الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م - ٤ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / دراسة تأريخية للمؤلف فهد الرحبي تستقرئ عهد السلطان فيصل بن تركي
دراسة تأريخية للمؤلف فهد الرحبي تستقرئ عهد السلطان فيصل بن تركي

دراسة تأريخية للمؤلف فهد الرحبي تستقرئ عهد السلطان فيصل بن تركي

تتناول جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية
كتب ـ خميس السلطي:
صدر للمؤلف فهد بن محمود الرحبي كتاب “عمان في عهد السلطان فيصل بن تركي (1888-1913م)” ، والذي يشكل دراسة تأريخية ذات أهمية كبيرة في الشأن التاريخي العماني، وذلك عن مؤسسة الانتشار العربي، تحدث مؤلفه عن أهمية الفترة الزمنية المحصورة بين عامي (1888م – 1913م) حيث اعتبرها مرحلة مهمة في تاريخ عُمان الحديث، وهي تمثل فترة حكم السلطان فيصل بن تركي، نظرا لما خلفته من نتائج خطيرة، سواء من حيث تطورات الأوضاع الداخلية في عُمان التي شهدت عدم استقرار الوضع الداخلي المتمثل في الاضطرابات التي قامت بها القبائل ضده، بسبب فرض بريطانيا إرادتها على السلطان، فكان عهده مثالاً للتذبذب السياسي والانهيار الاقتصادي مما أثر بالتالي على الأوضاع الاجتماعية في عمان.

فكانت نهاية حكم السلطان فيصل بن تركي بداية انقسام عمان رسمياً إلى شطرين شطر يحكمه السلطان في الساحل مدعوم من البريطانيين، فقد أصبحت عمان في تلك الفترة تمثل حجر الزاوية في الاستراتيجية البريطانية، وشطر تحكمه الإمامة في الداخل مدعوم من العلماء الإباضيين، ولذلك يعتبر المؤلف أن هذه الفترة المهمة في تاريخ عُمان الحديث تحتاج إلى بذل جهد كبير من قبل الباحثين والدارسين.

وقام المؤلف بتقسيم الكتاب إلى أربعة فصول، كما تقدم لها بفصل تمهيدي تناول فيه التعريف بعمان وأهمية موقعها الجغرافي، ثم انتقل إلى سرد سريع للتعريف بالأحداث السياسية والاقتصادية التي مرت بها عمان قبل حكم السلطان فيصل بن تركي مركزا على تلك الأحداث التي صاحبت تفكك الامبراطورية العمانية عقب وفاة السيد سعيد بن سلطان، بالإضافة إلى معرفة خبرات السلطان فيصل بن تركي الإدارية والعسكرية قُبيل تولية حكم عمان. أما الخاتمة فقد تم فيها عرض لأهم النتائج التي ترتبت على ما تم بحثه حول هذا الموضوع، وقائمة بأسماء المصادر والمراجع، بالإضافة إلى صوروملاحق للوثائق التاريخية لبعض المواضيع ذات الصلة بموضوع الكتاب.
بينما تناول الفصل الأول من هذا الكتاب الأوضاع الداخلية في عمان خلال الفترة (1888م– 1913م )، بداية من تولي السلطان فيصل الحكم بشكل سلمي بعد أن فرض نفسه على حكم عمان، وكان هو الأوسط بين أخوته فتقبل أفراد أسرته الأمر في جو سلمي، فكان أول سلطان عماني من أسرة البوسعيد يتولى الحكم بصورة سلمية في عمان، كما بين المؤلف أن السلطان فيصل في بداية عهده قد بذل محاولات للتقرب من زعماء القبائل العمانية المعارضة لحكم أبيه.
كما ناقش الكتاب الأسباب التي أدت إلى قيام الشيخ صالح بن علي شيخ قبيلة الحرث بالهجوم على مسقط في عام 1895م وكانت إحدى تلك الأسباب هي تحريض سلطان زنجبار الذي كان يمني النفس بإعادة توحيد عمان وزنجبار في إمبراطورية واحدة تحت حكمه للشيخ صالح؛ فزوده بالمال والسلاح في مقابل إسقاط حكم السلطان فيصل.
وتطرق المؤلف في هذا الفصل أيضا إلى الحملات التبشيرية التي وصلت إلى عمان والاساليب التي اتبعتها هذه الحملات من أجل التبشير، كما تتبع الكتاب النشاط التنصيري الذي بدأ في عمان مع بداية حكم السلطان فيصل حيث انشأت الإرسالية العربية في نوفمبر من عام1893م على يد القسيس بيتر زويمر مركزها التنصيري الثالث في الخليج العربي.
وناقش الفصل الثاني من الكتاب علاقة عمان الخارجية، حقيقة أطماع الدول الاستعمارية في تلك الفترة في عمان بداية في علاقة السلطان فيصل بن تركي مع بريطانيا مرورا باعتراف الحكومة البريطانية به سلطانا على عمان ، وذكر المؤلف الأسباب التي جعلت السلطان يقبل على توقيع معاهدة مع بريطانيا في عام 1891م، عرفت باسم “ الاتفاقية العمانية البريطانية للصداقة والملاحة والتجارة “، والتي وجد السلطان فيصل نفسه مضطراً لتوقيعها من أجل الحصول على الدعم البريطاني في مواجهة خصومه فضلا عن الدعم المادي المتمثل في تقديم قروض مالية والاستمرار في دفع معونة زنجبار، وكان من أهم بنودها العشرين، هو البند الذي سمح للرعايا البريطانيين بحرية التملك في أراضي السلطان، من النتائج السياسية الخطيرة للاتفاقية أن عززت بريطانيا من نفوذها في عمان، فضلاً عن تزايد عمليات التفتيش البحرية التي قامت بها سفن البحرية البريطانية ضد السفن التجارية العُمانية.
كما يتناول الفصل الثالث الأوضاع الاقتصادية في عمان، والتعرف على تجارة السلاح في عمان ومعرفة أسباب ازدهار تجارة السلاح في مسقط، في بداية عهد السلطان فيصل، وبين المؤلف كيف أصبحت مسقط تمثل مناخاً اقتصادياً جذب شركات السلاح العالمية التي سعت إلى أن تكون لها وكالات تجارية في مسقط، فكانت من أبرز تلك الشركات العالمية شركة الهند البريطانية للملاحة البخارية، كما أوضح الكتاب كيف اسهمت تلك التجارة في رفع إيرادات الدولة حتى بلغ دخلها عام1891م أربعة ملايين دولار نمساوي كانت الأسلحة تمثل ربع ذلك المبلغ، وكانت حصة السلطان تتراوح بين 20 – 30% من أرباح تلك التجارة.
بيّن الكتاب أيضاً الدور الذي لعبه التجار الأجانب المتمثل في الهنود بفئاتهم المختلفة (البانيان والخوجا) في دمج النشاط الاقتصادي العماني المحلي بالنشاط الاقتصادي العالمي، وذلك من خلال الاتصالات التجارية مع الشركات الأوروبية والأميركية التي افتتحت مكاتب وفروع لشركاتها في السلطنة، فأصبحت مقدرات وخيرات البلاد بيد التجار الهنود بسبب الرعاية والحماية البريطانية لهم.
وعالج الفصل الرابع الأوضاع الاجتماعية والصحية والحياة الثقافية، فقد استعرض المؤلف في هذا الفصل مظاهر الحياة الاجتماعية، من خلال الحديث عن التركيبة الاجتماعية في عمان، ودور القبيلة فيها باعتبارها الوحدة الاجتماعية الأساسية، كما حاول الكتاب تناول الحركة الفكرية التي ظهرت في عهد السلطان فيصل بن تركي، وكان من أبرز مظاهرها غزارة الإنتاج الفكري، وظهور عدد من المفكرين الذين استمر تأثيرهم بعد رحيلهم بأجيال متعاقبة؛ فكانوا فقهاء دين ورجال دولة وموجهين للسياسة ومعلمين ومؤلفين من قبِيل الشيخ العلامة نور الدين السالمي الذي يعتبر لوحده مدرسة فكرية متميزة، كما أنه المحرك الأساسي لكثير من الأحداث السياسية بحكم شخصيته المؤثرة في قيام الإمامة الإباضية عام 1913م. كما حاول الكتاب التعرف على أبرز الشعراء الذين ظهروا في تلك الفترة أمثال أبي الصوفي ومحمد بن شيخان وأبو مسلم البهلاني، كما حاول الباحث دراسة لغة وأسلوب المخاطبات الرسمية والأدبية المتداولة في تلك الفترة، والتي حفلت بأخطاء إملائية ونحوية وشاعت فيها مصطلحات من اللهجة المحلية ومصطلحات أجنبية.

إلى الأعلى