السبت 15 ديسمبر 2018 م - ٧ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : فتشوا عن الحرب في دم الإنسان!

باختصار : فتشوا عن الحرب في دم الإنسان!

زهير ماجد

عند الإنصات إلى التاريخ سوف يتبين لنا كم أن الإنسان أظلم بحق نفسه حين شن حروبا بلا هوادة على أخيه الإنسان الآخر لأسباب عديدة، يؤكد الماركسيون أن الحرب دائما من أجل قضايا اقتصادية، في الوقت الذي تعددت فيه المذاهب الفكرية التي تتناول تلك الظاهرة المتكررة في التاريخ البشري، لكن في كل الأحوال هي في جوهر الإنسان وفي دمه وفي علامات روحه التواقة للصراع الدائم كما يقول تولستوي.. وإذا لم يجد الإنسان سبيلا للحرب سيخترع ما يوصله إليها ولو بطرق مختلفة.
ذلك المشهد في شارع الشانزلزيه بباريس حيث اصطف أحفاد المحاربين القدامى ليتذكروا معا ماذا فعلت بأوروبا الحرب العالمية الأولى والتي كانت تجربة اكتشاف من مع من؟ ومن ضد من؟ وكيف يعمل العقل البشري ليواجه..؟ لم يكن غريبا أن يفتتح القرن الماضي بهذا النزال الكارثي التدميري الساحق .. وكيف أرادت أوروبا أن تتفاهم مع حالها فقامت للبرهنة على أنها لكي تصل إلى التفاهم عليها أن تمر بعداء قاتل.
الغريب أن أوروبا اكتشفت الأثر الكارثي الذي أحدثته الحرب الأولى، فإذا بها تذهب إلى الثانية خلال عشرين سنة .. ربما لأن هتلر تطوع لإعادة صياغة العالم على طريقته، أو ربما أن هزيمة ألمانيا في الأولى والمعاهدة الجائرة التي حكمتها (فرساي) لم يقبلها الألمان، وخصوصا وأن النازية أوجدت لها طريقا إلى قيامة ألمانيا من جديد من أجل أن تنهار مرة أخرى.
في باريس بالأمس لم يكن بين الواقفين تحت مطرها أحد من بقايا الحرب الأولى ولا حتى الثانية، لكن بعضهم يعرف أن ما جرى للإنسانية ما بعد الحرب العالمية الأولى كان صادما لها ومؤكدا أنه يمكن إيجاد انتصار على حساب آخرين أيضا، فكانت معاهدة سايكس بيكو الغاشمة، وكان وعد بلفور الآثم اللئيم الذي حصد وطنا بأكمله هو فلسطين، رفعه من خريطة العالم بضربة متفق عليها .. هكذا يفعل الأقوياء حين يشغلون التاريخ بصراع إضافي كبير طويل طول الأزمان التي ستليه إلى أن يعود الحق إلى أصحابه، الأمر الذي يحصل وسيحصل.
مشهد الاحتفال الذي ضم الأصدقاء والأعداء في ذلك الزمن، وأيضا في زمننا على الرغم من الصورة البهية التي يتصافح فيها الزعماء، كان لا بد منه للقول بأن العالم يحاول أن يتعايش فيفتش عن مقتله ليتجاوزه .. لا يقال سرا هذا الكلام، ولا ما جمع هؤلاء بالأمس، وفي لحظة منهم حضرت الرصاصة التي أطلقها المواطن البوسني على أرشيدوق النمسا ليشعل فتيل الحرب الأولى. هل نصدق أن الرصاصة تلك أشعلت أوروبا كلها وتداخلت فيها الصداقات والعداوات، ودمرت نصف أوروبا أو أقل، وقتلت أكثر من عشرة ملايين، مع أن تولستوي كان كتب روايته العظيمة حول “الحرب والسلام” أودع فيها أفكاره المثالية وهي الطبيعية في كل الأحوال في معنى ما قصده من عنوان روايته؟
وفي النهاية دائما، يتم نسيان من ماتوا في الحروب، لا يتذكرهم إلا من فقد عزيزا عليه .. مشاهد الهروب من الموت لا تبتعد كثيرا عن مشاهد اليوم التي سببها الحروب أيضا، يفتش الإنسان عن وسيلة ليجد أمنا في أي مكان .. تدفع الشعوب عادة الأثمان الباهظة لكي تعلق النياشين على صدور القادة، تغلق ملفات المتوفين وتعطى أرقاما متسلسلة، ليظل هنالك جنود بلا هوية وبلا مكان ابتلعته أرض ما لصعوبة انتقال جثته إلى حيث يجب أن تكون.

إلى الأعلى