الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عربيات الكونجرس

عربيات الكونجرس

د.احمد مصطفى

أما كون هؤلاء النسوة مسلمات أو من أصل عربي فلا يعني لنا الكثير، لا من باب أنه تمكين للمرأة نتخذه هاديا لنا في حياتنا العامة، ولا من باب أنهن سينتصرن لقضية عربية أو يدافعن عن مصلحة تخصنا. فالطبيعي والمنطقي أن ولاءهن للمصلحة الأميركية أولا وأخيرا، وربما أكثر من الأميركيين من أصول أوروبية الذين يعتبرون أنفسهم سكانا أصليين..

لم تهدأ بعد فورة الانبهار في الإعلام العربي بفوز نساء عرب أو مسلمات في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس (البرلمان) الأميركي هذا الشهر. ومع أن بعض الحالات تمثل إنجازا غير مسبوق، إلا أن الانبهار العربي ممزوج بتفاؤل في غير محله وكأن “العرس الديمقراطي” الأميركي هذا يخصنا من قريب أو بعيد. فلقد سبق وفاز عرب ومسلمون في برلمانات غربية، وكانت النتيجة ببساطة أنهم (وأنهن) كانوا أشد عداوة للمصالح العربية من نظرائهم (ونظرائهن) الخواجات. وعلى من يريد التأكد الرجوع إلى النواب المسلمين في مجلس العموم (البرلمان البريطاني) وغيرهم ممن أصولهم عربية أو من دول إسلامية في بقية برلمانات أوروبا. ولا غرابة في ذلك، إذ إن هؤلاء إنما يعانون ـ بشكل غير مباشر وغير واعٍ ـ من عقدة أنهم ينتمون لذلك العرق أو ذاك الدين فيكون تصرفهم دوما بقصد “درء تلك الشبهة” بالمغالاة في المواقف مزايدة على الزملاء من جنسية ودين البلد الذي هم فيه.
بالطبع، ليس التعميم صحيحا، وبالتأكيد هناك استثناءات، لكنها تظل “استثناءات”. أما الأغلب الأعم فهو كما أسلفنا. وبتبسيط مخل، لو كنت ناخبا لما فكرت أبدا في الأصل العرقي أو ديانة المرشح وإنما سيحكم تصويتي توقعي لقدرته على خدمة دائرته وتبنيه لوجهات نظر تقترب من آرائي في الحياة العامة. وهذا ما يفعله الناخبون في الديمقراطيات المثالية، لكن المثالية هي مجرد وهم طبعا. وإذا كانت الهان عمر، المهاجرة من أصل صومالي انتخبت في منطقة في مينسوتا يغلب على سكانها مواطنون أميركيون من أصل صومالي فطبيعي أنهم في غالبيتهم صوتوا لها. كذلك رشيدة طليب التي فازت في ولاية ميتشجان وهي من أصل فلسطيني، وأيضا دونا شلالا وهي من أصل لبناني وفازت في ولاية فلوريدا، لم تحصلا على أغلب الأصوات لأصلهما الفلسطيني أو اللبناني أو لديانة رشيدة المسلمة. لكن يظل المشترك الأهم بين هؤلاء هو أنهن مرشحات عن الحزب الديمقراطي.
يعتبر الحزب الديمقراطي نفسه ليبراليا، ومع تحول منافسه الجمهوري مع الرئيس دونالد ترامب يمينا أكثر حتى يكاد يقترب من المتشددين ذوي الأفكار العنصرية يبالغ الديمقراطيون بالطبع في إبراز ذوي الأصول العرقية والدينية المختلفة. وبغض النظر عن ليبرالية الديمقراطيين أو شوفينية الجمهوريين مع ترامب، فإن العملية السياسية الأميركية غالبا لا تخلو من تلك الملامح التي ما زالت تحافظ على “الحلم الأميركي”. وربما كانت إلهان عمر النموذج في هذا السياق، فهي لاجئة صومالية تركت بلادها إلى معسكر للاجئين في كينيا مع عائلتها وعمرها عشر سنوات وبعد عامين لجأوا إلى أميركا. وبعد نحو عقدين تتمكن اللاجئة الملونة المسلمة من الترشح لانتخابات البرلمان وتفوز على نائبة في الكونجرس تمثل الدائرة منذ عقود. فليحتفل الأميركيون بذلك النموذج الذي يحافظ على صفة البلاد بأنها “أرض الفرص”، لكنه احتفال لسنا مدعوين إليه ـ اللهم إلا مثلنا مثل بقية سكان العالم الذين يتطلعون للتجربة الأميركية كنبراس إنساني!
أما كون هؤلاء النسوة مسلمات أو من أصل عربي فلا يعني لنا الكثير، لا من باب أنه تمكين للمرأة نتخذه هاديا لنا في حياتنا العامة، ولا من باب أنهن سينتصرن لقضية عربية أو يدافعن عن مصلحة تخصنا. فالطبيعي والمنطقي أن ولاءهن للمصلحة الأميركية أولا وأخيرا، وربما أكثر من الأميركيين من أصول أوروبية الذين يعتبرون أنفسهم سكانا أصليين ـ مع أن سكان أميركا الأصليين (الهنود الأميركيين) ما زالوا يعيشون في مستعمرات بعد أن استولى البيض الغزاة على أرضهم ووطنهم قبل بضع مئات السنين. أما أن تنتظر من مهاجرة من أصل فلسطيني أن تنتقد الاحتلال الإسرائيلي فهذا شطط، فقد سبقها غيرها في غير بلد غربي يساند إسرائيل ولم يكن لهم من دور سوى أنهم يحاولون المزايدة على نظرائهم ولوم الضحية. أما النواب المسلمون، الذين يفترض البعض أنهم على الأقل يتبنون بعض مطالب الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية، فلتسألوا عنهم جالياتهم أولا ـ أو راجعوا مواقفهم في البرلمانات التي دخلوها فيما يخص قضايا الأقلية التي جاءوا منها.
أما الأميركية من أصل لبناني دونا شلالا فقد وصلت من قبل إلى مراتب السلطة التنفيذية، كوزيرة في إدارة الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون، ولم نعرف عنها أي موقف منتقد لأي من الاعتداءات على العرب وحقوقهم ومصالحهم. ولا أريد التركيز على دونا شلالا، فغيرها كثيرون وكانوا أكثر مزايدة على الخواجة في المواقف التي تعد ضد المصالح العربية. وأضعف الإيمان لدى أمثال هؤلاء هو أن يكونوا أشد تأييدا لأعداء العرب والغاصبين لحقوقهم. وبما أني لا أتصور أن من يقيمون المهرجانات الإعلامية والتغطيات الموسعة لفوز عربيات أو مسلمات بمقاعد الكونجرس هم من مناصري الحزب الديمقراطي الأميركي فلست أرى مبررا لكل هذا الابتهاج.
مع ذلك، وبما أننا نميل دوما لحالة “التفكير بالتنمي” Wishful Thinking في كثير من قضايانا، قد لا يستغرب المرء هذا الفرح الهائل بفوز هؤلاء المسلمات أو العربيات لأنهن من الحزب المنافس لحزب الرئيس الحالي. ومع أني أشك أن دافع التهليل هو أن مجلس النواب في الكونجرس أصبح ذات أغلبية ديمقراطية تعني المهللين، إلا أن العداء للرئيس دونالد ترامب قد يكون مبررا مفهوما للفرح بفوز خصومه السياسيين. لكن في النهاية يظل كل ذلك محسوبا لصالح ترامب وأميركا وعمليتها الانتخابية إجمالا، وما لنا إلا رد الفعل. فبالله عليكم لا تغالوا في “رد الفعل”.

إلى الأعلى