الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / محافظة ظفار.. ألم يكن في الإمكان أفضل مما كان؟
محافظة ظفار.. ألم يكن في الإمكان أفضل مما كان؟

محافظة ظفار.. ألم يكن في الإمكان أفضل مما كان؟

رؤية ـ خلفان الزيدي:
كما في كل مرة وبعد كل زيارة إلى محافظة ظفار، أعود منها لأسأل نفسي عن الجديد والمتغير الذي وجدته هناك، أفتش عن صورة غير الصورة التي أعرفها عن صلالة والمدن التي تسكن الخريف، وترتشف ماء السحاب، وأبحث عن مشاريع جديدة تستوعب أعداد العشاق الذين يفدون إلى هذه المنطقة في كل مرة، وعن الأراء والانطباعات التي يخرجون بها، وعن الأماني التي تتبخر، ولا يبقى لها أثر.. وعن طموحات الكثير من المسئولين في محافظة ظفار التي تتقاطع مع طموحات الأهالي والزائرين.. دون أن يكون لها صدى.
لا جديد تحت ضباب ظفار، هي العبارة الأقرب للواقع، وتجسيدا للحقيقة التي قد نعرفها جميعا، والصورة التي يتشارك الكثير من الناس فيها، ويعرفونها عن قرب، دون أن يملكوا من الأمر شيئا في تغييرها، حتى أن الكثير من زوار ظفار عقدوا العزم على تبديل وجهتهم في المرة القادمة، وأن لا تكون صلالة ضمن قائمتهم ما لم تتبدل الأحوال فيها، وتتكامل الخدمات، وتقوم مشاريع سياحية واعدة تستجيب لتطلعاتهم وآمالهم..
ولأن الجهات المسئولة عن السياحة، توقفت عن الترويج لزيارة محافظة ظفار، بسبب عدم قدرة المحافظة على استيعاب الأعداد الكبيرة المتزايدة عليها عاما بعد آخر، وهو ما يؤشر بخلل في صناعة السياحة، وتنشيط الاقتصاد الوطني من خلالها، باستجابتها للتطورات، وانتظار ذلك إلى أجل غير مسمى، ريثما تكتمل البنية الأساسية المطلوبة لهكذا سياحة.. لأن ذلك يحدث، كان لا بد من وقفة علها تلامس أسماع بعض المسئولين، وتثير انتباه المشتغلين على قطاع السياحة من القطاعين العام والخاص.
إذ يبدو الحديث عن السياحة في محافظة ظفار، وعن الخدمات المقدمة للسائح، حديثا مملا، يسير العمل فيه بوتيرة متقطعة وبطيئة في أحايين كثيرة، فرغم النجاح في تسويق صلالة كوجهة سياحية والتعريف بالطبيعة البديعة والمناخ المعتدل في شهور الصيف اللاهبة، واستقطاب أفواج سياحية كبيرة من داخل السلطنة وخارجها، إلا أن ذلك لم يقابله الاستعداد الكافي لتوفير متطلبات هؤلاء السياح والزوار، وتهيئة البنية الأساسية المناسبة لهم.
أقول ذلك وأكاد أنتقص من الدور المؤسساتي الخاص الذي كان عليه أن يتضافر مع الجهود المبذولة من قبل الجهات المسئولة عن السياحة، دون أن يعني الموافقة على كل الدور الذي قامت به هذه المؤسسات، فهي وحدها من يقع عليها اللوم حينما يواجه زائر ظفار معضلة في تأخر الخدمات المقدمة له، ويفتقد أبسط احتياجاته.
فمبادرات القطاع الخاص العماني لا تذكر أمام كم المشاريع الواعدة التي يمكن إقامتها في محافظة ظفار، ناهيك عن أن أغلب المستثمرين العمانيين في هذه المنطقة، ينتظرون العائد السريع والمضمون، ولذلك يحجمون عن مشاريع عديدة تطرح للاستثمار، ولا نجدهم لهم حضورا لافتا في المسئولية الاجتماعية المنوطة بهم وبشركاتهم ومؤسساتهم التجارية.
وإذا ما دخل المستثمر العماني في مشروع ما، فإن الفاتورة تكون مرتفعة جدا، وفي ذلك شواهد ماثلة للعيان في مشاريع دخل القطاع الخاص العماني فيها، مستفيدا من عطايا الحكومة، وهباتها، دون أن يكلف نفسه في تطوير هذه الخدمة، أو تقديم ما عليه من مسئولية اجتماعية وواجب وطني، يرفد المنطقة سياحيا واقتصاديا وتجاريا.
ولذا لا غرابة أن نجد أن أكبر الاستثمارات التجارية الموجودة في محافظة ظفار، هي للقطاع الخاص الأجنبي، وهو وحده من حرك الكثير من المشاريع، أوجد صورة مغايرة لوجه صلالة السياحي.. وبادر فيما أحجم عنه القطاع الخاص العماني.

ماذا تحتاج صلالة؟
يبدو السؤال بسيطا، وموجزا في معرفة احتياج محافظة ظفار من المشاريع والخدمات، لرفد وتنمية وتنشيط السياحة فيها، لكن اجابة هذا السؤال ستتوقف عند آراء وملاحظات كثيرة، كل يصفها حسب حاجته ورؤيته، فمن مشاريع البنية الأساسية، إلى مشاريع الترفيه والتسلية، إلى التسويق والترويج الأمثل لمقومات السياحة، ستتعدد الرؤى، وتختلف الخطط والأفكار، ولكن جميعها يتفق عند رؤية واحدة، وهي حاجة محافظة ظفار إلى صناعة حقيقية للسياحة، وإلى تكاتف مؤسساتي لإيجاد هذه الصناعة.. وذلك لا يكون إلا بأن تأخذ أولا كل جهة دورها، وتقوم بواجبها على أكمل وجه، وفق استراتيجية واضحة، وخطط بأهداف محددة المعالم.
إن ما يؤسف له، إن الاستراتيجية السياحية في محافظة ظفار، غائبة تقريبا، والأهداف تكاد تكون عائمة، وليس هناك أهداف حقيقية متوخاة من كل هذه الجهود، وكل ما يقام من مشاريع هنا أو هناك، هي مجرد اجتهادات لا تقوم على رؤية واضحة، أو استراتيجية تلبي حاجة “السياحة” أو هدف منشود يصل في نهايته إلى الصورة التي تكون عليها محافظة ظفار في زمن معين.
ماذا تحتاج صلالة.. وهي تستقبل موسم الخريف الممتد ثلاثة أشهر، ومعه تستقبل عشرات الآلاف من الزوار والسياح من داخل السلطنة وخارجها، ــ وصل إلى أكثر من 380 ألف زائر خلال فترة الثلاثة أشهر الماضية ــ، وإلى أي مدى يصل طموح القائمين على الترويج السياحي، وليس صناعته، وما الرقم المستهدف سنويا لعدد السياح في محافظة ظفار؟.
الإجابة على هذه الاسئلة، يتواكب مع الخطط التي ينبغي أن تكون لتحقيق هذه الطموحات، والاستفادة من المقومات الطبيعية والتاريخية والتراثية والثقافية التي تتمتع بها محافظة ظفار عما سواها، والنهوض بقطاع السياحة هناك.
وأعود للقول: إن ما يؤسف له، أن تكون رؤية تطوير السياحة والنهوض بهذا القطاع، هي توفير “خدمات لا تذكر” في عدد من المواقع الطبيعية البديعة، وكأن هذا ما تحتاج إليه هذه المواقع، دون سواها من المشاريع والخدمات.
في زيارة لي هذا العام إلى دربات، وقريبا من الوادي، حيث المياه الرقراقة المنسابة من اعالي الجبال، والعيون المتدفقة التي تلتحم مع البساط الأخضر، والصورة البديعة للطبيعة في أجمل تجلياتها، لم أجد من الاهتمام المستحق بالمكان، غير بضعة “أكشاك صغيرة” تناثرت قريبا من الوادي، لعدد من الأيدي العاملة الوافدة وهي تنادي على الذرة والمانجو وشعر البنات وغيرها من الأكلات السريعة، وعلى الوادي كانت ترقد بضعة قوارب مائية يتم تأجيرها للكبار والصغار، وغير ذلك لا شيء.. رغم أن روح المكان يمكن استلهامها في إقامة مشاريع تخدم الزوار، وتثري السياحة إليه، فانشاء “التلفريك” أو المعبر الهوائي سيضفي متعة على زيارة هذه المنطقة.. وهذا المشروع لسهولته، وقلة تكلفته، يمكن تعميمه على مواقع سياحية أخرى في محافظة ظفار، بدءا من مواقع العيون والسهول الخضراء، وحتى المواقع الجبلية وغيرها.
إن ما يؤسف له، أن هذه الوسيلة “التلفريك” على بساطتها، وعلى كثر المطالبات بها، لم تتوفر حتى اليوم في ظفار، وليس ذلك فحسب، بل الاهتمام بتهيئة بعض الأماكن كمنتجعات سياحية تتوفر فيها مطاعم ومقاهي حديثة، وممرات، وتنشيط الأكشاك الموجودة فيها، وتنظيمها وتوسيعها، من الأمور التي ينبغي النظر فيها، ووضع خطط لا تعتمد على جمال الطبيعة وروعة المناخ فحسب، بل المقومات التي تجعل الاستفادة من عطايا الطبيعة مستداما وليس مؤقتا في أشهر قليلة من العام.
ثم إن وجود حديقة تسلية كبيرة، ومتنزه واسع، وايضا حديقة حيوانات من الأهمية بمكان النظر إليها، ولا يمكن التعلل بضعف الموارد المتوفرة لتنفيذ مثل هذه المشاريع، كونها استثمارات بعيدة المدى، تضع صلالة في قلب السياحة في المنطقة، ووجهة لا يكتفى بزيارتها مرة واحدة.
ومع هذه المشاريع يمكن اضافة المزيد من اللمسات على موقع مهرجان صلالة السياحي، بدءا بالحديقة المائية التي كثر الحديث عنها، أو توسيع بعض الفعاليات سيما القرية التراثية، والفعاليات المتعلقة بالفنون الشعبية، ومع كل ذلك يمكن القول أن مهرجان صلالة السياحي وهو الوجه المحفز بجانب “جمال الطبيعة واعتدال المناخ” لزيارة محافظة ظفار في موسم الخريف، وقد استطاع المهرجان أن يضع نفسه على خارطة المهرجانات المعروفة في المنطقة، وكان بمثابة كتاب مفتوح على ثقافات متعددة ومناشط مختلفة ساهمت في إقامتها مؤسسات عديدة، كلها تنافست لتقديم أفضل ما لديها.
إن الرغبة في أن تكون محافظة ظفار وجهة سياحية دائمة ونشطة، هو ما أسال حبر الكثير من الأقلام التي تحدثت عن حاجة المحافظة إلى صناعة حقيقية للسياحة، ونقص الخدمات والمشاريع، دون أي صدى يذكر.

إلى الأعلى