لا يهم؟ فها أنا أغادر، خطوة بعد خطوة . حين أغيب عن أفقك ، سوف لن أرمي بنفسي من احدى شرف العمارة ، و لن أعود إلى منزل أبي منكسرة , بل سأجلس منزوية على الرصيف أبكي وقد يحل الظلام وتمطر السماء فتبدأ رحلة جديدة ؛ لأن كل الأشياء مؤقتة؟

حمد بن عبدالله المخيني

إلى الأعلى