الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رحاب : سمحان.. يا جبل الصلاة -2

رحاب : سمحان.. يا جبل الصلاة -2

أحمد المعشني

وصلنا إلى منحدر ممر خارش في جبل الصلاة (سمحان) في تمام الساعة الحادية عشرة ليلا؛ هذه المرة الثانية خلال هذا العام نأتي إلى هنا، والمرة الرابعة خلال عامين. لقد صارت منطقة الصلاة (صولوت) مكانا مفضلا لرحلات التنزه والاسترخاء، وممارسة رياضة المشي والتسلق والتأمل. تنفرد المنطقة في هذه الأيام بموسم ربيع تعيشه عقب هطول أمطار غزيرة أسالت الأودية وفجرت ينابيع الماء من بطون الجبال وأعادت القوة والحيوية إلى العيون المائية، وألبست المنحدرات والمرتفعات والتلال اخضرارا تكسوه الأزهار والورود. أخرجنا أمتعتنا من السيارات، افترش بعضنا الأرض، بينما نصب بعضنا خيام الرحلات المحمولة. كانت متعتي لا توصف وأنا أنظر إلى السماء المرصعة بالكواكب والنجوم، أطفأنا المصابيح اليدوية وأعمدة الإنارة المحمولة، ونامت الهواتف النقالة، وأخذ الجميع مضاجعهم؛ بينما بقيت لدقائق أستمتع بذلك المشهد الذي أحاول من خلاله التواصل مع الوعي الكوني الذي يربط كل شيء بكل شيء، ويوقظ إدراكي بكل ظاهر وباطن وبكل معلوم ومجهول. كل الإجابات الروحية أعيشها هنا بدون لغة، وبدون أسئلة. هنا لا أحتاج إلى فلسفة أو رياضات روحية للوصول إلى حالة الاستنارة؛ فقط أجعل نفسي مستعدا، وأطلق العنان لكل حواسي الباطنية أن تمارس عملها في تناغم وانسجام وهدوء. ولا أستخدم التفكير المنطقي وأتخلص من الشك والتفلسف، وأستعيد حالة كينونتي الفطرية. أتسلل بهدوء نحو السكينة التي تأنس إلى نفسي. أرى وأسمع وأشعر بكل شيء في وقت واحد. يتحرر سمعي من الضجيج، وتتخلص عيناي من الصور وتستعيد أحاسيسي صفاءها وهدوءها. السكون يملأ الخلاء الفسيح الذي أبحر فيه متأملا، أشعر بالحياة اللانهائية والحقائق الأزلية والكائنات اللامتناهية والوجود السرمدي يشاركني هذه اللحظة، كل بلغته وتفكيره واهتمامه، ونشترك جميعا في التسبيح “وما من شيء إلا ويسبح بحمده” يقودني التسبيح إلى الشعور بمعية الله سبحانه وتعالى، أشعر بمعيته أقوى من كل معي، يملأ نوره وجودي ويتمتد نوره إلى كل شيء، كل شيء قريب أو بعيد، مرئي أو غير مرئي، محسوس أو غير محسوس، إدراكي الأرضي عاجز عن التوغل هناك، وكيف لي ذلك؟! لكنني أشعر بالنور يخترق كل شيء.. السماوات والأرض، والمجرات والكواكب والنجوم وكل الكائنات، بل كل الوجود. هنا يسود الحاضر وتكبر مساحة اللحظة الراهنة ويصبح الماضي منتهيا ويصبح المستقبل فاقد القيمة، لأنني أعيش (الآن) حيث لا قبل ولا بعد. تنتهي وعورة الحياة وتتلاشى مشكلاتها، وتصغر القضايا التي تستهلك الوعي البشري. ينبلج الفجر، وتبدأ خيوطه تنزع عنها الظلام، ويرتفع الأذان من بعيد ومن قريب ومن هواتف بعض الزملاء معلنا “الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم”. أدينا صلاة الفجر في جماعة، ثم شحنا أمتعتنا في السيارات، ولبسنا ملابس التسلق، ثم انطلقنا متجهين إلى الأعلى حيث ممر خارش، ننظر إليه من مكان انطلاقنا مشرئبين إلى جبل الصلاة العملاق وهو يرحب بنا من جديد، كان الصعود شاقا وممتعا، فكل مشقة متعة ولكل متعة مشقة، هكذا هي ثنائية الحياة. تابعنا الصعود بدأ المشهد يتغير وصارت سيارتنا ذات الدفع الرباعي تبدو صغيرة جدا في أعيننا عندما ابتعدنا وصرنا ننظر إليها من أعلى؛ بينما صار وعينا بالجبل الشامخ يكبر ويتضخم. هناك صار للماء قيمة، وظهرت أخلاق الإيثار بين أعضاء الفريق، فمنهم من يخرج حبة برتقال ويعطيها إلى رفيقه وبعضهم يخرج تمرا أو تفاحا ويقدمها لأخيه، وصار للماء قيمة كبيرة، وكل شيء نحمله على ظهورنا أصبح غاليا ونفيسا. نشعر بالنعمة أكثر ونقدر قيمة الحياة الرغدة التي نعيشها في واقعنا الراهن دون أن نشعر بقيمتها، ندرك مرة أخرى أن رياضة المشي والصعود والتسلق والتأمل والمغامرة؛ هي أساليب فاعلة في إيقاظ الوعي الذاتي وتعزيز جودة الحياة.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى