الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الضفة الأخرى

الضفة الأخرى

* النص القصصي الفائز بالمركز الخامس.

تلك اللحظة التي لم تنسها بدور منذ زمنٍ طويل ، كان الشتاءُ يطوفُ ارجاءَ مسقط وكانت الأضواءُ الباردةُ فيها ترتجف ، كما الناس الذين لم يعتادوا على فصلٍ كالشتاء .
تذكرت صوت الريح ، ضربات الموج القريبة على الصخر ، الشوارعُ الفارغة .
ظِلُ القمر ، أوقفها فجأةً ..!
بينما هي تنطلقُ بخيالها و ذاكرتِها إلى كُلِ ذاك ، أوقفها التردد فيه و التي تنمُ عن شئٍ يحجُبُه بين اللحظة و الآخرى .
بحركة مُثقلةٍ وتفاصيل تتماها مع الليل .
يقترِبُ أكثر ، تتأمل تلك الحركة التي أصبحت أكثرَ رُكوزاً ، أو ربما هي سمة السنوات الطويلة فِي هذة الحياة .
أقترب منها …..
عرفَها ، كما يعرفُ أهل ذاك الحي منذُ صِغره ، و كعادته يلقي تحيته بإبتسامة صامتة .
كان كما لو أنها لم تفارقه ابداً .
رجلٌ .. بمصرهِ القديم ، دشداشته المسقطية ، و عصاه .
غير أن تأملها ذاك جعلها تتوقفُ عندَ جُرحٍ بليغٍ اعلى عُنقه بقليل .!!
” الجلص” هو الأسم الذي يُطلِقونه أهل مسقط عليه ، وهكذا هو يُحبُ أن يُنادى ـ كما يقولون – .
صار الصمتُ يُطوقُ أوصواتهم الباردة ، رغمَ أن العيون كانت مقيداً بملامح شئٍ ما .
شعرت بدور بحنينٍ ما منذُ أن رأت “الجلص” ، العمر التي غابت فيه عن هذا المكانِ ، و أهله ، الأصوات الكثيرة المتداخلة ، الصور المتناثرة من ماضيها في مسقط جعل هذا الحنين يكبر أكثر في كل لحظة .
بادرها هو بسؤاله ـ رغم صمته المعتاد ـ
-هل شَمسُ مسقط لازالت دافئةً على أهلها ؟
- تستغربُ هي من سؤاله لعلمها بأن “الجلص” لم يُغادر مسقط يوماً ابداً كحالِ العديد من الناس هنا ، فمسقط تمثُل لهم الملاذ الأدفئ في هذا العالم ، بدور شعرت بغصه صوته .
وقالت : لا أعلمُ إن كانت مسقط القديمة هي نفسها الآن ، ولا أعلم إن كان علي أن أقول ” قديمة ” فمنذُ أن رحلتُ عنها و بداخلي قناعةٌ تامة بأن مسقط لا يراها الكثيرون من العابرين ، كما نراها نحن .
بدور بعد تحديقها في المكان تسأل .
-أين كُنت ؟ هل رحلت أنتَ أيضاً كما فعلتُ أنا ؟
- مسقطُ لا تُغادر ، هي لا تمثلُ الملاذ فقط ، بل تعني العالم بأسره للأحياء والأموات ، للمتعبين ، للهاربين ، هي مسقطُ .
تبتسمُ بدور إبتسامةُ الموافقة على كلامٍ كهذا ، ليعود بعدها الصمت والشرود إلى كليهما .
فجأة … تتبددُ الإبتسامةُ عن وجة بدور ، و كأن أمراً ما حملتهُ الذاكرة أو المكان لها .
للحظة أحست بالخوفِ من ما دار في بالِها ، و حاولت أن تُخفيه ، أو تتناساه ، لكنّ
“الجلص” لاحظ ذلك فسألها عن ما يدورُ في بالها ؟
برتباكٍ تردُ : لا لا . لا شئ .
هذا الإرتباك أسقط عينها على الجُرحِ الذي على عُنقه مرةً أخرى ، و بنفسِ الإرتباكِ تسأل هذة المرة .
-ما بالُ الجرحِ على عُنقك ؟
توشحت ” الجلص ” ملامحٌ من أشياء متداخله لم تستطع بدور فهمها . بعد صمتِه .
-هو جرحٌ قديم ، قديييييم .
بدور فهمت أن ورى هذا الجُرح قِصة ، لا يُريدُ أن يُفصح عنها .
عادت للخاطر الذي أقلقها قبل ذلك ، للتذكر بأن أحد العابرين عليها في حيّها الجديد قبل 13 سنة ، نقل لها – كما سَمِعَ هو أيضاً – بأن ” الجلص ” قد مات متأثراً بجرحٍ ، بعد حادثةٍ تعرض لها ، ويقولُ القائل أن أهل مسقط لم يُشاهدوا “الجلص” بعد النزيف الشديد الذي تعرض له ، وقد تناقل الناس العديد من القصص و الخرافات ورى غياب ” الجلص” بعد ذلك اليوم ، محاولين تفسير هذا الغياب .
تقول بدور لنفسها والشك يراودها ، هل من المعقول أن هذا الذي يقفُ أمامي هو شخص آخر ؟ هل مات “الجلصُ” أم كانت شائعة ؟ من هو إذاً إن لم يكن “الجلص” ؟
هل تخبره بالحقيقة التي سمعتها قبل 13 سنة ؟
تتردد كثيراً ، ولا تعرفُ إلا الصمت الذي يختارهُ القلقُ والإرتباكُ عنها ، وتلك القصة القديمة التي تذكرتها عن “الجلص” تترددُ في بالها بلا توقف ، كما تفعل قطرات الماء المتتالية على الصخر بلا كللٍ ولا ملل .
مرة أخرى يُقطعُ هذا التفكير الغارق صوتٌ تعرفهُ جداً ، تتذكرهُ بتفاصيله التي لا تغيبُ عن بالها ، فـ في صغرها كان ” ود نهام ” شخصٌ يَكبرها بخمس أو ست سنوات ، كانت كلما ذهبت إلى البحرِ مع بقية الأطفال ، وجدته يتلو أهازيج البحارة ، وينظر إلى البحر منتظراً اباه الذي يمتهن الصيد ، كحالِ بعض الرجال في مسقط .
تلك الصور التي تتقافزُ إلى بالها ، تأججُ الحنين أكثر وأكثر ، لتذهب بعيداً ، وتعود بالزمنِ .
تضحك بدور في شرودٍ غارقٍ يفقدها الشعور بما حولها ، ثملةً بتفاصيل قديمة وذكريات ترتسمُ وكأنها الأن .
تذكرت بعدها “الجلص” ، إلتفت إليه ، وبصوت خاطِفٍ من بعد صمت تُناديه
الج…
تتوقف ، لترى أن ” الجلص ” قد رحل دون أن تشعر به . ولكنها لمحت عصاه مُلقاهٌ على الأرض ، عصاه تلك التي لا تفارقهُ ابداً في كل مكان ، وكأنها جزءٌ منه .
يتسارعُ كل شئ ، مشاعرُ الخوف والتوتر والإرتباك و القلق تتداخلُ مع بعضها . تشاهدُ في الجانبِ الأخر ” ود نهام ” يقتربُ أكثر من مكانها .
تناديه / ” ود نهام … ود نهام .. ود نهام ”
و من الغريبِ أن لا يردُ عليها وكأنه لا يراها ولا حتى يسمعُ صوتها .
لكنها سمعته يقول شيئاً غريباً لم تفهمه ، لم تستوعبه .
” بدور من بعد غيبه تغيب ، و “الجلص” ميت عصاه طاحت من يدينه ”
” بدور من بعد غيبه تغيب ، و “الجلص” ميت عصاه طاحت من يدينه ”

حسام بن خميس الوهيبي

إلى الأعلى