الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / من التراب إلى التراب ، لـ علي الهنائي

من التراب إلى التراب ، لـ علي الهنائي

نفتح عبر هذا العمود كما تعودنا واحدة من النوافذ الفنية التشكيلية لنطلع على فكر مبدعيها المبتكرين، أصحاب الخيالات؛ الباحثين وراء الفكر الغريب عن التقليد، السابقين لعصرهم، سمعت البعض ينعتهم بالمجانين لتميز أفكارهم لكنهم في الواقع أذكى الناس وأكثرهم خيالاً وأخصبهم إحساساً، لهم صولات وجولات في ركيزة الحضارة لأنهم القائد الكفؤ لقاطرة التطور، فدخولهم لأي مجال عملي أو علمي قد يحوله من العالم المعقول إلى العالم اللامعقول، لما يقدمونه لنا من مبصرات فنية باعتبارها وسائل اتصال فكرية من شخص إلى آخر، فالفنون هي في الواقع لغة، استخدمت لترجمة التعابير التي تَرِدُ في ذات الإنسان الجوهرية وهبها الخالق للكثير من الناس ولكن بدرجات تتفاوت بين الفرد والآخر، غير أننا لا نستطيع أن نصف كل هؤلاء الناس بفنانين إلا الذين تميزوا عن غيرهم بقدرة إبداعية هائلة في التعبير من خلال الوسائط المادية. عموماً إنني سعيت قاصداً من هذه المقدمة التعريفية عن كُنْه الفن وباعثه، أن أقدم واحدة من تجارب الفنان التشكيلي الشاب علي الهنائي الذي طالما أبهرني من خلال اطروحاته الفنية بجمال الفكرة وروعة تنفيذها عبر مشاركاته العديدة في المحافل التشكيلية، جُل أعماله تعتمد على (البساطة) التي هي مرمى كل أديب وهدف كل فنان، ومن حققها في أعماله فقد حقق البلاغة في الأداء بأسهل الطرق وأوضحها، وبأسلوب جزل كثير الأناقة قوي التعبير رائع الجمال لا أثر للكُلفة فيه ولا موضع للتصنع والترديد الحائر بين جنباته، وباختصار إنها كلمة الحق وفصل الخطاب، وأشير هنا إلى أن البساطة في الفن لا تعني الخور والهزال ولكنها تبني أسسها على المتانة وقوة التركيز والعلم الصحيح القائم على الإدراك الكامل والفهم العميق لحقائق الأشياء ومضامينها. ولعل صورة المنحوتة الماثلة أمامنا وما تحمله من مضمون، هي أبلغ ما يمكن وصفه في هذا السياق، وقد أتى بها الفنان من أصل عقائدي ومن حقيقة علمها من علمها وغفل عنها من غفل، ونساها من تشربت نفسه بالجري لهثاً وراء هذه الحياة الدنيا ونسي بدايته ونهايته، فالفنان هنا يقدم لنا منحوتته الرائعة بأسلوبه المميز ليسحب رداءنا ويوقف حركتنا ويلفتنا بروعة أدائه إلى هذه الحقيقة حتى لا نغفلها، لأنه سمع ورأى من طغى وتجبر ثم أدبر واستكبر وغرته الحياة بزخرفها، ونسى أن أصله تراب، وشاء أم أبى سيعود إليه، وفي سورة الكهف يقول الله تعالى على لسان الرجل المؤمن الذي وبخ صاحبه على طغيانه وتكبره، فعندما أراد أن يعيده إلى رشده وصوابه ذكره بأصله ومنشأه ” قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ” ويقول العلي الحكيم ” ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ” وغيرها من الآيات التي تؤكد هذه الحقيقة وتعلنها صراحة كفلق الصبح. وفي ركن فلسفي آخر نستشفه بين أركان العمل نلمس لقطة أخرى لعلها السبب وراء حركة الجسد الملتوية التي توضح معها شدة الألم والمعاناة التي يمر بها الإنسان في حياته وفي مماته، فقد لف على جسده رباط من أعلاه لأسفله ليعبر عن الكَبَدْ الذي يعيشه الإنسان في حياته، فهذه الدنيا لا تخلو من المنغصات ولا تدوم على حال وهذا الكائن الترابي قد بين له ربه سلفاً كيف ستكون معيشته على التراب فقال تعالى ” لقد خلقنا الانسان في كبد ” أي في شدة وعناء من مكابدة الدنيا . وقد استخدم الفنان خامة البرونز كوسيط في تنفيذ منحوتته، وقد أسبغت هي الأخرى جمالاً في الأداء وروعة في المعنى فالنحت بحد ذاته يختلف عن باقي الفنون من حيث الأسلوب فهو لا يتعامل مع الأشكال المسطحة مثل فن التصوير وإنما يتضمن أشكالا مجسمة ذات أبعاد ثلاثة، فنجد أن المتعة الفنية التي تتصل بأعمال النحت لا تأتي من خلال المشاهدة فقط وإنما عن طريق الملمس والحركة المجسمة أيضاً، لذا فهي تنقل لنا الإحساس بواقعية الشكل المنحوت، ومن أقدر الوسائل لنقل الحس الفني العالي باللمس هي خامة البرونز التي نفذ بها الهنائي عمله، وقد تم استخدام هذه المادة بعد استخدام الطين لفترة طويلة من الزمن لكن تاريخه يرجع للعصر البرونزي من 3000 إلى 1000 ق.م ومن خلاله يستطيع المثال عمل نموذجه الأصلي من الطين ثم صبه بمعدن البرونز دون أية صعوبة كما يمكن إعادة الصب مرات متعددة والميزة الكبرى في هذا المعدن هو قدرته على التماسك وعلى الثني وعدم التشقق أو الكسر ويظهر تطبيق هذه الخامة بوضوح في عمل التماثيل التي بها انحناءات أو حركة كعمل الفنان علي الهنائي هذا.
عموماً هكذا هو ديدن الفنان المبدع يسوق لنا إبداعه ليوصل رسالته بشتى الوسائل وقد انتقاها من مجموعة الجهود المتكاتفة التي اختزنها في روحه خلال حالات متنوعة من الصفاء والتجلي في أقاصي النفس، وجملها وصقل معدنها بجهد فكري ودرس عملي وبثقافة صحيحة راقية تبدو معها جميلة الرواء باهرة الضياء، تبلور كله وتكرر حتى بات في النتيجة هذه القطرات العزيزة النادرة ضمن قارورة التراث الإنساني .

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى