الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات

تاريخيات

العلاقات بين القوى الدولية والإقليمية في منطقة الخليج ( 1 )
الصراع العماني الفارسي

كان البرتغاليون أول من وطأت أقدامهم ساحل الخليج، وسيطروا على بلاده بما فيها شط العرب، وأقاموا علاقات مع دولة الصفويين في ايران (906 – 1148م / 1500 – 1736م) وحاكمها الشاه عباس الصفوي الكبير في ظل صراع المصالح بينهما، حتى عام 1783م، حينما استعادت أولى دول المنطقة سيادتها العربية في الخليج عام 1783م، وهي البحرين على يد الشيخ أحمد الفاتح، تلتها عمان في عام 1789م.
واستطاعت عمان بعد تخلصها من الفرس، أن تصل إلى السيادة على كثير من السواحل والجزر والموانئ الواقعة على الساحل الشرقي للخليج، ولعل النجاح الذي أحرزته عمان، كما أحرزته كثير من القوى العربية المجاورة لها، كان يرتبط بإغتيال نادر شاه في عام 1747م، إذ استطاع الإمام أحمد بن سعيد بفضل توثيق صلاته مع كثير من القبائل العربية التي تسكن على الساحل الشرقي من الخليج، وخاصة قبائل بني كعب وبنى معن أن يحتفظ بالسيادة العربية على ذلك الساحل، وإضعاف محاولات كريم خان الزندي (1756 – 1779م) في استعادة السيادة الفارسية، وكان ذلك مما جره إلى نزاع مباشر مع كريم خان الزندي بعد أن توطدت سلطته في شيراز، وتمكن أن يعيد الاستقرار لفارس بعد فترة من الفوضى دامت ما يقرب من عشر سنوات بعد اغتيال نادر شاه.
وظهر النزاع بين كريم خان وأحمد بن سعيد الذي تزعم تحالف القبائل العربية في الخليج بسبب حوادث محلية، ثم تطور الأمر إلى مطالبة كريم خان الزندي باستعادة السيادة الفارسية على عمان، استناداً إلى خضوعها لفارس على عهد نادر شاه خلال الفترة من 1738م إلى 1744م، ولذلك طلب من الإمام أحمد بن سعيد دفع الضرائب السنوية المتأخرة على عمان، وكان من الطبيعي أن يرفض الإمام أحمد دفع أية أموال لفارس، وجاء في الرد الذي بعثه إلى كريم خان في عام 1769م، بأن الضريبة التي كانت تدفعها عمان إلى فارس على عهد نادر شاه لم يكن الدافع إليها أحقية فارس لها بقدر ما كانت سياسة انتهجها هو حينما كان واليا على صحار لكي يتخلص من متاعب نادر شاه، ولكن الأمر يختلف قدر الإختلاف بين رجلين، فالأول – ويعني نادر شاه – كان فاتح فارس كلها، أما الثاني – ويعني كريم خان – لا يعدو أن يكون وكيلاً على إقليمين أو ثلاثة من أقاليمها.
وكان من الطبيعي أن يترتب على ذلك التحدي أو تلك الإهانة التي وجهها أحمد بن سعيد إلى كريم خان توتر العلاقات بينهما، وظهر ذلك واضحاً حين أراد كريم خان أن يتعرض إلى عمان، وأرسل قوات كبيرة عبرت جزيرة لنجة، وعندما علم أحمد بن سعيد بذلك، بادر بحصار الفرس في تلك الجزيرة، حتى طلبوا الأمن وانسحبوا إلى ديارهم، في الوقت الذي قام فيه الإمام أحمد بن سعيد في عام 1770م بغارة على ميناء بوشهر، مطالباً بترضية كافية، تعويضاً لاستيلاء الفرس على بعض السفن العمانية التي كانت راسية في بعض الموانئ الفارسية، كما تزعم الإمام أحمد بن سعيد حلفاً ضم إليه شيخ القواسم وشيخ هرمز، وأصاب جزءاً من السواحل الشرقية ببعض الأضرار. ولم يلبث كريم خان وقد شغلته المنازعات الداخلية في فارس، أن فوض الشيخ نصر آل مذكور حاكم بوشهر في التعامل مع عمان، إما في عقد الصلح، أو مواصلة الحرب.
بيد أن الصراع العماني الفارسي ظهر واضحاً في عام 1775م، حين اتجه كريم خان إلى السيطرة على البصرة خلال صراعه مع الدولة العثمانية، وكان كريم خان قد مهد لحصار البصرة بضرب القوى العربية المتحالفة مع عمان، وخاصة قبائل بني كعب، حيث دمر مدينة الدورق عاصمة الإقليم الذي تشغله تلك القبائل في منطقة شط العرب. وعلى إثر نجاح كريم خان في فرض الحصار على البصرة في عام 1776م، استنجد سكانها بالإمام أحمد بن سعيد الذي بادر بإرسال حملة بقيادة بعض من أبنائه، وحينما وصلت إلى هناك، وجدت أن الفرس قد صنعوا سلسلة من الحديد لكي يقطعوا على العمانيين الدخول، واستطاعت السفن العمانية التي بلغت اثنتى عشرة سفينة بقواتها التي تزيد على عشرة آلاف مقاتل، أن تطهر منطقة شط العرب من التغلغل الفارسي، كما تمكنت السفينة الرحماني أن تحطم السلسلة الحديدية على شط العرب وفتح الملاحة فيه في عام 1779م.
وقد أشاد السلطان العثماني مصطفى الثالث بتلك المساعدة التي قدمها العمانيون للدولة العثمانية، حتى أنه أصدر فرماناً يقضي بدفع مساعدة مالية سنوية إلى إمام عمان، ومما يذكر أن هذه المساعدة استمرت نافذة حتى بداية عهد السيد سعيد بن سلطان.
والجدير بالذكر أن كريم خان كان يتحين الظروف الملائمة للسيطرة على مسقط، فعلى إثر حصاره للنصرة طلب إعداد خطة للزحف إلى مسقط، ولكن هذه الخطة لم تنفذ بسبب اضطراره لفك الحصار في عام 1779م، بالإضافة إلى أن فارس نفسها أخذت تتراجع عن مكان الصدارة والقوة بين بلدان الخليج، خاصة بعد إغتيال كريم خان الزندي في نفس ذلك العام، حتى أصبحت من أكثر البلدان ضعفاً نتيجة الصراعات التي قامت بين ورثة كريم خان للوصول إلى السلطة في فارس، ومما يؤكد ذلك أنه في خلال ثمانية عشر عاماً من وفاة كريم خان، تولى الحكم سبعة من أفراد أسرته الزندية فقدوا نفوذهم الخارجي والداخلي، حيث خرجت أقاليم كثيرة عن السلطة المركزية، واستمر الوضع المفكك قائماً حتى قيام أسرة قاجار بمسئوليات الحكم في فارس في عام 1797م.
والأمر الذي لا شك فيه، أن فترة التدهور والانحلال التي عاشتها فارس خلال الفترة من 1779م إلى 1797م، أفسحت المجال لعمان لتأكيد نفوذها على منطقة شط العرب مرة أخرى دون تراجع.
ويمثل صراع المصالح بين البرتغال وبريطانيا علامة فارقة في بلورة العلاقات بين القوى الدولية والإقليمية في التاريخ الحديث، فبريطانيا أسهمت بدور فاعل في أفول نجم البرتغاليين في المحيط الهندي والخليج العربي، ليس بغرض العون أو المساعدة، ولكن لتكريس مصالحها، كذلك كان البرتغاليون أول قوى استعمارية غربية تصل المنطقة بأسرها، وذلك في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، ومعها تغير الشكل الاستعماري في علاقات القوى، وعلى إثرها تفتت إقليم البحرين الذي كان منذ العصور القديمة يعمر داخلياً الخليج العربي من الإقليم العماني إلى شط العرب، حيث استولى البرتغاليون على جزر الأرخبيل، بينما التجأت بقية الأقليم للدولة العثمانية، وترك الوجود البرتغالي آثاره السلبية على حركة التجارة والملاحة العربية عامة من خلال تحكمها في مضيق هرمز وبسط مسؤوليتها وسياستها الاحتكارية لبضائع الشرق وقطع طرق التجارة بين العالم الاسلامي والهندي عن طريق البحر الأحمر والخليج العربي في وجه التجارة العربية.
أما بالنسبة للإنجليز فقد كانوا الدولة الاستعمارية الأطول عمراً في المنطقة بصفة عامة ،والتي لها دلالتها في موازين القوى الدولية والإقليمية معاً بتعويضها أركان مملكة هرمز الشهيرة، وإخضاعها لتبعيتها منذ عام 1507م وحتى 1622م. ويشير بوشرب في أول إشارة صريحة في بيان طبيعة المصالح البرتغالية في المنطقة في رسالة أفونسو (أفونصو) البوكيرك Afonso Dalboquerque عام 1508 إلى الملك البرتغالي بعد شهور قليلة من إحتلال هرمز، ذكر فيها رغبته في التحكم في كل سواحل الخليج إعتماداً على حروب برية وبحرية تسمح له بالسيطرة على المنطقة، لأنها كما ذكر أمر عظيم ومنطقة غنية حيث يكثر بها اللؤلؤ. وفي موضع آخر يشير البوكيرك إلى سبب خفى لانطلاق المراكب في اتجاه الهند محملة بعدد كبير من الخيول، وكذا كميات مهمة من اللؤلؤ، وكعادته أدخل العامل الديني، وأكد رغبته في القضاء على الإسلام، وتخريب أماكنه المقدسة، وذكر أن احتلال بلاد مثل البحرين والقطيف يسمح بالهجوم على مكه المكرمة.
يتبع ،،،،،

محمد بن حمد الشعيلي
أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى